مساحات بيضاء ريمة الخميس عصابات سوداء,,فوق عيون الضمائر! |
الشعار الشائع في دور القضاء والمحاكم في الغرب امرأة معصوبة العينين، ترمز إلى نزاهة العدالة، وحتى في كثير من دور القضاء في عالمنا العربي - البلاد التي رأيتها على الاقل - مجسمات ضخمة، اونحت بارز بارتفاع الجدار كله، لتلك المعصوبة العينين، بل ان هذا الشعار يضرب في اصوله الى عمق انساني بعيد، حين ابتدع اليونانيون ضمن الساكنين لقمم الاولمبوس شخصية ديكي التي أوكل اليها رعاية الحق وانصاف العدالة، وقد كانت هذه المرأة الرمز، تصور معصوبة العينين كي لا تنحاز الى طرف تراه، وهناك شخصيات اسطورية اخرى، مثل تيرسياس العراف الذي رأيناه في اوديب الملك لسوفوكليس، والذي كان ضريرا فلا يتلاعب بصياغة الاحكام اكراما لشخص يراه,, ومن اليونانيين ارتحل هذا الشعار في الزمان حتى ايامنا.
غير ان العصابة فوق العين قد تعني ان المعصوب العينين يتخبط فيما يشبه العماء، فلايرى بأي جانب تكون العدالة ، ولهذا جعلوا السيدة الرمز ديكي تمسك بميزان تعادلت كفتاه على الشعرة، فأصبح الرمز لايعني الا عدالة مطلقة.
ضمير الكاتب والناشر ايضا، له من ديكي جوهر المعنى في عدالته ونزاهته مفتوح العينين ومتقد الوعي، ولكنه لا ينحاز تلك الشعرة التي تغلب كفة في الميزان دون اخرى لفكرة او شخص، في موقف ادبي او عم لي او اخلاقي، ولهذا يفجع المرء حين يقرأ لكاتب كبير فيرى انه قدم معلومة خاطئة، لا لشيء الا لانه اهمل التوثق او تغاضى عن الرجوع الى مصدر، او لعجلة في الكتابة ليس لها ما يبررها مع انه مدرك اي جرم يقترف في حق الذين يثقون به ويضيفون الى رصيدهم المعرفي على ضمانه! جل من لا يخطىء ان كان الخطأ عن سهو، ولكن ما بالنا بانحياز ضرير الى الافكار التي لا تمثل قناعة حقيقية والى الاشخاص الذين نصنع منهم رموزا وفرسانا رغم اليقين بان الامر لا يعدو ان يكون نفخا في قرب ممزقة، او نفخا في رماد محال ان يشتعل، او تحريكا لرميم.
في فترة البدايات ولان تلك البدايات لم يكن يسبقها او يؤسس لها رصيد نبني عليه يجاوز الصفر قليلا، كان من الحكمة ومن الضروري ان تستكمل لكل نشاط تجهيزاته الاساسية لكي يصبح قابلا للعمل والانتاج وكان من الحكمة ايضا ان تفسح كل المجالات وتبسط الساحات التي يمكن ان تتوالد عليها اجيال ناهضة من الكتاب الذين يعون دورهم التاريخي في المشاركة في صياغة الغد، عمليا من خلال التعبير عن القائم والتبشير بشكل القادم، وفكريا بالنهوض باساليب التعبير ومناهجها الى ما يتماهى وما حققه زماننا من منجز حضاري,, وكان من الضروري والحكيم ايضا ان يكون افساح الساحات عادلا امام الرجل والمرأة التي تمتعت بهذه العدالة في مجالات كالتعليم او غيره,, هذه قيمة كبرى ان تضج ساحتنا الثقافية بالحوار المبدع، وان تكون المرأة بين اطرافه قدر المستطاع ولم يشب هذا التوجه اقل قدر من التوجس لثقة بان الساحة انذاك ستكون قادرة - حين يتشكل لها وعيها الخاص - على ان تنضو عنها من واتته الفرصة واثبت عدم الجدارة,, واغلب الظن ان هذا الوقت قد حان، او انه مفروض ان قد حان ما لم تكن الحياة الثقافية ما تزال تستمرىء الكسل!
كتبت الرائعة سالمة الموشي، في احد اعداد مجلة اليمامة، موضوعا بالغ الاهمية عن الظاهرة، بضمير المثقف في ابهى حالات النزاهة، وبعدالة ديكي التي تحول كل شيء فيها - العقل والقلب والجسد - الى حس مرهف يحرص على ان تتوازن كفتا الميزان بحق مطلق، لانها، وهي امرأة تصدر احكامها ضد المرأة التي لا تملك كفاءة من اي نوع بخلاف انها كانت من اللائي حباهن الحظ بان جئن في زمن الطبطبة وقد انطلق زماننا اميالا وما يزال هؤلاء غير قادرات الا على ثرثرة ينقلن عبرها الى القارىء مايدور في مجالس النساء من اخبار الاغتياب فان خرجن عن ذلك ضججن بشكوى لم نعهدها الا في تثاؤب المرفهات، او في دلال فارغات العقل، خاويات المشاعر وصدق الهم! تقول الرائعة سالمة انه قد كان من الطبيعي ان نقبل هذه الثرثرة في زمن للطبطبة على امل ان تدب حياة في رماد لا يشتعل، فلأي الاسباب نصبر على هذا التسكع وحركة الحياة تندفع بسرعة الضوء ولا تنتظر الكسالى؟! وتقول سالمة انها ليست مسئولية المتثائبات ولكنها مسئولية الذين يملكون حق المنح او القبض للفرص يتحملون بهذا الحق مسئولية تاريخية في نهضة هذا البلد، ولكنهم يتخلون عن دورهم ويتلهون بالطبطبة، حد ان واحدة من هؤلاء لا تكاد تمل او تتململ من الكتابة في صحيفة حتى تتسابق عليها كل الصحف!
اتأمل الان هذا الوعي وهذا الضمير فيما كتبته سالمة الموشي وفي تلك المؤازرة الواعية والنبيلة في تعليق الزميلة ناهد باشطح على موضوع سالمة الموشي
واتساءل عن الضمائر: اما تزال تكتفي بان تبقى معصوبة العينين دون ميزان ديكي؟ ام انها تفتح العيون عن اخرها ممسكة بالميزان، لتكيل لمن تهوى على هواها؟!!
|
|
|