Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


إسلامية القدس ماذا تعني؟
دكتور محمد عمارة

القدس - كل القدس - حرم مقدس,, كما ان مكة - كل مكة - حرم مقدس,, ولقد اطلق القرآن الكريم على هذه المدينة المقدسة مصطلح المسجد قبل الفتح الاسلامي لها، وقبل بناء المساجد الاسلامية فيها فهي مسجد كما ان مكة مسجد اي قبلة للساجدين,, حدث ذلك منذ العام الثاني قبل الهجرة - عام معجزة الاسراء - (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) الاسراء,, فالاسراء قد حدث من مكة - المسجد - إلى القدس - المسجد - وهو قد اقام رباطاً بين هذين الحرمين المقدسين هو آية من آيات الله سبحانه وتعالى,, وهو رباط يجسد وحدة الدين الالهي عبر كل النبوات والرسالات فالمسجد الحرام الذي هو اول بيت وضع للناس في الارض والذي اصبح قبلة امة الرسالة الخاتمة، عندما يربط الله - بالاسراء - بينه وبين القدس - قبلة النبوات السابقة - انما يرمز بذلك الى وحدة الدين الالهي والى اكتماله بالاسلام، والى جمع العقيدة الاسلامية الايمان بكل الرسل والرسالات من آدم الى محمد عليهم الصلاة والسلام,, لا نفرق بين احد من رسله.
واذا كان المسلمون هم الذين سموا هذه المدينة:القدس والقدس الشريف وبيت المقدس والحرم القدسي منذ فتحهم لها سنة 15ه 636م وذلك بعد ان كان اسمها يومئذ ايليا الكبرى فلقد صنعوا ذلك ليعلنوا بهذه الاسماء القدسية عن قداستها ولم يكن قد قام فيها يومئذ مسجد من مساجد الاسلام ولا دخل احد من اهلها في دين الاسلام!.
لقد عاملوها - كما شاء الله لها - معاملة الحرم المقدس,, وتجلى هذا الاعتقاد الاسلامي في احداث الفتوح فكما ان مكة حرم مقدس ولذلك لا يحل فيها القتال,, كذلك عامل الفاتحون المسلمون القدس فحاصرها جيش المسلمين بقيادة ابي عبيدة بن الجراح حتى رغب اهلها في الصلح، دونما قتال، لانها حرم لا يحل فيها القتال بل لقد ظلت هذه الحرمة عقيدة اسلامية مرعية عبر عصور التاريخ,, فعلى الرغم من ان الصليبيين الذين اقتحموا القدس عنوة (492 ه 1099م) قد ابادوا جميع من بها من المسلمين عندما اقاموا فيها مجزرة دامت سبعة ايام، لم يسلم من الذبح فيها حتى الذين احتموا بالمسجد الاقصى، فذبحهم الصليبيون حتى جرت الدماء في المسجد كالنهر وسبحت فيه خيول الصليبيين حتى لُجُم هذه الخيول!!,, على الرغم من ذلك عامل صلاح الدين الأيوبي (532 - 589ه 1137م - 1193م) هذه المدينة المقدسة معاملة الحرم الذي لا يجوز ولا يحل فيه القتال,, فحاصرها (583ه 1187م) حتى صالح الصليبيون فيها على التسليم,, فهي ليست مجرد مدينة,, وانما هي حرم، وبعبارة صلاح الدين: انها ارثنا وارث كل اصحاب الديانات,, فيها تجتمع الملائكة,, ومنها عرج نبينا الى السماء ,.
ولتقديس الاسلام لهذه المدينة باعتبارها مسجداً وحرماً وقبلة للنبوات السابقة,, ولان الاسلام وحده هو الذي جعل الايمان بالنبوات والرسالات السابقة جزءا من عقيدته تميزت السلطة الاسلامية عبر تاريخ السيادة السياسية للدولة الاسلامية على مدينة القدس، باشاعة قدسيتها لكل اصحاب المقدسات من ابناء كل الديانات السماوية,, فكانت الدولة الاسلامية وحدها والسلطة الاسلامية دون سواها هي المؤتمة والامينة على المقدسات غير الاسلامية في هذا الحرم المقدس الشريف بينما كان العكس - اي الاحتكار - هو موقف كل السلطات غير الاسلامية التي استولت على مدينة القدس فالرومان قد احتكروها لانفسهم - دون اليهود والنصارى - حقبة الوثنية الرومانية وبعد ان دخلوا في النصرانية احتكروها دون اليهود وعندما فتح المسلمون القدس كان من مطالب اهلها - النصارى - الا يسكن فيها احد من اليهود ولا احد من اللصوص!,, وصنع هذا الاحتكار ايضا الصليبيون الذين احتلوها تسعين عاما فبعد ان ذبحوا اليهود مع المسلمين احتكروا مقدسات المدينة، حتى لقد حولوا المسجد الاقصى الى كنيسة لاتينية، والى اصطبل لخيول فرسان الاقطاع اللاتين! ونفس الاحتكار يصنعه الصهاينة اليوم عندما يطاردون الوجود العربي اسلاميا ونصرانيا - ويهددون المقدسات بالاستيلاء والهدم والتحويل!
والفارق بين المسلمين وغيرهم في هذه القضية - اشاعة قدسية القدس او احتكارها - ليس مجرد تسامح يقابل التعصب وانما هو دين واعتقاد ديني فالاسلام وحده هو الذي يعترف بكل الرسالات والشرائح الدينية ومن ثم يعترف بقدسية مقدسات اهلها، ولقد جعلت دولته من امان وتأمين غير المسلمين على عقائدهم وصلبانهم وكنائسهم - مع انفسم واموالهم ونسائهم وابنائهم - دينا وعهدا وميثاقا بينما اليهودية لا تعترف لا بالمسيحية ولا بالاسلام والنصرانية تتخذ نفس الموقف من الاخر الديني ومن مقدساته ولذلك لم تكن صدفة ولم يكن مجرد تسامح ان تشيع قدسية القدس بين كل اصحاب المقدسات، في ظل السيادة الاسلامية على القدس، وان تقع هذه المدينة وقداستها في الاحتكار عندما يحتلها الآخرون,, الامر الذي يجعل من السيادة الاسلامية على القدس المصلحة المحققة لكل اصحاب الديانات، وليس فقط للمتدينين بدين الاسلام ولان هذه هي حقيقة الاعتقاد الاسلامي، التي جسدتها السيادة الاسلامية على القدس ولقد رأينا - عبر تاريخ هذه المدينة المقدسة - حجج اوقاف الكنائس النصرانية تنص على ان يكون نظار هذه الاوقاف الكنسية من المسلمين بل وتنص كثير من هذه الحجج على ان تكون مفاتيح الكنائس بيد أسر مقدسية مسلمة!
ولان هذا هو مقام القدس في عقيدة الاسلام والمسلمين وموقعها في التاريخ الاسلامي,, ومكانتها في الدولة الاسلامية,, فاننا يجب ان نتعامل معها في هذا الطور من اطوار الصراع التاريخي حولها وعليها، باعتبارها اكثر من قطعة ارض,, واعظم من مدينة,, واهم من عاصمة للدولة الفلسطينية,, واخطر من كونها قلب الصراع العربي الصهيوني,, انها كل ذلك واكثر من ذلك انها جزء من عقيدة امة يبلغ تعدادها مليارا وثلث المليار، وليست مجرد قضية وطنية لثمانية ملايين من الفلسطينيين، ولا مجرد مشكلة قومية لاقل من ثلاثمائة مليون عربي,, انها عاصمة الوطن الفلسطيني ,, ومحور الصراع العربي الصهيوني، وفوق كل ذلك، انها عقيدة اسلامية، وحرم مقدس، والرباط بينها وبين الحرم المكي هوالتجسيد لعقيدة وحدة دين الله، التي جاء بها الاسلام,, فإسلامية القدس واسلامية موقفنا في الصراع حولها، يضيف للامكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية، ولا ينتقص منها,, بل ان هذه الاسلامية لقضية القدس، هي -كما أشرنا- في مصلحة سائر أصحاب المقدسات من سائر المتدينين بالديانات.
واذا كانت هذه هي حقيقة أبعاد موقفنا من قضيةالقدس,, فإن الوعي بهذه الحقيقة، واستدعاء طاقات هذه الأبعاد الإسلامية,, تتزايد وتشتد عندما نعلم أبعاد الموقف المعادي ازاء هذه المدينة المقدسة,,
صحيح اننا نواجه -في القدس وفلسطين- مشروعا استعمارياً استيطانيا عنصريا، لكنه ليس كغيره من المشاريع الاستيطانية العنصرية -كالذي قام في جنوب افريقيا مثلا- وانما نواجه أبعادا اسطورية دينية لهذا المشروع الاستيطاني الاستعماري العنصري، تجعل من استدعاء الأبعاد الدينية الاسلامية لموقفنا من هذه القضية ضرورة صراعية، فضلا عن أنها دين واعتقاد.
فهذا المشروع الاستيطاني العنصري، القائم الآن في القدس وفلسطين، قد تبلور أول ما تبلور في اللاهوت البروتستانتي الغربي، انطلاقا من الفكر الأسطوري حول رؤيا يوحنا وعودة المسيح -عليه السلام- ليحكم الأرض ألف سنة سعيدة،بعد معركة هَره مجدون والذي جعل من جمع اليهود وحشدهم في فلسطين، وتهويد القدس، واقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، أي جعل من تحقيق العلو الصهيوني، ديناً يتدين البروتستانت في الغرب,, ثم حدث التبشير بهذا المشروع البروتستانتي بين الجماعات اليهودية، فتلقفته الصهيونية -كحركة قومية عنصرية- والامبريالية الغربية- إبان زحفها على الشرق الإسلامي- وبحثها عن اقليات توظفها -كمواطىء اقدام- في المشروع الاستعماري,, فاجتمعت لهذا المشروع الاستيطاني الاستعماري العنصري عناصر متعددة ومركبة منها:
1- البعد الديني في لاهوت النصرانية الغربية,, وهو الذي بدأ بروتستانتيا، ثم مارس الابتزاز والتأثير على الكنيسة الكاثوليكية الغربية، حتى جعلها تشرع في تهويد نصرانيتها - بدلا من تحقيق الاعتراف اليهودي بالنصرانية! -فهي الآن تسعى لتجعل يَهوه الهها! وتتحدث عن دمج المسيح في اسرائيل , وتعدّل ليس فقط في الفكر المسيحي وإنما في الأناجيل والصلوات !,, لتصل الى طلب الغفران من اليهود، بعد أن عاشت قرونا تبيع صكوك الغفران !.
2- والبعد الاستعماري العلماني - بل والدهري الوضعي والمادي - فبونابرت 1769-1821م الوضعي الدهري,, هو أول من دعا الى توظيف هذه الأساطير الدينية في خدمة مشروعه الاستعماري,, وسايكس السياسي الاستعماري الانجليزي- الذي عقد مع بيكو - الفرنسي - معاهدة سيكس- بيكو سنة 1916م لتمزيق الدولة العثمانية، وتوزيع أجزائها العربية بين القوى الاستعمارية,, قد أقاموا له تمثالا في قريته سلومير - بمقاطعة يوركشاير ,, مكتوب عليه ابتهجي يا قدس !,, فالقدس هي هدف الاستعمار الغربي العلماني كما هي هدف اللاهوت النصراني الغربي.
وعندما دخل الجنرال الانجليزي اللنبي القدس 1917م، تقمص صورة بابوات الحروب الصليبية، فقال: اليوم انتهت الحروب الصليبية ! ويومها نشرت مجلة بنسن puncn الانجليزية رسماً يمثل ريتشارد قلب الاسد الملك الصليبي وهو يقول: الآن تحقق حلمي .
اما الجنرال الفرنسي جورو الذي يرفع راية العلمانية الفرنسية المتطرفة فهو الذي يذهب عند دخوله دمشق 1920ه الى قبر صلاح الدين الايوبي ليركله بقدمه ويقول: ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين .
فالبعد العلماني الغربي يحالف ويعانق ويساند ويوظف البعد اللاهوتي الغربي في الصراع على القدس وفلسطين.
3- والبعد الامبريالي الامريكي المعاصر الجامع بين الدين والاستعمار هاهو يوظف المسيحية الصهيونية في خدمة تَديين الاغتصاب الصهيوني الغربي للقدس وفلسطين فالكونجرس الامريكي عندما يقرر في 1995م نقل السفارة الامريكية الى القدس وبناءها على ارض الاوقاف الخيرية والاسلامية يقول: في مقدمة قراره هذا ان القدس هي الوطن الروحي لليهودية مع ان هذه القدس لم يرها نبي اليهودية موسى عليه السلام ولم تنزل فيها توراة اليهودية واذا كان داؤود وسليمان عليهما السلام قد عاشا فيها برهة من تاريخها الطويل فهما بنظر اليهود ملوك وليسوا رسلا ولا انبياء,, فلم؟ ومتى كانت القدس الوطن الروحي لليهودية؟! ان الامبريالية تحول الاساطير الى دين تدعم به الاغتصاب.
4- واخيرا البعد العنصري الصهيوني الذي حول اليهودية الى عنصرية صرفة لا علاقة لها بذلك الدين السماوي الذي انزله الله على موسى عليه السلام,, فتعريف اليهودي في دائرة معارف كيانها الاستيطاني هو المولود من ام يهودية اي ان هذا العامل البيولوجي وليس التدين بالدين هو الذي يحدد يهودية اليهود فالمولود من ام يهودية حتى ولو كان ابن زنا او ملحداً يصبح يهوديا، ومن شعب الله المختار، وصاحب الحق في الاستيطان والاغتصاب للقدس وفلسطين.
هكذا نواجه في القدس وفلسطين استعمارا استيطانياً امبرياليا عنصريا يوظف الاساطير والاوهام والاكاذيب ليجعلها دينا يدعم المشروع الاستعماري وروحانية تغلف الاستيطان العنصري فهل نترك العدو يدعم الباطل بالاساطير ونهمل -نحن- تأييد الحق الفلسطيني الوطن، والمطلب العربي القومي بحقائق الوحي الالهي، وصادق الاعتقاد الديني، وناصع صفحات واقع الحضارة والتاريخ.
ان الذين يخافون من اسلمة الصراع حول القدس وفلسطين - حتى اذا حسنت نواياهم - هم كالسفهاء الذين لا يعرفون قيمة الاسلحة الايمانية التي ورثوها عن الأجداد في هذا الصراع التاريخي الطويل وهم بهذا السفه انما ينتزعون من الامة امضى اسلحتها في هذا الصراع فيرجحون بذلك كفة الاعداء في هذا الصراع.
ان اسلامية القدس هي الحق الذي نفل به اساطير الاعداء وهي لا تنتقص من الامكانات الوطنية الفلسطينية والطاقات القومية العربية في هذا الصراع وانما تضيف اليهما طاقات الاعتقاد الاسلامي وامكانات الاسلام.
كما ان هذه الاسلامية لا تهدد جهادنا بشبهة الحرب الدينية التي يخافها كثيرون لان اسلامية القدس هي وحدها ضمان شيوع قدسيتها بين جميع اصحاب المقدسات من كل الديانات ومن ثم فانها ضمان عدم احتكارها وهو الاحتكار الذي يهددها بالتهويد في هذه الايام.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved