في عام 1984حققت مارغريت دوراس واحداً من اكبر انجازات حياتها، وتمثل هذا الانجاز في فوزها بجائزة جونكور ، اكبر الجوائز الفرنسية الادبية وارفعها، وذلك عن روايتها العاشق , وفي التسعينات قام المخرج الفرنسي جان جاك انوه بتقديم العاشق في فلم سينمائي مبهر.
ولدت دوراس في فيتنام عام 1941، قرب سايغون، واسمها الحقيقي مارجريت دونايو, وطوال اكثر من اربعين عاماً واصلت دوراس الكتابة فقدمت السفهاء عام1945، لتكون هذه الرواية باكورة انتاجها الذي سيواصل تدفقه بغزارة حتى موتها في شهر آذار من العام الماضي عن82عاماً، ابدعت خلالها عشرات الاعمال الروائية، والسينمائية ايضاً، من خلال كتابتها لعدد من سيناريوهات الافلام التي كان اهمها هيروشيما- حبيبتي الذي فاز بجائزة كان ، كما اخرجت للسينما لاموزيكا عن رواية لها، ثم الشاحنة، انشودة الهند والاطفال, ومن اعمالها الروائية سد ضد المحيط الهادي، بحار جبل طارق، خيول تاريكينا الصغيرة، نائب القنصل، العاشقة الانجليزية، بعد ظهر عند السيد انوسماس, وقد عرفها القارىء العربي عبر عدد من الاعمال المترجمة من بينها روايتها الاشهر العاشق ، ثم الحديقة، الساعة العاشرة والنصف ذات مساء صيفي, وغيرها من الاعمال,وقد نشرت لها جريدة اخبار الادب، روايتها القصيرة الاخيرة ليس إلا بعد وفاتها.
يقول بياردي بواديفر في معجم الادب المعاصر لاتنتمي دوراس الى الرواية الجديدة، فهي تكتب ماتشعر، وهي لاتهدف الى اثبات هذا الاسلوب او ذاك بل الى ايضاح ماهية خاصة من الوجود, ان عندها القليل من النظرية والكثير من الإنسان .
لكن كلام بواديفر هذا، لايقصي الكاتبة عن فرادة اسلوبها في السرد المتقن، وشفافيتها الفائقة في التعامل مع الاحداث بفنية عالية، فهي على الدوام، توحي ولاتبوح، وتترك اعمالها مفتوحة على تأويلات عميقة الدلالات, وهي بذلك تشبع رغبة القارىء النوعي عبر كتابة نوعية متواصلة معه، وتفسح المجال واسعاً للناقد لكي يقرأ اعمالها من اكثر من زاوية.
في روايتها الساعة العاشرة والنصف، ذات مساء صيفي يكتشف القارىء سحر ذلك السرد الذي يتألق في كتابات دوراس, يكتشف سحر الحوار ومكره، وقدرته على اضاءة اعماق قائله، فبالحو ار وحده تقريباً مدعماً بتلك العين فائقة القدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تضيء الحدث وظلمات ارواح الشخوص، تتحرك احداث روايات دوراس, ومن بينها هذه الرواية التي نحن بصددها الآن.
ماريا، كلير، بيار، جوديت، ورودريغو بايسترا، هم شخصيات هذا العمل الممتع القاسي، الذي يفتتح بمشهد قتل، حيث يقوم بايسترا بقتل زوجته الشابة وصديقها في احدى المدن الاسبانية الصغيرة, تدور الاحداث في فترة لاتتجاوز 48ساعة, حيث ماريا وزوجها بيار وابنتهما جوديت وصديقتهم كلير يقومون برحلة في اسبانيا، وتضطرهم عاصفة عاتية للتوقف في هذه المدينة، حيث كل شيء حولهم مضطرب بسبب جريمة القتل، التي تحتل احاديث واهتمامات السكان, خاصة وان القاتل لم يزل طليقاً,في مساحة ضيقة زمانياً ومكانياً تغلي الشخوص على نار، لانستطيع القول انها هادئة، فكل الاشياء مضغوطة وكذلك البشر، السياح في الفندق الوحيد حيث ينامون في ممراته، لان حجم اللجوء اليه قد ارتفع بسبب العاصفة، ثم ساحات المدينة وشوارعها مضغوطة بذلك العدد الكبير من رجال الشرطة الباحثين عن بايسترا، والسماء مضغوطة بعاصفة غير متوقعة قلبت كل التوقعات، وحشرت الشخوص في مواجهة بعضهم بعضاً,وماريا هي الشخصية الاساسية في هذه الرواية، رغم انها لاتحتل مساحة اكبر بكثير من تلك التي تحتلها كلير اوبيار, وربما لايعادلها في الحضور سوى بايسترا, الذي مايلبث ان يصبح هاجسها الذي يسيطر عليها في محاولاتها لمعرفة مكانه فوق السطوح، حيث تدرك انه يختبىء.
عاصفة في الخارج ضارية تفجرها الطبيعة، واخرى في الداخل تستولي على مشاعر ماريا كلها وهي تراقب زوجها وصديقتهما، موقنة ان علاقة حب تتكون بينهما وتشعلهما امام عينيها، وخلف ظهرها, وفي لحظة يكاد القارىء ان يقع في شباك توقعه الذي تنصبها الرواية ببراءة خادعة، فيعتقد ان ماريا ستقوم بما قام به بايسترا قتل الزوجة وصديقها ، تأخذ دوراس قارئها نحو مواقع واحتمالات اخرى بعيدة عن فصل الدم, خاصة وان الكاتبة تقدم لنا ماريا مزيجاً من حرقة وسعادة بما يدور امامها, الا ان مرد ذلك يعود الى درجة عالية من اليأس والرغبة العارمة في قتل الذات من خلال الادمان، الذي يفصح عن ازمة عميقة، لانستطيع ان نعرف حدودها تماماً، لكننا نكاد نحسها قابلة للتجسد على نحو ما,لقد اصبحت ماريا فريسة السعادة، انهما يتجاسران، ففيما كان رجال الشرطة يمرون، كانا لا يزالان يتبادلان النظر، وانفجر الانتظار اخيراً، طليقاً, من اركان السماء جميعها, من الشوارع جميعها, ومن هؤلاء النيام, من السماء فحسب، كانت ستحزر، هي ماريا ، انه كان رودريغو بايسترا, ترفع ماريا يدها محيية, انها تنتظر, ويد، بطيئة وبطيئة، تخرج من الكفن، وترتفع وهي تشير بدورها عن تواصل مشترك، ثم تسقط اليدان .
ولعل مصدر سعادة ماريا انها امراة لم يتمكنا من خداعها, بحيث تحولا الى مجرد لعبة، تراقبهما، وترصد كل حركة من حركاتهما مهما كانت صغيرة, في حين ان فجيعة بايسترا انه رجل خدع تماماً، ووجد نفسه وجهاً لوجه مع الحقيقة المدمرة، بعد ثمانية اشهر من زواج كان يظن انه سعيد.
ولعل هذه النقطة بالذات هي التي قادته الى القتل، في حين بقيت ماريا خارج فكرة الانتقام، وانغمست في هم واحد لاغير: كيف تنقذ بايسترا, كما لو انه ادى الدور الذي كان عليها ان تؤديه, فهي التي احست بكل مايدور بين زوجها وبين كلير وشمت رائحة الحب المنبعثة منهما، احست ايضاً بذلك المطارد بايسترا، واستطاعت ان تراه فوق الاسطح، في وقت عجز الجميع فيه عن تحديد مكانه, لقد اصبحت ماريا جزءاً منه، واصبح جزءاً منها، بحيث غدت نجاته هي نجاتها آه،آه، اتوسل اليك، أتوسل اليك يارودريغو بايسترا,,
تنادي ماريا مرة اخرى كما تنادي حيوانا: ياهذا!
لم يستيقظ احد في المدينة, ولم يحدث اي شيء, وقد بقي الشكل ملتفاً في غبائه, وفي الفندق لم يتحرك شيء, الا ان نافذة اضيئت في المنزل المجاور للفندق، وتتراجع ماريا قليلاً, يجب الانتظار، يجب الا تصيح بعد,,, لم تعد ماريا تنادي، كما لم تعد تشتم, ومنذ ان شتمته كفت عن مناداته, الا انها بقيت على هذه الشرفة، مسمرة عينيها عليه، على هذا الشكل المحال الى غباء الذعر الحيواني، وكذلك شكلها هي الاخرى، ماريا .
ان توحد الشخصيتين هو الذي يحرك احداث الرواية في نقاطها الاكثر سخونة, حيث اندفاعة ماريا بكل ماتبقى لها من صحو وتصميم،نحوه، للخروج به من مازقه عبر الليل والمطر، وضجيج العاصفة تنجح ماريا وبايسترا بالتفاهم، وهكذا تستطيع النزول من الفندق وقيادة سيارة الروفر الى العمارة المقابلة، وانتظاره هناك اسفلها الى ان يخرج من كفنه، فتمضي به الى خارج المدينة، الى احد حقول القمح,لكن ماريا وهي تسرد حكاية انقاذها لبايسترا على زوجها وكلير، اللذين لايصدقانها، ويعتبران كلامها جزءاً من ثمالتها, وتكون هي في الحقيقة تحاول جاهدة ان تأخذ بثارها منهما، ولاشيء غير ذلك، وتحدد موقفها منهما ومن خيانتهما لها, بوقوفها الى جانب بايسترا.
ان انقاذها لبايسترا هو الشيء الوحيد الذي يعيد اليها توازنها, ويضعهما مكشوفين امامها، ومنقادين لرغبتهما المجنونة تلك: سنذهب اليه في حقول القمح وناخذه معنا الى فرنسا.
لكنها تكتشف هناك انه انتحر، وفي وقت بدأ الحصادون فيه بحصاد القمح, فبايسترا هذا ليس ذلك الشخص الذي يمكن ان يتركهم يلقون القبض عليه، ليلقى في السجن بعد ذلك, ان جو التعاطف مع بايسترا شبه كامل، حتى من بعض رجال الشرطة انفسهم الذين يطاردونه، لكن النهاية التي يؤول اليها هي نوع من انواع الماساة حين تابى الا ان تكمل دورنها، وان كانت هنا مرهونة لفكرة القتل او الجريمة والعقاب على نحو ما.
رواية مارغريت دوراس، هذه الكاتبة الفرنسية اللامعة، على صغر حجمها 140صفحة، وقلة عدد شخوصها واحداثها وقصر الفترة الزمنية التي تدور فيها، رواية مؤثرة وجميلة وتترك اثراً بالغاً في النفس، يدوم طويلاً بعد القراءة, كما ان الترجمة لعبت دوراً كبيراً، فقد جاءت اللغة متوترة، قصيرة الجمل، وتحمل الكثير من الشعرية بما يحسب للمترجمة رنا ادريس.
|