اذا توقفنا عند الرأي الاول فاننا بذلك لن نعطي الكلمة مداها حتى تعلن عن نفسها وعن القيمة الحقيقية التي تتراكم في ذات صاحبها,, فمثلا، من حيث المتابعة، كان الرأي في كتابات غالية خوجة انها ضائعة بين الشعر واللاشعر، وبين النثر واللانثر، او بين المقاربات النقدية وبيع الكلام، وهذا قد يضعف الصفة التي تسبق الاسم عند التعريف، ولذلك كانت النصيحة لها بان تكون المسؤولة الاخيرة عن حبرها، وتترك المسئولية الاولى للحبر نفسه فهو الاقدر على اختيار المنعطفات.
كانت النصيحة مقتضبة الى حد ما، ومع ذلك قوبلت باحتفاء ماكر ينم عن استياء بريء! فقد رأت الاخت غالية انها وانها ولم تنتبه الى كونها المرئي كما انتبهت الى كونها الرائي!!
المهم الآن، في انجازات غالية خوجة، هو هذا العمل الذي وصلني قبل ايام حيث صدر مؤخرا، وهو عبارة عن كتاب - حقيقي لدرجة الخيال - كتب على غلافه: برزخ اللهب وهو اسم قبيح اذا ما قورن بالعنوان الفرعي: رواية القصيدة الاخرى فما هو هذا العمل الروائي الشعري الصامت الثرثار؟.
قد يذكرنا برسالة الغفران، وقد يذكرنا بعصفورية القصيبي وقد يختلف عن ذلك ليأخذنا الى تخيل شكل الكتابة الابداعية في القرن الآتي,, فقد يكون الصمت عن المغزى احدى سمات هذا العمل، وقد تكون فضيحة المسكوت عنه سمة اخرى للعمل وقد يكون العمل سمة للفضيحة والصمت!!
فهو، في موضوعه، لا يستنطق الموروث (كما في رسالة الغفران) ولا يجادل العالم (كما في العصفورية) ولكنه في جوهره، يجمع بين هذا وذاك من دروب اضيق مدخلاً وابعد عمقا,, فهو يكاشف الروح الشاعرة، ويفتح الخيوط عن جرحها لتنزف بوحها في مصب واحد يبدأ بالسؤال وينتهي بالسؤال.
ماذا لو لم تتدخل الريح في احلام النار؟ .
وبين ثنائية السؤال الريح والنار تنساب الحكايا والرؤى في لغة تقبض على الشعر من جهة، وتسبح في تيار الحدث من جهة اخرى ، وتتشبث بالحوار من كل الجهات: اشعر والكون منصهر بنبضي، ان الكلمات وطني والغربة حريتي,,
وبرغم تضخم الذاتية، حيث تردد اسم المؤلفة بحروف متقطعة ص 169 غير ان ثمة نداءات تأخذك لتأمل العادي برؤية غير عادية:
لا ترتعشي ايتها البحار,, فالغرابة كلها روح اولية وكل في براءة اللثغة الاولى يسبحون او هكذا روحي تتوزع في الكلمات .
والكتاب، في مجمله السطحي ، يحكي قصة التقاء انسان بانسان على مسافة من برزخ اللهب اما من حيث مصبه الاعمق، فهو رواية القصيدة الاخرى التي، غالبا لم تكتب بعد.
وفي النهاية هو عمل يليق به الاحتفاء كما يليق بصاحبته ان تفخر به وتحذر من الهوة لحظة السقوط عنه الى ما دونه من اعمال.
* (الكتاب صادر عن منشورات آرام للطباعة والنشر - دير الزور - سوريا, في 250 صفحة من القطع المتوسط، في طباعة انيقة ، وهو الخامس للمؤلفة بعد ثلاث مجموعات شعرية وقصة للأطفال).
|