Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


وصية الفلاح
للكاتب الإيطالي أنطونيو فوجازارو (1842-1911)

*ترجمة:حصه إبراهيم العمار
كنت في بداية حياتي اعمل مساعداً لمحام من (فيننزا) حين وفد على مكتبنا في صبيحة احد ايام شهر اغسطس، حوالي الساعة العاشره فلاح من (ريتورجول) ورجا المحامي ان يتجه معه الى منزله كيما يكتب وصية ابيه الذي كان في(مرض الموت) كما وصفه.
ونهض المحامي معه فطلب مني ان ارافقهما ففعلت وركبنا عربة ريفية مهترئة مخلعة الاوصال والزنبركات تجرها فرس هرمة متعثرة الخطى وكانت مقاعدنا قاسية لاوسائد عليها فزاد ذلك في حجم ما كابدناه من معاناة والقيت نظرة خاطفة على محيا المحامي فإذا هو ينضح بالالم وظل المسكين يصرخ كلما اهتزت العربة اما انا فقد كنت اعاني بصمت فيما عكست رباطة جاش الفلاح استفحال حالة والده الصحيه والذي كان ذائع الصيت في بلدته.
حالما ابتعدنا عن القرية تركنا الطريق الرئيسي ودخلنا درباً فرعيا ضيقاً موحلاً ظلت العربة تمارس عبره شتى انواع الاهتزاز والدبدبة على ان معضلتنا - بحمدالله لم تظل- اذ سرعان وصلنا الى وجهتنا.
كان المنزل في حالة يرثى لها وقد شيد وسط غابة من الوحل اما الاسطبل فقد اعتلاه مخزن للتبن جعل ملجأ للمالك والبهائم على حد سواء, وكنت والمحامي على وشك دخول المطبخ حين احطنا علماً بان المريض لم يكن في المنزل اذ ان ماكان عليه من وضع سيء وحرارة اضطرهم الى نقله الى مخزن التبن اما الصعود الى حيث كان مستلقياً فقد كان غاية في الصعوبه فقد تحتم تسلق سلم بدائي متارجح, وغلت مراجل الغضب في فؤاد المحامي الذي رأى في ذلك اهانة له وتعريضاً للمخاطر وابدى رغبته في العودة من حيث اتى على ان الرجل الذي كان يمسك بالسلم افاده أنه لاخطر على الاطلاق في صعوده!
وصاح فلاح آخر جاء علىصوت الجلبة فامسك بالسلم كذلك:
-اصعد سيدي! لاتخف انه قوي!
ولاني كنت اصغر من الاستاذ المحامي,, واكثر تمرساً بحكم هوايتي المتمثلة في صعود الجبال,, يضاف الى ذلك كلمة فضول غامر لاستكشاف كنه الامر,, فقد قفزت بخفة وتسلقت السلم حتىوصلت الى المخزن دون خسائر في الاموال او الارواح وشجع نهمي ذاك المحامي الذي سرعان ما اقتفى اثري فصعد خلفي,في المتبن كان ثمة فراش من القش,, قذر بائس وعليه اضطجع شيخ في اسمال باليه وقد جعد المرض والشيخوخة ملامحه وبدت عيناه خلواً من الحياة,, انطفأ فيهما بريق الامل فكأنهما تنوران خمدت نارهما, ورغم ان العليل كان يتنفس بصعوبة الا انه بدا جليا انه لم يكن يعاني, الى جانبيه وقف رجلان يقطر التصنع والمكر من ملامحهما، رغم ان وجهيهما كانا نظيفين حليقين.
وكان احدهما مستغرقا في تحريك غصن يطرد به الذباب عن وجه المريض فيما ظل الاخر يمضغ في فمه الادرد قطعاً من الخبز والجبن -كل ابتاه! قال مخاطباًوالده بلهجته الفلاحية.
وعلى مقربة منهما جلست امرأة واضعة وجهها بين يديها فيما اصطف عنها غير بعيد مثله من الفلاحين جاؤوا للشهادة، كانوا يتحدثون بصوت منخفض كسرت طبيعة الموقف حدته فيما لاحت طاولة ومحبرة وكرسي كيما تدون الوصية المرتقبة.
وعلمنا ان العجوز المريض كان مستعدا لإملاء وصيته عن طريق الاشارة فما كان قادراً على النطق.
وتردد المحامي في ظل شكوك شرعت تحوم حوله على ان الابناء تطوعوا لاثبات صحة دعواهم, هب من كان يطعمه رغيفاً وجبناً فدنا من ابيه وصرخ في اذنه.
-ابتاه,, الخروف من نصيبي؟!.
وهز المحتضر راسه نافياً:كلا!
- هل جعلته (لتيتا)؟.
-أجل! جاءت هزة الاس ثانية موحية بذلك!
-وماذا عن حقل (بوليج) لمن تتركه؟
ونقل المريض بصره حتى وقع على الفلاح الذي جاء بنا .
-هو,, اذاً من نصيب (جيجيو)- اهذا مارميت اليه؟
وهز راسه بالموافقة ثانية.
-اذا فقد رايت بعينك سيدي المحامي اني لم اكن مخطئاً قال الابن.
على ان المحامي لم يكن مقتنعاً تماماً ولذا فقد بادر الى سؤال زوجة العجوز وكانت تجلس منحنية فوق كومة قش والتي انفجرت فجأة مؤكدة على ما اشار زوجها اليه وانه قد قضى بما سلف وهو في كامل وعيه وحواسه مدللة على صحة قولها بما وقع منذ نصف ساعة خلت حين اعترض زوجها المحتضر على ادماء الطبيب البيطري لثور مريض واختتمت بانها تعرف تماما ما عقد زوجها النية عليه فيما يختص بالتركة ورغم انها كانت تنضح الماً وتاثراً الا ان نبرات الصدق بدت جليه معبرة نابعة من اعماق ذاتها الثكلى,, اجل ماكانت تنوي خداع المحامي فيما يختص بتوزيع التركة,, ومقدارها فطبقاً لما قالته لم يكن هناك سوى اولادها الثلاثة الحاضرين اما الارث فيتمثل في خمسين هكتاراً من الاراضي الزراعية الجيدة، وبيت آخر- وقطيع من الماشية وعدد من المعدات الزراعية الى جانب بعض المتفرقات واكد ابناؤها على ماقالته وكذا فعل بقية الشهود، على ان المحامي اقترح توزيع الارض بين الابناء بالتساوي الا ان الجميع عارضوا ذلك مشيرين الى ضرورة تنفيذ ما اوصى به العجوز بحذافيره.
وتقدم رجل بدا انه كان يبزهم خلقاً واخلاقاً فقدم الى المحامي علبة السعوط ثم سار بخيلاء شان من يرى علو قدره وباع معرفته وتميزه عمن سواه, قال:
-ان الرجل يوشك ان يرحل عن عالمنا ولا اعتقد ان الوقت يسمح بتطبيق القانون بحذافيره, ووافق المحامي ثم شرع في املائي كيفية توزيع التركة كما تقرر على انه قال مخاطباً العجوز كمن تذكر شيئاً:-وماذا عن زوجتك؟ الا تنوي ترك شيء لها؟
على انه هز راسه نافياً، فاصر الجميع- بما فيهم الزوجه- على ضرورة تنفيذ ما اراد,واحتج المحامي حتى في حالات كهذه يقتضي القانون تطبيق مبدأ العدالة! ينبغي الا نغفل ذلك!.
-سيدي,, قالت المسنة بشجاعه- لايهمني القانون لن امس شيئاً حتى وان مت جوعاً!
ورضخ سيدي المحامي لإرادة المراة ثم شرع في قراءة بنود الوصية بصوت مرتفع وكنت قد قدمت مقعدي له ووقفت بجانبه.
وفجأة علا صياح احد الديكه ثم اقبلت ريفية شابه تحمل رضيعاً لها واللهاث يقطع انفاسها:-ماذا يعملون هنا؟ اينهبونني وطفلي؟! قالت مسلطة علي والمحامي نظرات تقدح شرراً!
عند ذلك نهضت العجوز وابناؤها الثلاثه فاندفعوا صوب الوافدة ونهض المحامي كذلك هب قائماً وامرهم جميعاً بالتزام الهدوء!
-من تكون هذه المراة؟تساءل
وردت العجوز بتردد:
- انها,,انها ابنتنا,, على انها لاتصلح لشيء,, كن على يقين ان اباها لن يترك لها شيئاً.
-ماذا؟ وانت ايضاً يا امي؟! قالت الفتاة بمرارة - لا آبه بما يقوله اخوتي اما ان ياتي ذلك الظلم من امي فامر لايحتمل انت تحطمين قلبي,, قولي لي بربك,, اي جريرة اقترفت وزوجي حتى اعامل كدخيلة؟هاه,,-هذا يكفي- الا تخجلون؟ هذا مشين- ساعتقل اول من يفتح فمه بتهمة الحنث باليمين! ياللعار! قال المحامي.
واصطبغت وجوه الاخوة بحمرة الغضب المتعاظم,, اما الشهود فقد انكمشوا في رعب فيما تبادلت الام وابنتها نظرات تغيض حقداً وكراهية وهم يرون المحامي يمسك بالوصية فيمزقها ارباً والغضب يكاد يعميه,, وفجأة اندفعت الفتاة الى الامام دون ان يوقفها احد الى حيث يرقد ابوها على فراش الموت ثم وضعت رضيعها الى جانبه ,-ابتاه,, اتريدني ان اموت جوعاً,, دع على الاقل شيئاً من مصيدة الذرة لطفلي, وغشت محيا المحتضر سحابة كدر ما تكره الموت ينبثق غيظاً واذ انه سرعان ما اغمض عينيه,, لن انسى ماحييت منظر الرأسين اللذين كانا يتوسدان المخده, بداية الحياة,, ومنتهاها,, راس تلمع فيه عينان ضاحكتان وغمازتان تتوسطان خدين متوردين وراس العجوز المقطب الملامح وقد اطفا الموت فيه وهج الحياة فكانما هو يم بليل.
وجاء رجل الدين فقال اذ لمح الراسين:
-هذا اذا عوض عن ذلك - ما اعدلك يا احكم الحاكمين ونهض المحامي الذي كان في عجلة من امره فهبط السلم وتبعته بدوري على اني وقبل ان انحدر احببت ان ارضي فضولي فالقيت نظرة اخيرة عليهم كان الابناء والشهود قد اختفوا فجاة فيما احتضنت الام الشابة وليدها تهدهده وتناغيه ليهدأ اما والدتها فقد كانت وفية لذكرى زوجها الذي احبته وتفانت في طاعته حتى آخر لحظة في حياته, كانت جاثية لديه تدعو له بالمغفرة والرحمة.
وهبطت السلم بدوري ثم اتجهت والمحامي الى المدينة وسط غابات من الحقول الشاسعة والخضرة اليانعة، وكان شجر الحور متشابك الاغصان وقد طوقته دوالي تدلت منها عناقيد عنب قد استوى بعضها فبدى ذلك كله وكان الجميع يخطر في رقصة نشوى,, في خضم احد الاعراس اليومية للطبيعة,, فيما عبق الجو بشذى الازهار وسيمفونية الاطيار النشوى بما يضج به المكان تحتها من روعة وجمال ودفعني ذلك كله,, وانا اسير الهويني الى اعمال فكري لاستشراف كنه امر استعصى عليَّ فهمه,, وقصر ادراكي عن بلوغه: كيف يمكن ان يكون نتاج ذلك الوهج المتلألىء,, عبق الزهور وهمس الطيور,, في قلوب العباد حقداً مريراً وكراهية بغيضة؟!!.
- لا استطيع ان افهم كيف! قلت للمحامي- يبدو ان الانسان عاجز لا يجيد تسخير ماوهبه الله من قدرات للانتفاع بما قدر له الخالق من كنوز وهبات.
-اخشى ان تكون محقاً في ذلك - رد المحامي- على انك لو تمعنت في مصدر الغلط هنا لوجدته ينبع من ارذل الخطايا,, الانانية المقيتة وحب الذات,, ماعلينا,, دع الخلق للخالق فهو علام الغيوب سبحانه وهو القادر على كل شيء,, لسوف يجدون سويا ومع مرور الايام دواء شافياً، اذ اني مارايت مؤسياًكالزمن.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved