هكذا تلك الطفولة الطرية في ذاكرتك,. فهد العتيق |
* كنتما في الطاولة الأولى من الفصل، هو جوار النافذة وأنت بجانبه.
هو الأول دائما في ترتيب طلاب المدرسة، وأنت الثاني دائما.
حين تسطع شمس الضحى على ثوبه الأبيض اللامع، يجهر عينيك الضوء المنعكس منه، تحيد بعينيك قليلا عنه فتراه أكثر لمعانا.
كنت تفكر، في أحيان كثيرة، من أين يأتي هؤلاء الطلاب اللامعون؟، لم تره في حارتكم، ولا أحد من حارتكم يعرفه.
سمعت أنه ابن لأسرة سكنت حديثا في المنزل المقابل للمدرسة، بيتهم يقع على الشارع الكبير مباشرة، كما أشار بيده ذات يوم، قال لك هذا هو بيتنا، وطلب منك أن تزوره,.
تتذكر ذلك تماما، وتذكر أنك رأيت بيتا كبيرا له سور أبيض غير مرتفع ومظلل بالأشجار، بيت أنيق مثل أناقة زميلك فيصل الذي يأتي للمدرسة بحقيبة سوداء ذات علاقين جلديين تمكنه من وضع هذه الحقيبة خلف ظهره، وعلى رأسه طاقية زري ويلبس دائما حذاء أسود وشرابات بيضاء.
تراه هادىء الطباع دائما، يحب المدرسة، يحضر مبكرا، يراجع الدروس قبل دخول المدرس، أحيانا يقرأ في كتاب صغير، ترقبه خلسة فينتبه لنظراتك الصامتة، وأحيانا يبادر بالحديث معك فيسألك عن حارتكم وماذا تعمل حين تخرج من المدرسة، لكنك لا تعرف لماذا يتحدث معه المدرسون كثيرا، وخصوصا مدرس العربي، الذي ينظر في عينيك كثيرا، كأنه يأمرك بعدم الانتباه أو الانصات لهما.
بين الحصص ترى فيصل مع طلاب آخرين يشبهونه تماما، ثياب بيضاء لامعة وأحذية سوداء، وأنت تلعب مع زملائك في ملعب آخر، لكن الصور تزدحم في رأسك الآن، صور كثيرة للمدرسة بفصولها الصغيرة ودهاناتها المقشورة من أثر المطر، وللطلاب والمدرسين والحارات المجاورة وناسها، وذاكرتك تراها الآن شاسعة ومشرعة لكل شيء في طفولتك التي ما زالت طرية في داخلك.
* فاصلة شعر من محمد الفارس:
دمك الوهاب،
في عرقي،
وعروقي في جسدك،
كيف -إذن- لا أختال،
وأنا منطلق بخطاك
في داخل نفسي.
** فاصلة صحفية:
آخر عناوين مقالات بعض كتّاب الوهم ما يلي: نباح قطط كلاب الى آخره، كلمات تليق بهم ويليقون بها، في وقت ترثي فيه الثقافة حالها.
|
|
|