Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


تجربة إبراهيم الحسين,,.
تحولات المفردة الشعرية,, وطقوسية الدلالة (2 - 2)
محمد الحرز

فيما يشبه الانعتاق والتمرد نوعا ما من السمة الاستحواذية التي تميزت بها المفردة الشعرية لحظة انبنائها مفاهيميا وجماليا قبالة اللغة ذاتها التي عكست هذه السمة بصورة تحيل إلى الطقوسية المؤلمة، تمضي نصوص إبراهيم في (خشب يتمسح بالمارة) إلى أفق تتجاذبه، من جهة، انفتاح اللغة على التجربة الفيزيقية للذات في الوجود، وما يتسم به هذا الانفتاح من اختراقات تأملية، لا تنفك من انهمامها في تعبئة مفردات هذه التجربة بالتدفق الشعري - الجمالي، الامر الذي يشكل في مجمل التجربة الشعرية انحرافا، يشي بمعطيات توافق في الغالب منظور الأنا في فعل التجريب، اما من جهة ثانية فإنه على الرغم من التجلي اليومي كتعبير جمالي استبدالي إلا ان حمولات المفردة بما تستبطنه من سمات شعرية اكثر ما تنتمي إلى تلك الدوائر الانشغالية التي اهتمت بمفهوم الشعر داخل الشعر نفسه، هذه الحمولات وجدت لها مكانا واسعا بحيث استطاعت ان تؤدي الوظيفة الاسترجاعية للوعي ذاته,, وللمفهوم ذاته، لذلك يبدو ان نصوص المجموعة مشدودة او ترتد حركيتها الى مرجعيتين جماليتين لكل منها سماتها الخاصة ومجالها المنفرد، الاولى ما يرتبط منها باليومي وبالحساسية الشديدة تجاه الاشياء والطبيعة, أما الاخرى فهي ما تمثل الحالة الاستمرارية التي ارتبطت منذ اشتغالات او تشكلات نصوص المجموعة الاولى.
ولو تلمسنا بشيء من المقاربة هاتين المرجعيتين، لرأينا ان هناك حالة انقطاعية بينهما ليس على مستوى التشكيل اللغوي اللفظي فقط وإنما حتى على الاثر المعرفي التي تحمله مدلولات المفردة في سياق تبنين المرجعيتين تماما كما لو ان الشاعر أراد ان يمارس لعبتين في سياق واحد، وبالقدر الذي يتعمق هذا الاحساس بالقطيعة، فإن المقولات الشعرية - الجمالية التي تتوالد من فضاء النصوص، فإن لها طابع الوحدة العضوية التي تعطي في النهاية لهذه المقولات سمة الموقف الوجودي والشعري ضد الحياة بحركتها وقوانينها الطبيعية وليس هذا فحسب بل ان هذا التوجه الكلي في بعض النصوص لليومي لم يكن ليسدّ المنافذ على استدعاء الذاكرة ليس بوصفها انبثاقا من سياق الوعي التاريخي - كما في المجموعة الاولى - وانما بوصفها حالات اكثر ما تستجيب للسياق اللاشعوري ذاته الذي يحكم اللحظة واللغة في ذات الوقت:
بلا رفق,,, تزيح ستارة
تستمع إلى صوت انفتاح نافذتك
إلى افكار سود تُسحج بين الألمنيوم
عندما يكون الصبح قد حمل سحائبه البيض
تلك المائلة الى الاصفر
علّق غباراً
وتدلّى.
أو في نص (اعتكار):
,,, قبل ان تجاري رغبتك
في تحسس رُغائه
تخطف الكأس وتُجري الماء
تحدق طويلا إلى اعتكاره
تتذكر عمراً يسرع الآن,.
نحو اعتكاره الكامل.
هنا نقع على مفهوم التلازم المشروط بالتحفيز التراتبي بمعنى: ان تأمل اللغة في اليومي، لايشكل وحده منبعا لانتاج تعابير جمالية وليست - كذلك - كافية كمحرك رئيسي وارتكازي لها في نصوص إبراهيم بل إن بؤرة التوتر الجمالي في السياق، يكمن في نقط الالتقاء بين ما تقوله اللغة من اليومي بوصفه توجهاً الى الخارج وما تقوله اللغة من الذاكرة بوصفه توجهاً إلى الداخل وبينهما ينفتح السياق الجمالي على ترميزات إيحائية، تأخذ النص إلى افق التجلي الشعري, لكن هذه الاستراتيجية الجمالية لا تمس كلية النصوص إطلاقا بل إنها تقتصر على بعضها فقط، بينما نجد في بعض النصوص الاخرى، انها تعتمد في انتاج مقولاتها الجمالية ليس على بؤرة التوتر وإنما الطاقة الاستعارية التي ينحقن بها السياق النصي والذي لا تشعر في داخله أي تباعد بين الاشياء,, بين ما هو داخل وبين ما هو خارج,, بين ما ينتمي الى الذات وبين ما ينتمي إلى الطبيعة والحياة، وهنا النص يكون موثوقا برباط مشدود إلى نفسه دائما:
بغتة
يخبط غصن وجهي!
إنها أحلامي
تمشي أمامي.
أو:
حين حطّ حقلٌ
بين كتفي
لم أكن عميقا بما يكفي
وكان قميصي ملطخا
بدم حقيقي.
قد يستحوذ على بعض النصوص عنصر التأمل في الاشياء باعتباره عنصرا تنطق عبره الاشياء وتقول ذاتها وتؤسس وجودها فيما الأنا الشاعرة لا تنأى بعيدا عن النص ولكن النص بوصفه سرداً مروياً - حسب ريكور - هو الذي يجعل الباب مشرعاً كي تظل الأنا تمارس حياتها داخل النص ويمكن ان يتوضح ذلك - مثلا - في نص (هو الباب):
هو الباب
دم يرفع النهار
هو الباب
أخرجَ يده
وتمدد بعيدا في ظلها
أو :
الستائر اجساد مظللة
عندما تدرك ذلك
ستكف عن نفسها
أو :
الليل حفنة كلمات
تجرح قماشة الارض
تستطلع خطواته.
إذن مجمل القول إن ما يشد لغة إبراهيم إلى افق الشعرية ويستقطبها ليس فيما يبدو الانقياد وراء مسالك وطرق ذات بعد جمالي متنوع، وذات حساسية مفرطة في التقاط الاشياء وانحرافاتها عن مساراتها الحياتية الطبيعية، لايبدو هذا فقط وانما وعيه ظل حبيس ازمته الشعرية بمعنى: ان تجربة نصوص مجموعته الاولى - كما اشرنا سابقا - ظلت تشكل هاجسا يطفو على سطح نصوص المجموعة الثانية بصورة او بأخرى، وهنا يكمن السؤال التالي:
- هل عملية ترحيل هذا الهاجس/ الموضوعة من المجموعة الاولى إلى الثانية، افضت إلى ازاحات في المنظور والرؤيا والموقف والتعبير الشعري!؟ أم انها ظلت دون اضافات في سياق توضعها في المجموعة الثانية!؟ وكي نتلمس الاجابة، ينبغي ان نتأمل الجمل الشعرية التالية:
أؤثث الورقة بالسواد
الفراغ
أؤنثها بالنقط
ثم ازعق:
يا سيدنا المشط.
أو :
كلمات مثل: روح، عندما
وأخرى,.
صرت - مؤخرا - أطاردها
في المضائق
حتى تصبح بعيداً خارج الورقة,.
كلمات اخرى تقف بعيداً
بقرونها تنظر إلى الطرائد
فلا تجرؤ على الاقتراب.
أو :
لا أجرؤ على أوراق
تصادفني خائراً
فتطلق ذئابا
تظل تعوي في الدم.
إلى بقية النصوص الاخرى في السياق ذاته,.
هنا نجد ان الجمل الشعرية السابقة، تنتظم في سياق يتصل جماليا بأفق المجموعة الاولى (خرجت من الارض الضيقة) وينقطع عنها معرفيا وثقافيا، كيف ذلك!؟,, هناك جملة من الاسباب من ضمنها أو أهمها:
أولا: يبدو ان المفردة في حال تحولاتها من سياق إلى آخر ضمن الموضوعة نفسها التي تؤثث لشعرية الشعر نفسه داخل النص، انفرطت حمولاتها المعرفية - الثقافية حينما دخلت في سياق هذه النصوص وظلت - عندئذ - الصياغات اللفظية بوصفها تشاكلا جماليا هي الصلة التي تجمع السياقين في مركز تحولات المفردة في تجربة إبراهيم، الامر الذي لم تفقد هذه النصوص سياقها المعرفي - الثقافي فقط وانما اصبحت بمثابة زوائد، تسترجع مقولاتها التعبيرية الجمالية بالطريقة ذاتها,, وبالرؤيا ذاتها,, وبالموقف ذاته,, دون ان يكون ثمة تجريب من العمق - كما رأينا في نصوص المجموعة الاولى.
ثانيا: خفوت انفتاح الجسدي على اشياء وموجودات العالم خلافا للتشكل الجسدي الذي لازم النصوص الاولى، وإن كان ثمة انسياح باتجاه التماهي:
لو أن ما في الروح من جمر، شفة
كنت انفتحت على مياهي.
النار ضفتي
ورمادي أحاديث.
ولكنه يظل انسياحا اكثر ما يرتبط بالعالم الروحي الذي يغيّب الجسد تغيبيا تاما عن مدلولات الفعل الشعري واثره على النص في مجمل حركته.
*****
إجمالا تبدو تجربة إبراهيم الحسين من منظور السياق العام للتجارب الشعرية الحديثة في ساحاتنا المحلية وكأنها تحمل طابعها الخاص، وفرادتها التي تميزها عن بقية الاصوات الشعرية الاخرى، وهذه الميزة، لاتكمن في شعرية المقاربة اليومية التي احتلت جزءاً لا بأس به في المجموعة الثانية، بل هذه سمة نجدها مشتركة في اغلب التجارب الحالية - لأسباب لسنا في صدد التطرق لها حاليا -
وانما تكمن خصوصيته في اخذه المفردة بحمولاتها الجمالية والمعرفية الثقافية والاشتغال عليها عموديا وافقيا على موضوعة واحدة، حيث استطاع بطريقة او بأخرى أن يطور من تجربته الجمالية عبر تلك الممارسة، خصوصا في المجموعة الاولى وما انطوى تحتها في نصوصه الاخيرة، يضاف الى ذلك ان العلاقة التي تربط إبراهيم بنصه -
وليس بلغته - هي في العمق منها علاقة تصوفية حتى وإن لم يبح النص بذلك، بل تظل دلالته تطفح على النص، وهذه سمة قلّما ان وجدت في بقية التجارب الاخرى,, وربما تكشف لنا الايام عن مغامرة جديدة للشاعر في الكتابة الابداعية,, ولِمَ لا,.
فهو القائل: (لقد سمّيناك,,) وها نحن نقف منتظرين,!!
تمت.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved