منذ أن أصدر وولت ويتمان أوراق العشب عام 1855 لم يكف النقاد والباحثون عن دراسة هذا الشاعر الأمريكي العظيم, ففي 21 يوليو/ تموز 1855 وجه الشاعر والفيلسوف الأمريكي المعروف والدو ايمرسون رسالة الى ويتمان بمناسبة صدور أوراق العشب ، ربما كانت الرسالة الأكثر شهرة في الأدب الأمريكي، وفيها قال إيمرسون:
لست أعمى إزاء قيمة الموهبة المذهلة لأوراق العشب ، فقد وجدتها النموذج الأكثر استثنائية من الدهاء والحكمة التي قدر لأمريكا ان تسهم بها حتى الآن, أنا سعيد جدا بقراءتها باعتبارها قوة عظيمة تحقق لنا البهجة,, أغبطك على فكرك الجريء الحر، فقد استمتعت به أيما استمتاع, لقد وجدت أشياء لا تضاهى قيلت بشكل لا يضاهي، وكما ينبغي أن تقال, وجدت جرأة المعالجة التي أسرتنا كثيرا، والتي لا يمكن ان يلهمها إلانفاذ بصيرة عميق, أحييك في بداية سيرتك العظيمة التي لابد ان لها خلفية مديدة في مكان ما لكي تنطلق هذه الانطلاقة المدوية,, .
وقد صدر مؤخرا كتاب جديد للناقد جيروم لوفينغ تحت عنوان وولت ويتمان: أغنية نفسه ، والعنوان، كما يعرف قراء ويتمان، مأخوذ من عنوان قصيدته الشهيرة أغنية نفسي .
إنه أمريكا ، هكذا وصف إزرا باوند الشاعر ويتمان, ان فجاجته فجاجة استثنائية لكنه أمريكا .
ولم يكن ويتمان يخشى وصفه بالفجاجة ، فقد كان يحب، كما يلاحظ لوفينغ، ان يقترن بأمريكا، فذلك كان هدفه،أن يتحدث باعتباره ممثلا لأمريكا، وان يحول العالم الجديد الى كلمات, ومن المؤكد ان ويتمان حدد لنفسه هذا الهدف بعد ذلك اليوم من عام 1842 عندما استمع الى محاضرة قدمها رالف والدو ايمرسون وفيها تنبأ بالمجيىء الوشيك لهوميروس أمريكي .
قال إيمرسون ان أمريكا قصيدة في عيوننا, ان جغرافيتها البسيطة تبهر المخيلة، وأنها لن تنتظر الأوزان الشعرية طويلا , وقد رأى ويتمان نفسه في تلك النبوءة، وشعر بأنه الانسان الذي يتمتع بالشجاعة الضرورية لادراك الجغرافيا الرحبة للبلاد في سطور جريئة وجامحة شأن مشاهد البلاد ذاتها.
وفي مقدمة الطبعة الأولى من اوراق العشب ردد ويتمان اصداء ايمرسون عندما قال ان الولايات المتحدة نفسها هي القصيدة الأعظم حقا , ومن خلال ذلك وجه القارىء الوجهة التي يريدها: ابتكار شكل شعري يعتمد على التجربة الفتية، وسطر يتمايل بحرية شأن صوت متفرد.
وفي كتابه الهام يقوم لوفينغ، على نحو صبور، بفهرسة الكيفية التي توصل وتيمان عبرها الى خلق هذه القصيدة, كانت التأثيرات كثيرة، تمتد من الانجيل الى الأوبرا الايطالية, غير ان العامل الأساسي كان احساس ويتمان نفسه, فبالنسبة له كان الشعر دليلا عاطفيا على تماثله مع بلاده.
هذا ليس أول كتاب يؤسس لرغبة ويتمان في تحويل أمريكا,, قصيدة الى قصيدة أمريكية, فالكثير من كتب السيرة التي سبقته فعلت ذلك.
ترك ويتمان المدرسة في عمر الحادية عشرة, وشأن كثير من الكتاب الأمريكيين الآخرين تعلم مهنته في دار للطباعة, واذ كان يكتب المقالة تلو الأخرى حول جولاته في مانهاتن مدينته، مدينة البساتين والبهجة ، كان، ايضا، يعزز قدراته الشعرية، ببلاغته الجميلة، وسطوره المتغيرة، والبهجة التي يراها متألقة في عيون الناس.
لكن ويتمان الصحفي لم يتعلم فقط ماذا وكيف يكتب، وانما الدعاية لما يكتب, وفي هذا تميز بشيء من الوقاحة .
فقد أرسل نسخة من الطبعة الأولى من أوراق العشب .
وعندما أجابه ايمرسون برسالته الشهيرة التي أشرنا اليها، قام ويتمان على الفور، ومن دون استئذان، بنشر رد فعل ايمرسون في صحيفة في نيويورك، ثم أعاد نشره في الطبعة الثانية من أوراق العشب , وقد شعر ايمرسون بشيء من السخط جراء ذلك، عندما عرف انه جزء من مشروع علاقات عامة أكبر, وقد كتب ويتمان بنفسه عددا من العروض للطبعة الأولى نشرها من دون اسم، وحرص على ان يضمن الطبعة الثانية بعضا منها, وارتباطا بالاعتقاد المعروف بأنه ليس هناك ما هو أسوأ من الدعاية السيئة ضمن ويتمان الطبعة الثانية اثنتين من الهجمات القاسية عليه.
ويبدو جيروم لوفنيغ اقل وضوحا بشأن هذا الموضوع الذي تناوله نقاده الأوائل وما زال يثير الجدل حتى الآن.
لقد أبدى ويتمان، وهو يشاهد موكبا من جنود الاتحاد في نهاية الحرب الأهلية، اعجابه بالجنرالات، لكنه أكد ان الجنود العاديين هم المشهد الأعظم بين الجميع , وكان أولئك الذين أظهر لهم ويتمان التبجيل هم الناس العاديون، وخصوصا أولئك الذين رآهم باعتبارهم ضحايا المجتمع: الجنود الشباب الذين اعتنى بهم في المستشفيات، والعبيد الذين خيضت الحرب من أجلهم، والعمال الذين كانوا جيرانه, وبين أولئك الذين نظر اليهم بهذا التعاطف نساء عصره, وقد وصف أوراق العشب في طبعات مختلفة باعتباره كتاب امرأة بشكل أساسي ، الأمر الذي قد يكون أحد الأسباب التي جعلت القارئات، حسب اعتراف ويتمان، من بين أشد المدافعين عنه , فبينما رفض نقاد المؤسسة عمل ويتمان باعتباره هجوما ضد الفن ، كانت النساء من بين أولئك الذين أثنوا عليه بصوت عال، وكان مؤلفه جذابا بالنسبة لهن.
لقد تباهى ويتمان بما سماه الصرخة الهمجية باعتبار ذلك صوتا يسجل حيوية واختلاف الجمهور الجديد، ولم يكن يخشى الاستجابة لقرائه، وادراك عظمة وفوضى حياتهم، حتى اذا أدى به ذلك -كما حدث أحيانا- الى السذاجة أو الحماقة أو التناقض الصريح.
وفي نهاية حياته كتب ويتمان قصيدة في غاية الجمال يصف فيها الموت باعتباره نسمة غير مرئية بعد نهار قائظ طويل يدخل هادئا، منعشا، حيا , ومن المعروف ان ويتمان اشترى لنفسه قبرا واسعا كلف سعره ضعف سعر البيت الذي كان يعيش فيه، وأكثر مما كان بوسعه ان يدفع, ان هاتين الدلالتين مميزتان، وان تقييمهما، كما يفعل لوفينغ في كتابه، يعني ان نبدأ فهم ويتمان الشاعر والانسان.
في رسالة كتبها الكاتب الأمريكي هنري ثورو الى صديقه هاريسون بليك، وبعد أن انتهى من قراءة أوراق العشب قال عن ويتمان: يجدر بنا ان نبتهج به كثيرا، فهو يوحي، أحيانا، بما هو أكثر من انساني, ولا يمكنك ان تخلطه مع ساكني بروكلين أو نيويورك الأخرين,كم يتعين عليهم أن يرتعدوا عندما يقرأونه, أنه جذاب الى أبعد حد .
وفي مقالته احساس تجاه وولت ويتمان قال إزرا باوند: ربما كنت شخصيا سعيدا جدا باخفائي علاقتي مع أبي الروحي، وأتباهى بأسلافي الأكثر تجانسا: دانتي، شكسبير، ثيوقريطس,, لكن يصعب تأسيس النسب بعض الشيء, واذا شئتم الصراحة فإن ويتمان بالنسبة لوطني مثل دانتي بالنسبة لايطاليا .
وفي هذه المقالة وصف باوند وولت ويتمان بأنه الصوت المنتصر,, الذي يغني الزمن العصيب .
|