مسرح ,, ومردح حمد المبتلى في رحلته إلى ديار الجن والإنس وما بينهما! محمد العثيم المقام الرابع |
قال الحاكي وهو من حال زمانه ضاحك باكي
ولم يدر شيخ الجن المعروف بشيخ الألف بما صار اليه ولده من عشق ووجد لبنت الانس ، ولو علم وهو الجني المحافظ على تقاليده لتبرأ من ولده حنحون ونفاه لعالم لا يعود منه المنفي وكان على ابن الشيخ ان يتدبر امره وان يسعى لخلاصه من ورطته بالوصال وهو مالا يستطيع تحقيقه بنفسه لوجود موانع لم نتطرق لها بعد تلك الموانع تقف في طريقه فلا يستطيع تلبس بنت الوالي,, ولا تنس انه في ديار غير دياره,, وحوله جن غير اتباعه ,, وكل هذه تضع العوائق مما يستحيل تجاوزه,, هذا هو حال حنحون ولد شيخ الجن (المسمى شيخ الالف شيخ) وهو حال لا يحسد عليه لكنه العشق الذي لا يحمي من سلطانه على القلوب سلطان اما,, حال حمد المبتلى مع رفيقه (حني) وهما امام الجيل الذي كأنه جدار صلد فقد وقف ذاهلا ينظر ماذا سيفعل الجني في هذا الجدار الجبلي الاملس؟ فرأى ان الجني شرع بكلام لا يفهمه، ثم اخرج من لواهب صدره الناري مفتاحا احمرا مثل النار طوله ذراع او اكثر وغرسه في الجبل الذي ذاب تحت المفتاح كما يذوب الشمع من سيخ ملتهب اخرج من نار مستعرة وانفتح في الجدار ما يكفي لدخولهما ودخول الجمل ثم ساح الجدار على بعضه والتأم كما يلتئم جرح غير بليغ.
**
عندما دخلا,, كانت العتمة والدخان تعمان المكان ولولا الجني المشتعل لما رأى حمد طريقه وبعد مسيرة قصيرة انتهى الدخان وبانت تفاصيل المكان العجيب الذي لا يوصف,, فكان المدخل يشبه مدخل قصر في رابعة الضحى من النور الذاتي الذي لا ترشحه نافذة او باب ورسم رياش القصر ومقاعده بخيوط الذهب المطعم بالالماس وافخر اللؤلؤ,.
وكان يقف في الحراسة رجل لا يكاد الرجل العادي يصل لطول ركبته,, وسأل جني الرجل عدة اسئلة بلغة لم يفهمها حمد ثم اشار له الى باب كبير كان الضوء يسطع من فتحته السفلية بألوان الطيف,, وحذر الدليل جني رفيقه حمد من لمس الباب لانه ناري ثم شرع الجني الدليل يطرق الباب طرقات معلومة؛ وفتح واذا خلفه باب اكبر منه ففعل ما فعل في الباب الاول ولم يزل يطرق ابوابا كل واحد اكبر من الثاني حتى بلغ الباب السابع الذي تقف امامه سبعة اعمدة وراءها فج عريض منحدر بانزلاق شديد لا يرى قراره فدخلا ووقفا مع الجمل على الحافة المنبسطة وقال الجني لحمد: عندما نضع اقدامنا على المنزلق سنهوي ليوم كامل وسنكون في سرعة عظيمة لاتلبث ان تهدأ سرعتنا شيئا فشيئا الى ان نصل الى مستقر يرتبط بوادي الساحرات فلا تخف من سرعة الانحدار لانه لن يصيبك مكروه ولا تنس ان تطالع جانبي المنحدر ففيه من العجائب ما لم يرى انسي في حياته,, دعنا ننزلق مع جملنا,, وامسك الرجلان بالجمل من الجانبين فهوى الجميع بسرعة اين منها السقوط من عل وكانا يهويان بشدة لمدة ليست بالقصيرة,, ثم بدأت السرعة تقل شيئا فشيئا حتى صار انزلاقهم هادئا وعندها بدأ حمد يميز ببصره المكان على جانبي المنزلق حيث اشجار تتحدث مع بعضها وصخور لها القدرة على الحركة, وحيوانات لم ير شجرة برأس انسان تتكلم مع شجرة برأس حيوان,.
ورأى عددا من حيوانات وطيور باحجام اين منها احجام الناقلات والطائرات ثم رأى نملا بخلقة الانسان يتعامل بطريقة بشرية,, ورأى جنودا مجندة وسلاحا معدا ,, ولم يكن الانزلاق السريع نوعا يعطيه الوقت ليسأل الجني (حني) عن اي مما رأى لكن صارالانحدار و الانزلاق هادئا ونظر حمد الى اليمين فرأى قوما اختلط حابلهم بنابلهم ورماحهم باجسادهم وفوقهم طيور كبيرة اين من لا وصيف لحجمها تقذف عليهم الحجارة,, وقال حني لحمد دون ان يسأله ان ما ترى هم امة قديمة متفرقة الاهواء تحارب بعضها ما يزيد على عشرين حربا ويحاربهم اقوام مثلهم قال حمد,, وماذا يريدون من بعضهم قال الجني حني: هم لا يريدون شيئا المهم ان يحتفظوا بواقعهم الذي هو اساس بقائهم بشرورهم وكلما هدأت حربهم في جانب اججوها في جانب آخر,, وسأل حمد المبتلى رفيقه الا يموتون؟,, قال حني وماذا بهم اذا ماتوا يأتي غيرهم لقد اججوا هذه الحروب منذ اكثر من الف سنة ولم يجدوا حلا لها عبر عصورهم,, انهم يا أخي لا يسمعون عقلاءهم,, ويوالون اعداءهم ويضمرون الشر لاقرب المقربين منهم,, غضب عليهم الناس وحقروهم حتى صار خزيهم على كل قلم ولسان.
تباطأ الانحدار الى ان بدا وكأنهما يقفان في عالم من الضباب ثم اصبح المنحدر ارضا مستوية وسارا سيرا عاديا وفي كل خطوة ينكشف الضباب الى ان اصبحت الرؤية واضحة ووجدا نفسيهما يقودان الجمل في واد عريض تحيطه من الجانبين جبال بركانية سود تصطف عليها كهوف مختلفة الشكل ومتباينة الاتساع تتراقص امامها وغير بعيد عنها ثعابين حراسة سود وتجلس داخلها وعلى ابوابها نساء ناريات الملامح يختلفن عن النساء الانسيات كل واحدة منهن تجلس على كرات من النار الملتهبة التي يلف بعضها طين فخاري قال حنين لحمد: تلك النسوة نساؤنا لا نسمح لهن بمغادرة الكهوف لان التقاليد تمنعهن ولهذا يتفرغن للرقاد على البيض حتى يفقس.
قال حمد وهل تبيض نساء الجن؟
قال حني: لا يا أخي الذين يبيضون الرجال وليس النساء ولكثرة حروبهم ومشاغلهم وانصرافهم عن المفيد الى اضاعة الوقت فان النسوة تفرغ للرقاد على البيض حتى لا تنتهي امة الجن من كثرة قتلاها في اللهو والحروب.
عجب حمد اشد العجب من فكرة ان يبيض الرجال وقال: لو ان رجالكم يا حني يلدون لكان الامر اقل غرابة قال حني وهل تحسب الرجال يعانون في التبييض مثل دجاج الانس، لا ياحمد انهم لا يعانون (,,,).
ولكثرة ما ترقد النساء الجنيات على البيض فانهن لا يخرجن من الكهوف ويحرمن على انفسهن العمل بحجة انهن يلدن,, وبينماهما سائران مع الجمل المعصوب العينين حتى لا يرى,, اذ بثلاثة رجال اشداء يقفون امامهم وقال كبيرهم اهلا بضيوفنا,, هذا ياقوم بيت كريم الجن عالي الفكر والذكر الذي لا يتجاوزه ضيف الا دخل واقام واكل وشرب,, قال حني ومن لا يجيبك؟ قال الرجل تفضلا,,:
واخذ منهما الجمل,, فدخلا من بوابة الكهف ليجد حمد امامه سرادق مبني من الآجر الناري تحيطه مقاعد حجرية من الرخام على ميز مغطى بالحرير الموشى بالذهب,,, وعجب اشد العجب من ثراء الجن وكيف يبددون ثرواتهم بما لا ينفع,, ودون ان يريا احدا بدت اطباق من الذهب واوني من الكريستال المذهب تنتثر على المكان بفعل سحر هميم ثم امتلأت من انواع الاطعمة الدنيوية ما لا يمكن وصفه,, وانظم الى المائدة خلق كثير كان بينهم بعض الساحرات ونساء في منتهى الجمال,, قال حمد لامرأة الى جانبه كانت آية في الجمال ,, قالوا لي ان نساء الجن لا يخرجن من المنازل قالت المرأة: ومن قال لك يا اخ العرب اني جنية أنا انسية من ربعك,, ففهم حمد بن بهيج المبتلى ان هذه المرأة من الساحرات وكان في حقيقة الامر يتمنى ان يلتقي واحدة منهن لانه يريد السؤال عن اهله (امه وابيه) وما جرى لهما فهو لم يثق بعد بوعود شيخ الالف ولا برفيقه الجني حني وكان يعرف ان الناس والجن لا يخدمون غيرهم ولكنهم يستفيدون من الضعفاء ثم ينسونهم ,, وعندما شرعت تشرب من طبق الحساء وانشغل الدليل حني مع بعض الجن بعيدا,,قال لها حمد ما اسمك يا أخت الانس: قالت أنا محسوبتك وردانه وعرف بالحدس انه رغم مظهرها الباهر قد تكبره بالف سنة.
انتهى المقام الرابع ويتبعه الخامس في الاسبوع القادم.
|
|
|