Monday 17th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 2 صفر


ابن باز رمز السلفية والإصلاح
الفقيد - سماته ومناقبه1-4

رحل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله رحمة واسعة الى الدار الآخرة بعد حياة ملؤها الصدق والاخلاص، والعلم والتعليم والجهاد والاجتهاد والسخاء والنقاء والحب والعطاء.
لقد كان رحمه الله مثالاً للعالم الفذ، والقاضي العادل، والمسؤول النشط، والداعية الحكيم، والمصلح الناجح، والمعلم المؤثر، والقيادي المتميز، والسياسي المتمرس، والمتبع الصادق، والمجدد الجسور والغيور الصبور.
عاصر حكام المملكة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - رحمه الله - الى عهد الملك فهد - أمد الله في عمره - فكان لهم نعم الناصح والنصير، ونعم المواطن الأمين,, فأحبوه، وأعزوه واكرموه واحداً تلو الآخر.
صنع رحمه الله لنفسه - بتوفيق الله - خطا متميزاً في تلقي العلم ونشره، وفي التعامل مع الحكام والعوام، وفي التخاطب والتعايش مع الدعاة والحركات مع اختلاف المشارب في الداخل والخارج، وفي مواجهة الخصومة الفكرية بين التراث الذي نشأ عليه وفيه وبين الحداثة التي تفرضها الحياة المعاصرة، وكان رحمه الله في ذلك مسدداً موفقاً ملهماً مبدعاً ليصبح نموذجاً فريداً وقدوة يحتذى بها، ليس في داخل المملكة فحسب، وإنما في العالم الاسلامي كله.
تميز ذلك الخط بالوضوح والقوة والاعتدال والتجدد والواقعية والحياد والتكامل وكان لحيوية الشيخ رحمه الله ودأبه وكرم نفسه الفضل في تغذية المسيرة العلمية والاصلاحية التي انطلقت في المملكة، ومن المملكة الى المشارق والمغارب روحاً جذابة فعالة اثارت استغراب الاحزاب والمذاهب الاسلامية المناوئة، انه العالم المتواضع المحافظ المكفوف البصر الذي لم يسافر خارج المملكة طلابه ومحبوه في كل مكان في العالم وفتاويه وآراؤه تخطت المحيطات لتؤثر في حياة الناس.
نعم أثر سماحة الفقيد رحمه الله في حياة الناس فطبعها بطابع علمي وعملي واخلاقي ونفسي مختلف، لذا اقيمت الصلوات غائباً عليه في انحاء العالم بما في ذلك نيويورك، واشنطن، لوس أنجلوس وغيرها, بل خصصت خطب الجمعة في بعض انحاء العالم للتحدث عن مآثره وسجاياه ويا لها من منقبة ويا لحسرة بعض ضعاف النفوس الذين سودوا الصحائف بالكتابة في حياة الشيخ عنه بأسلوب فج يدل على ضعف الدين وضعف العقل, لقد اصبح الشيخ رحمه الله عنواناً لحسن الاتباع ولا تجد احداً يتحدث عنه بسوء الا وفي دينه مقال، فلقد اجمعت عليه القلوب المؤمنة واحبته النفوس الطيبة، ولو اختلفت مع ارائه وفتاواه.
لماذا يا ترى ذلك كله؟ هذه السلسلة من المقالات محاولة للاجابة المختزلة وما اصعب الاختزال، فالفقيد يحمل خصالاً نبيلة كافح على عدة جبهات يصلح بعضها ان يكون مادة دسمة لرسائل علمية، على اي حال، ما لا يدرك كله لا يترك جله، وهذه بعض السمات الشخصية والمعالم المنهجية للخط العلمي والاصلاحي الذي سلكه الفقيد في نقاط.
1 - العلم الغزير: تسلح رحمه الله بسلاح العلم الشرعي المتعدد الأطراف فدرس الحديث والتجويد والاصول وكان علمه مثار اعجاب طلابه ومحل تقدير علماء عصره الذين انبهروا من قدراته العلمية, لم تكن قوة الشيخ عبد العزيز كامنة في شخصيته المحبوبة الكريمة فقط وانما ايضاً كانت مبنية على القدرة العلمية فلقد اهتم بعلم الحديث بالاضافة الى ما يحسنه ويجيده عادة علماء الدعوة الاصلاحية في الجزيرة ونفخ في روح طلابه حب السنة المطهرة والحرص على تعلمها من مصادرها الاساسية المختلفة لذا فهو فقيه ومحدث وهذا يندر ان يوجد في العالم الاسلامي.
2 - الدعوة الجادة للاجتهاد: كان رحمه الله مختلفاً عن بعض اسلافه ومعاصريه بدعوته الجادة للاجتهاد والأخذ من الكتاب والسنة وعدم التعصب للمذاهب, سئل مرة في اذاعة الرياض عن ماذا سيقول لعلماء المسلمين لو اجتمع معهم؟ فقال ما معناه: سأقول لهم اتبعوا الكتاب والسنة ودعوا التعصب للمذاهب، وهو مع هذا لم يحمل على المذاهب الفقهية المعتبرة وانما كانت دعوته للاجتها] مقرونة باحترام المذاهب المعروفة والأخذ منها.
3 - الانفتاح على الناس: عاش رحمه الله مع الناس وللناس, لم يأخذه العلم منهم ولم تحجبه المناصب عنهم، ومن الذي ينسى المجلس العام بعد الظهر وبعد المغرب مع الناس, انه ربما العالم الوحيد في العالم الذي فتح منزله لنصف قرن لمن يدخل ويخرج بل عاش بعض طلابه ومحبيه في منزله لعدة شهور ينتقلون معه اينما يسافر من مدينة لمدينة وهو - مع مشاغله - لا يبرح يتعهدهم ويسأل عنهم, ان مجلس الشيخ رحمه الله بعد المغرب مدرسة نموذجية وكم طلبت من بعض الزوار الذين لا يعرفون الشيخ ان يزوروه بعد صلاة المغرب بدون موعد لكي يروا الحقيقة بأنفسهم، ولقد فعل البعض فخرج معجباً مبهوراً انه المجلس الذي يفيض ايماناً وعلماً وبهجة وحباً وصدقاً ودعوة, فلا تسمع ولا ترى فيه الا خيراً وحكمة لا محل للدنيا فيه.
انه مع الناس وللناس، فتح قلبه بل منزله يزور ويزار يألف ويؤلف وهو شديد العناية رحمه الله بطلابه ومحبيه يتعهدهم بالاتصال والزيارة وان انسى لا انسى عندما اتصل بي رحمه الله في لوس انجلوس عام 1992 عندما علم اني دخلت المستشفى لاجراء عملية في احدى عيني وذلك دأبه رحمه الله بالرغم من كثرة مشاغله.
4 - الثقة بالنفس وبالناس من حوله: يرى الفقيد الناس بمنظار الثقة والحب، وذلك لثقته بنفسه، وان كان بعض الناس - بدون معرفة - يأخذ ذلك عليه فانه رحمه الله يتعامل مع الناس على اساس احترام المشاعر والنظر في حاجاتهم مطبقاً المقولة المعروفة من خدعنا في الله انخدعنا له وهذا هو واجب رجل الاصلاح لأنه بدون ثقة الناس والثقة في الناس لن يحقق الآثار المرجوة.
وللحقيقة مع تلك الثقة فان الكثير مما يقوله الناس عن الشيخ رحمه الله في هذا الموضوع مبالغ فيه، فهو يتعامل بالثقة وكذلك لديه اساليبه السليمة في معرفة الناس بل لديه من الامكانات والمعلومات الصحيحة عن الناس مما لا يتوفر لأجهزة متخصصة وذلك يعود للثقة فيه رحمه الله ولوجود رجال مخلصين يعتمد عليهم مع عدم تحامله على احد وقدرته الفائقة على الصفح والعفو عند اللبس والخطأ, لم يكن رحمه الله يحمل في نفسه على احد شيئاً، لذا اقبل الناس عليه من العالم الاسلامي باعتبارهم طلابا له لا علماء وانداداً لذا كان بحق ثروة دينية للوطن والعالم الاسلامي لا تقدر بثمن ويكفي ان الناس يتلقون ما يراه بالرضا وبدون تشكك في زمن شحت فيه الثقة.
5 - الكرم والزهد: تميز الشيخ رحمه الله بالسخاء الجم والنقاء الناصع انه بحق كريم النفس يبذل ما في وسعه من اجل الله ولله، ولا يحب المدح والثناء عليه وكثيراً من الوقائع يعرفها الملازمون له والعاملون معه, انه يعطي ويتكرم ويبذل من اجل الله ولا مجال عنده للعائد او المردود عليه في المدى القريب او البعيد الا اجر الآخرة, بهذا ملك القلوب واسر العقول وما اجمل العالم والحاكم عندما يكونان كريمين, البخل اكبر من سجية في البشر انه مرض وعاهة البخيل لا يثق بالناس ولا يحب لهم الخير ولا يسعى في حاجات الناس, انه اناني ذكي يحب نفسه ويعمل لنفسه ولو كان عالماً او داعية, لم يدخل الحسد نفس الشيخ لذا كسبت الدعوة والدولة اصدقاء كثيرين نتيجة سماحة الشيخ وكرمه وعطائه ولقد وقف طلابه ومحبوه دائماً مع المملكة في الخارج للذود عنها والدفاع عن مواقفها، هذه حقيقة للتاريخ يعرفها من عايش العمل الاسلامي في الخارج.
6 - الحرص على الوقت: لقد عرف عن الشيخ دأبه وحرصه على الاستفادة من الوقت في ما فيه نفع واصلاح وبناء, لا مكان للغط وهتك اعراض الناس، واضاعة الوقت في مجالسه.
يستفيد من وقته اذا كان في السيارة احيانا بقراءة بعض المعاملات عليه ومراجعة بعض الآراء والكتب، وعندما يدعى لزيارة ايضا تتم القراءة عليه في احد الكتب ويعلق على ذلك بعض الوقت بصرف النظر عن من في ذلك المجلس من كبراء وعلماء وغيرهم، من هنا ليس بمستغرب ان تكون لديه سعة اطلاع على كتب العلم، فوقته مسخر لذلك وقد ذكر منذ اكثر من خمسة عشر عاماً عندما سئل عن كتاب قرأه واحبه فقال شرح النووي لصحيح مسلم وذكر انه قرأه كاملاً اكثر من 60 مرة ولم يعرف رحمه الله الكسل ولم يتطرق اليأس الى نفسه مع انه نشأ في بيئة مقلدة متخلفة يوم كانت الديار السعودية تغط في سبات الجهل والغفلة والفرقة, خرج من رحم الدعوة الاصلاحية، فكان نعم الممثل لها والحامل للوائها بلا شكوى وبلا ملل او تعب منذ ان بزغ نجمه الى يوم وفاته، عاش لها ومن اجلها وفياً مباركاً.
والى المقالة القادمة في هذه السلسلة بإذن الله للتحدث عن الفقيد بين العوام والحكام .
د, خليل بن عبدالله الخليل
لوس أنجلوس

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق السفر وبطاقات الائتمان
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved