Monday 17th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 2 صفر


الاستثمارات الأجنبية في ضوء المتغيرات الاقتصادية السائدة
د, مفرج بن سعد الحقباني *

شهدت الساحة الاقتصادية في الأسابيع الأخيرة تحركات واسعة من قبل الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في القطاع النفطي كنتيجة للتحرك الدولي الذي تبناه صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز خلال زيارته للدول ذات النفوذ الاقتصادي القوي كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان وكوريا وغيرها من الدول,ومما لاشك فيه فان مثل هذا التوجه يأتي في وقت يتحرك فيه العالم نحو العولمة الكاملة لأنشطته الاقتصادية مما يستدعي الاهتمام بالمعطيات المحلية التي يمكن أن تفرض للبلد موقعاً تجارياً على خارطة التبادل الدولي من خلال الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة من خلال استغلال المقومات التي تتمشى مع المزايا النسبية التي تمتلكها الدولة, ولعلنا في الأسطر القليلة نوعاً ما نلقي الضوء على معطيات النظرية الاقتصادية حول نشاط الشركات الأجنبية ذات الجنسية المتعددة Multinational Corporations حتى نستطيع التعرف على الايجابيات والسلبيات المرتبطة بهذا النشاط لعلنا نستطيع صياغة واقع جديد من التعاون المفيد.
لقد حرص المؤيدون للشركات متعددة الجنسية على ابداء العديد من المزايا الملازمة لنشاط هذا النوع من الشركات وذلك على النحو التالي:
1- تعتبر الشركات متعددة الجنسية وسيلة هامة لتوفير المدخرات اللازمة لتمويل الاستثمارات المطلوبة للعملية التنموية في البد المضيف والتي لم يكن بالامكان تأمينها في حالة غياب هذه الشركات، نظرياً نجد أن معظم الدول النامية تشتكي من انخفاض مستوى داخل الفرد مما يؤدي إلى انخفاض الميل الحدي للادخار والذي بدوره يحد من فرص الاستثمار الممول محلياً وبالتالي فإن الأموال المستثمرة من قبل الشركات الاجنبية تعتبر بديلاً مناسباً للقضاء على محدد النمو المتمثل في الفرق بين المطلوب والمتاح لتمويل الاستثمارات المحلية INvestment Gap Saving .
2- تعتبر الشركات متعددة الجنسية مصدراً رئيسياً لتأمين النقد الأجنبي وبشكل خاص العملات القوية على ساحة التبادل التجاري الدولي وذلك من خلال قدرتها على تطوير وتنمية القاعدة التجارية المتاحة للبلد المضيف ومن خلال قدرتها على انتاج سلع بديلة عن السلع التي كانت تستورد من الخارج، وبالتالي يمكن القول بان الشركات الأجنبية تلعب دوراً رئيسياً في القضاء على محدد آخر من محددات النمو المتمثل في الفرق بين المطلوب والمتاح من النقد الأجنبي Foreign Exchange Gap.
3- تساهم الشركات متعددة الجنسية في زيادة الايراد الكلي المتاح لحكومة البلد المضيف عن طريق الضرائب المفروضة على الارباح وعن طريق المشاركة الفعلية للحكومة في النشاط الاستثماري لهذه الشركات وبالتالي فإن حكومة البلد المضيف تجد نفسها قادرة على استغلال المتاح لديها من الايراد الكلي في أوجه انفاق جديدة لم تكن قادرة على القيام بها في ظل غياب الشركات الأجنبية.
4- تساهم الشركات متعددة الجنسية في تنمية المقدرة الادارية للكفاءات الادارية المتاحة في البلد المضيف سواء عن طريق المشاركة الفعلية في ادارة النشاط الاستثماري أو عن طريق فرض القدوة الجديد في السوق المحلية, ولعل اقرب مثال يمكن ان يدعم هذا الرأي ماتحقق من تحسن فني واداري في المملكة نتيجة لقيام الشركة الامريكية سابقاً أرامكو بالاستثمار في المجال النفطي والذي مكنها في النهاية من تملك وادارة الشركة بالكامل, وفي هذا الخصوص نستطيع التأكد على ماذكره الاقتصادي Theodore Moran في كتابه الشركات الأجنبية وسياسات الاعتماد حول تجربة تشيلي مع الشركات الأجنبية حيث أكد بان الدولة المضيفة تستطيع اكتساب المهارات الادارية والفنية من خلال مشاركتها للشركات الأجنبية مما يمكنها في النهاية من تطوير مقدرتها الذاتية لتصبح قادرة في المستقبل على ادارة وتنفيذ الاستثمار بمفردها, وبالتالي يمكن القول بان الشركات الأجنبية تستطيع مساندة البلد المضيف بالخبرات الادارية والفنية اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي المحلي.
5- تعتبر الشركات متعددة الجنسية وسيلة هامة لنقل التكنولوجيا للبلد المضيف وذلك عن طريق نقل الآلات والمعدات اللازمة لتنفيذ النشاط الاستثماري عن طريق الفن التكنولوجي الحديث المستخدم، ومما لا شك فيه فإن معظم الدول النامية وحتى الصناعية تفتقر لبعض فنون الانتاج المتقدم التي لاتستطيع تمويلها ولاتنفيذها على أرض الواقع دون مشاركة فاعلة من قبل الشركات الأجنبية ولعل الدرس القوي الذي فرضته الدول الشرق آسيوية ككوريا، وتايلاند، سنغافورة، ونحوها خير مثال على الدور الكبير الذي تلعبه الشركات الأجنبية في مجال نقل وتطوير القاعدة الفنية للانتاج وفي مجال سد النقص الملحوظ في عنصر رأس المال الاقتصادي المتاح للتنمية المحلية ولقد شاهد العالم القدرة العجيبة لهذه الدول في التحول من دول ذات كثافة عمالية الى دول ذات كثافة رأسمالية وذلك بفضل الاستفادة الكبيرة من التجربة اليابانية ومن الشركات الأجنبية التي نفذت العديد من الصناعات المتخصصة حتى استطاعت هذه النمور اقتحام الاسواق العالمية مدعومة بقدرة تنافسية هائلة اكتسبتها من خلال التنظيم الجيد للقطاع الصناعي ومن خلال الاستراتيجية الواضحة والأهداف المحددة للتنمية الاقتصادية.
ونتيجة لهذه المزايا القوية المصاحبة لنشاط الشركات الأجنبية فقد توسع نشاط هذه الشركات ليشمل بالاضافة إلى الدول النامية دولاً صناعية متقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان وغيرهما, ولكن هذا التوسع لم يكن محبذاً من الجميع حيث ظهر على ساحة التنظير السياسي والاقتصادي العديد من وجهات النظر التي تحذر من هذه الشركات باعتبارها وسيلة من وسائل الاستعمار العالمي الذي اضمحل سياسياً وبقي نشطاً في المجال الاقتصادي خاصة بالنسبة للدول النامية ذات النفوذ السياسي والاقتصادي الضعيف باختصار يمكن طرح وجهة نظر المناهضين لنشاط الشركات متعددة الجنسية على النحو التالي:
1- على الرغم من ان الظاهر من نشاط الشركات الأجنبية قيامها بتأمين رأس المال اللازم إلا أن تجربة العالم تشهد بان معظم الشركات الأجنبية تقوم بعقد اتفاقات مع الشركة الأم التي تتخذ من الدول الصناعية مقراً لها بحيث تقوم بتحويل نسبة كبيرة من ارباحها للخارج سواء في صورة أرباح أم في صورة رواتب ومزايا عالية تمنح للعاملين في الشركة من نفس الجنسية.
ولعل ماذكره الكاتب الكبير عبدالله بن ناصر الفوزان حول تصرف شركة الزيت العربية اليابانية في الخفجي خير مثال على سوء تصرف الشركات الأجنبية وعدم اكتراثها بالمصلحة المحلية خاصة في ظل غياب عنصر الرقابة والمحاسبة المتسم بالديناميكية اللازمة لمتابعة المتغيرات الاقتصادية ذات العلاقة.
2- ان الشركات الاجنبية تحرص على استيراد السلع الانتاجية الوسيطة من الشركة الأم وبأسعار عالية مما يحول دون قيام شركات محلية بتنفيذ هذه الأنشطة ومما يكلف الخزينة العامة أموالاً طائلة وهذا بدوره يؤثر على الحساب الجاري وحساب رأس المال للدول المضيفة والذي قد يؤدي إلى استنزاف ماتم تأمينه من عملات صعبة.
3- ان مساهمة الشركات الأجنبية في زيادة الايراد الحكومي الكلي اقل بكثير من النقص الناتج عن المزايا المقدمة لهذه الشركات كالاعفاءات والتسهيلات الجمركية وحرية تحويل رأس المال ونحو ذلك.
4- ان الشركات الأجنبية تلعب دوراً رئيسياً في التأثير على النمط التنموي للدولة المضيفة نتيجة لجمعها ونقلها للتكنولوجيا غير المناسبة ونتيجة لتركيزها على انتاج سلع غير مناسبة سوى لفئات محدودة من فئات المجتمع.
5- تلعب الشركات الأجنبية دوراً بارزاً في التأثير على النمط السياسي للبلد المضيف وبالشكل الذي يتوافق مع التوجه العام للدولة مقر الشركة الأم.
6- ان الشركات الأجنبية بما تمتلكه من قدرة استثمارية وادارية وفنية قد تؤدي إلى تدمير الاقتصاد المحلي عن طريق القضاء على الشركات المحلية التي تفتقد لما تمتلكه الشركات الأجنبية أو عن طريق صرف الشركات المحلية إلى الاستثمار في صناعات جانبية وذات تكلفة اقتصادية عالية وهذا بطبيعة الحال له تأثير طويل الأجل على هيكلة الاقتصاد المحلي وعلى قدرته التنافسية مع الاقتصاديات العالمية الأخرى.
بعد هذا العرض المختصر لأهم النتائج الايجابية والسلبية المرتبطة بالتوسع في استقطاب الشركات الأجنبية لتنفيذ الاستثمارات المحلية نود ان نتطرق إلى اقتصادنا المحلي لنتعرف على أبرز الملامح التي صاحبت هذا النوع من النشاط وهذا النوع من الشراكة التي لاشك كان لها دور بارز في صياغة واقعنا الاقتصادي, لقد لعبت الشركات الأجنبية دوراً بارزاً في تنمية القطاع النفطي في المملكة العربية السعودية خاصة في ظل النقص الحاد في الايرادات الحكومية خلال فترة ماقبل الطفرة الاقتصادية مما ساهم في تنمية قدرة البلد الانتاجية والتسويقية والذي مكنها فيما بعد من القيام بالدور بمفردها بعد اكتسابها للخبرة اللازمة.
في هذه الأيام تعود الكرة مرة أخرى لتعود الحاجة إلى تفعيل دور هذه الشركات خاصة بعد النقص الكبير والحاد في الايراد الحكومي الناتج عن تدهور الأسعار النفطية وبعد الزيادة الكبيرة في الانفاق الحكومي الناتجة عن زيادة الانفاق العسكري خلال التسعينيات والتوسع الكبير في القطاع العام خلال سنوات الطفرة، وهذا الواقع الجديد يدعونا الى ملاحظة الموقف بعناية فائقة حتى نستيطع تحقيق الفوائد المرجوة وتجنب السلبيات المصاحبة لتواجد الشركات الأجنبية وهنا أجد نفسي مدعوا للمشاركة بطرح بعض النقاط التي لااخالها تغيب عن أذهان صناع القرار وذلك على النحو التالي:
1- ضرورة تركيز نشاط الشركات الأجنبية في الصناعات النفطية والصناعات المعتمدة على المنتجات النفطية حتى نستطيع تحقيق الاستغلال الأمثل لمواردنا الاقتصادية وفق قاعدة المزايا النسبية التي ستكون المحور الرئيسي الذي يمكننا من مواجهة المنافسة الشرسة على المستوى الدولي.
2- ضرورة التأكد من صياغة عقود المشاركة بالشكل الذي يكفل توازن المصالح وفق قاعدة لاضرر ولاضرار حتى نتجنب تجربتنا السابقة التي اعطت للشركات الكثير من المزايا على حساب المصلحة الوطنية كماكان عليه الحال قبل الطفرة الاقتصادية.
3- ضرورة الاستفادة من التجربة الكورية في تعاملها مع الشركات اليابانية بعد حرب الكوريتين حيث ركزت آنذاك على اعطاء عنصر العمل الكوري دوراً رئيسياً في العملية الانتاجية كوسيلة لاكسابه الخبرة اللازمة وكوسيلة لنقل التكنولوجيا إلى عقل العامل الكوري يجب ان نعلم بان العقل البشري هو الوحيد القادر على نقل التكنولوجيا وبالتالي يجب ان يباشر عنصر العمل السعودي دوره الرئيسي على الآلة لا على كرسي الإدارة كما هي عادته في معظم الأحيان، وهنا اقترح ان تلتزم الشركات الأجنبية بنسبة معينة من العمالة السعودية لاتقل بحال من الأحوال عن 25% من العمالة الفنية قبل بدء العمل و50% بعد خمس سنوات من العمل و75% بعد عشر سنوات وهكذا, اعتقد ان مثل هذا الاجراء سيفرض على الشركة انشاء مراكز تدريبية قبل الشروع في العمل كوسيلة لتأمين النسبة المفروضة حتى لانجد انفسنا في المستقبل نلهث وراء الشركة رغبة في اتاحة الفرصة للشباب السعودي وحتى نحد من نسبة التحويلات من العملات الصعبة التي ستكون في حالة غياب عنصر العمل السعودي.
4- ضرورة صياغة نظام ضريبي مناسب تخضع له الأرباح المتحصل عليها كوسيلة لتغذية الايراد الحكومي وهنا أعيد التأكيد على أهمية النظام الرقابي والمحاسبي الذي يجب ان تخضع له العمليات الاستثمارية ذات الصبغة الاجنبية حتى نحافظ على الحق الوطني في هذه الشراكة وحتى نتلافى ماذكره الدكتور عبدلله الفوزان في مقاله الشهير.
5- ضرورة اتسام عقد الشراكة بالديناميكية اللازمة لمواكبة التقلبات المتوقعة في اسعار الصرف ومعدلات التضخم لتكون أساساً للتعاملات الرسمية التي يخضع لها كافة العاملية في الشركة.
6- ضرورة الزام الشركات الأجنبية بدعم مراكز البحوث ذات العلاقة بموطن الشراكة مع اعطاء الشباب السعودي الدور الأكبر في هذه المراكز، اعتقد ان البحث العلمي هو الأساس الوحيد لتحقيق التقدم الفعلي وبالتالي فان المصلحة الوطنية تقتضي توسيع الاهتمام بهذه المراكز والاستفادة من الخبرات الأجنبية المتاحة ضمن عقد الشراكة.
وأخيراً: اشير إلى أن القطاع النفطي هو الواجهة الرسمية لاقتصادنا المحلي وبالتالي فان الشراكة الأجنبية لاشك ستتمركز فيه وحوله وهذا يمنحنا الفرصة من جديد للاستفادة من الماضي في صياغة الحاضر والمستقبل ويمنحنا الفرصة في تفعيل دور القطاع مرة أخرى ولكن بطريقة لاتعتمد على النفط الخام بل على المنتجات التي تعتمد على النفط الخام، اعتقد ان الفرصة ربما تبدو مواتية للتخلص من عقدة الاعتماد على النفط الخام كمصدر رئيسي للدخل عن طريق التوسع في الصناعات الأخرى التي لنا فيها ميزة نسبية حتى نستطيع الابتعاد عن سياستنا السابقة التي أرادت ان تحقق لنا الأمن في كل شيء واعتقد انها فشلت في تحقيق أي شيء خاصة في مجال الاستثمارات الزراعية.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق السفر وبطاقات الائتمان
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved