Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


تراتيل
لأنه,, خليجي !!؟
محمد الدبيسي

,,, ولأنه خليجي فسيظل في مدارات الظل تتاح له منافذ شمسية ضئيلة خارج حدود الوطن او كلما راقت أمزجة مركزيات الثقافة العربية والتي ظلت ولسنوات اقطابا محورية تحيط نفسها بهالات هيمنة دعائية، مصدرة نفسها مناراً للثقافة العربية وتجلياتها,, ونداءات المعرفة التنويرية وأصوات حضارة تحررية وكهنوت المخبز العلمي,,! تلك الحرقة التي تأوهها المفكر تركي الحمد عندما سئل عن الدكتور محمد جابر الانصاري فقال: (لو لم يكن من الخليج,, لكان له شأن آخر!).
ففي الوقت الذي يواصل فيه المفكر محمد جابر الانصاري دوره الثقافي وأطروحاته الفكرية والمعرفية المتميزة في تحليل ظواهر الفكر العربي المعاصر,, وبناه التحتية والفوقية وفق منهج علمي موضوعي وسجال حضاري رصين,.
وفي الوقت الذي يحقق فيه هذا المفكر الفذ وجوده المتميز لدى النخبة المثقفة وقبوله اليقيني لدى عامة المتابعين والمهتمين بالشأن الثقافي,, وكذا مصداقيته لدى المؤسسات المعنية بالفكر ودراساته,,! ظل مع كل ذلك بعيداً عن منابع الضوء الاعلامي,, ومساقط اشعاعه الفاتن,,! ولأنه لا ينتمي لمركزيات الثقافة العربية ولم يتتلمذ على صوت سدنتها ولم يعلن علو شأنها وفضلها في بناء شخصيته العلمية,,!
فقد وضع في خانة شبه المهمشين والذين ينطلق وجودهم عاديا لا يثير الانتباه,, ولا يشد إليه الانظار والجيوب,,! في الوقت الذي استمرأت فيه مركزيات الثقافة العربية استنزاع حقها الازلي في مسخ شرعيات التأصيل,, وأحقيات الوجود للمفكرين والمبدعين,, وترفض في حدود ادبيات غير مصرحة اي صوت ثقافي حقيقي يحقق لنفسه الفرادة والتميز وعبر نسق مغاير لاطروحاتها,, ومولود خارج ربقيتها فيما تعلن وعبر ادبيات مصرحة وجهورة هشاشة وضعف تلك الاصوات التي لا تلهج بذكر ازقتها ومنابرها وأكشاك ثقافتها - باعتبارها مسعرا تقليديا,, ينفذ من طيات دخانه الأ,,,, المثقفون والمفكرون الافذاذ,, ولعل طيب الذكر فؤاد زكريا قد أسهب في توصيفات الفكر الحقيقي والثقافة الحرة بوجهها الشمسي البراق,, والتي تعد بحق امتداداً لوجودنا ونفوذنا الحضاري وذلك عندما صاغ مصطلح البترو إسلام (1) وراح يفصل العلاقة بين المعرفة الحقيقية,, ووهم ادعائها في الجزيرة العربية والخليج,,! من خلال سبة الاسلام ونقيصة النفط فيما واصل أشاوس آخرون اطروحات فؤاد زكريا ثقافة النفط الدعية ,! حضارته ونماءه الخريف,,! وفي الوقت الذي غيبت اعلاميات المركزيات الصوت المغربي,, وفجره المتواصل في دراساته وانجازاته الثقافية المتقدمة,, وآليات تشكله المتفتحة على ثقافة الآخر بوعي وتمحيص,! ,,,,,, مسقطة بذلك وجوده,, وعلى أحسن الاحوال مهونة من ميزة وجوده,, ومشككة في قدراته على التواصل,, والبقاء,.
وفي ظل هذه الاشكالات والحساسيات يبقى المفكر الخليجي,, على طرف اليابسة يردد يا ويح قومي,,!
,,,,,,,,,,,,,,
في حين ان شخصية حضارية بمقاييس الوعي المعرفي بحجم محمد جابر الانصاري لم تلق ما تستحقه من اهتمام,, بل وتمرر في ثنايا خطاباتنا الاعلامية بصياغات مدرسية باهتة,, ومجاملات جافة بلهاء,, وتشاء اعلانيات المركزيات التقدمية ان تضعه في خانة المطمورين,, وان تخفض من شأن صوته وانجازاته,,!
مراكمة مزيداً من الضباب حول انجازاته العلمية التي افنى عمره في تحقيقها.
** فالرجل الذي ينتمي لجيل الستينيات والتي افرزت المتغير الفكري في طبيعته الادائية, وفي اساسه الوجودي ومتطلباته وأهدافه,, فهو في الوقت ذاته يتميز بفردانية تناول متجاوزا كل رداءات العصر,, واحباطاته,, واخفاقات مجايليه بعيدا عن افق التبعية,, وصلد التقوقع,.
** فقد دأب ومنذ اصداره العالم والعرب سنة 2000 وتحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي وتكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية إلى دراسة بنى الفكر العربي ومشترك صياغاته الاجتماعية وأصول جذوره المعرفية,, من خلال دراسة الذات العربية المعاصرة,, ونظم تفكير نخبتها وصفوتها,, وعبر ملامح تعايشها افراداً وجماعات,, وذلك بمنهجية تصور دقيقة,, واجراءات تناول عقلانية,, علمية وكان نموذجا مشرفا للمثقف الحقيقي المشتغل على قضايا الواقع وتماساتها وعلائقها الحساسة بمرجعياتها وممثليها.
** وكانت اطروحات محمد جابرالانصاري تجد القلة المنصتة /القارئة/ المحاورة,, بلهفة المتطلع,, وتقدير المؤدب وفي حدود اخلاقيات التلقي,, يوتوبيا لنخبة جزء من العالم يواجهه عنف المتغير وصداميته وضراوة مواجهته من دون ان يجرؤ وبفعل تراكم حقنات المركزيات الثقافية على تقدير نموذجه المشرف,, أو منحه احقية التمثيل ثم والقيادة.
** ولم تفتأ تلك المركزيات المنطفئة - حاجزا - تنفث في روعنا أنموذجيتها وفردانيتها وعظمتها,, وأبهتها .
فهي المصدر,, والمصير,, وهي المنبع والمصب,, بينما تتمثل أقنيتنا الاعلامية وعبر مظاهر وجودها,, الشره الاستهلاكي بأعنف وأحلك صوره,.
في تمرير الهامشي والتافه والاحتفاء به وظلت اسيرة لصرعة الصورة,, نزقة في تتبع تقنيات الفضائيات,, ولا عجب إذا توارى الانصاري وأمثاله لتتصدر - فطومة وراشد الماجد والبلوشي - المشهد,, ويحاطوا بموكب الراقصين والراقصات,, في مأتم الوجود,, وكرنفال الضحالة والزمن المحتقن برداءات الانسان,, وأوضار الهزيمة,,!,.
(1) فؤاد زكريا، الحقيقة والوهم في الحركة الاسلامية المعاصرة القاهرة - 1986م.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved