Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


أمي التي لم تمت

الإهداء:
إلى روح جارتنا التي ماتت مختنقة بدخان حريق,, مساء ذات يوم من عام يلملم بقايا أيامه الأخيرة ليرحل.
استطعت قراءة ملامح وجه أمي لمراحل زمنية متعددة، كما أستطيع تلاوتها على كل البشر فملامحها لا تزال تسكن فكري أحفظها عن ظهر قلب.
أمي تلك السيدة الجميلة المحيا التي آثر الزمان إلا أن يطمس بعضاً من معالمها في سنواتها التي قضتها بيننا على ظهر تلك البسيطة الأرض منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى صدق الله العظيم .
ردد على مسمعي تلك الآية ذلك الرجل العجوزالذي سجل الزمن بصماته على ملامحه بعدما رحل أبناؤه عن الدنيا ولم يبق سواه,.
كان يقف قريباً من قبر أمي,, جاء يرتل فاتحته على فلذات كبده الذين يرقدون تحت تراببقيع الغرقد .
جففت ماتبقى من أدمعي والتفت إليه بشفاه متمتمة وعينين نطقتا تقول: لم تمت أمي بل قتلت.
اختنقت يوم أن جعل الله لها في اشتعال الحريق سبباً، وفي بطء رجال المطافئ سبباً آخر.
أردف قلبي يردد الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه,, الحمد لله الذي رزقنا الصحة والعافية,, وانسللت من بين قبر أمي بعدما تلوت لها فاتحة الكتاب ودعوت لها بالرحمة والمغفرة وأن ينزلها الله منازل الشهداء,.
تلك أمي التي مافتئت تفتح ذراعيها لي وأخوتي حتى بعد أن تجاوز بنا العمر وخطت بنا السنون وتراكض أبناؤنا أمامنا، وحتى ورايناها التراب، شحذت هممي ودثرت دمعاتي التي سكبت في داخل نفسي ثم حملت جسدي المتعب,, المتكئ على وتيرة الآهات ما أمرّ فراقك أيتها الأم وما اصعب ذلك الزمن الذي دثرك عنا في دقائق معدودات تشابه تلك الدقائق أحلام نومنا.
ما أقسى تلك النيران.
وما أقسى أولئك الرجال.
شقيقتي المكلومة لا تزال كل صباح ومساء تروي لنا قصتها مع أولئك الرجال وكيف ماتت أمي,, كثيراً ماترددها على مسامعنا قائلة:
تخبطت يميناً وشمالاً، شمالاً ويميناً,, وما من مغيث بعد الله، حتى تجمع من حولي صبية صغار ما من شيء يفعلوه,, سارع أحدهم لأقرب هاتف يطلب فرقة الإنقاذ,, تململ المجيب ثم صرخ به وقبل أن يغلق في وجهه الهاتف قال:
أما من شخص كبير يتحدث إلينا.
وتقول: دارت بي الدنيا دورتها وعدت أدراجي مرة أخرى لأهيم على وجهي من جديد أتخبط في كل الاتجاهات يمين، شمال، شرق، غرب,, وحتى رحت أستعطف رجلاً يتسكع بهاتفه المتنقل، أردت الهاتف منه أشاح بوجهه عني وغادر بعد أن قال لي:
ابحثي عن هاتف.
ولا زلت أجوب الشارع وما من سواي وأولئك الصبية الصغار يبحثون معي عن مغيث لأمي أمي التي قتلت في بطء أولئك الرجال حتى اصطدمت بأحد الأبواب أمامي اتجهت للهاتف لتصدمني كلمات رجال الإنقاذ مرة أخرى واعذارهم الواهية حين قال أحدهم:
أليس هناك رجل يبلغ؟!,, ثم أستدرك قائلاً لي:
دعي رجلاً يتحدث إلينا,.
أمي بالداخل,, أمي بالداخل,.
تلك الكلمات التي ترددها شقيقتي كثيراً,, رددتها طويلاً حين اختنقت أمي وحتى بقيت لنا صدى في ذكرى أمي التي لم تمت لكنها ماتت تختنق في نيران الحريق وقسوة أؤلئك الرجال وبطء حركتهم.
وعدت تلملمني الذكرى لغياب أمي حمامتنا المحلقة دائماً حولنا.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved