Sunday 23rd May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأحد 8 صفر


فقيد العالم الإسلامي

* الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه, أما بعد فللعلم بالشريعة المطهرة قدره ومنزلته التي عرفها سلف هذه الأمة المتقدمون, يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية, وطلبه ومذاكرته تسبيح, والبحث عنه جهاد وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة, لانه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنة, وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء, والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء يرفع الله به اقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتفى آثارهم ويقتدى بفعالهم وينتهى الى رايهم, ترغب الملائكة في خُلَّتهم وبأجنحتها تمسحهم, يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وانعامه, لأن العلم حياة القلوب من الجهل, ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبدبالعلم منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخر, التفكر فيه يعدل الصيام, ومدارسته تعدل القيام, به توصل الارحام وبه يعرف الحلال من الحرام وهو إمام العمل والعمل تابعه, يُلهمه السعداء ويحرمه الاشقياء أخرجه ابن عبدالبر في كتاب العلم.
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنه لكميل بن زياد العلم خير من المال, العلم يحرسك وأنت تحرس المال, العلم يكسب العالم الطمأنينة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، مات خزَّانُ الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر, أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة .
فلا جرم بعد هذه المنزلة للعلم أن يكون العلماء نور الله في أرضه وهداته الى سبيله وأمناءه وفي تبليغ دينه واقامة العدل بين عباده إنما يخشى الله من عباده العلماء قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب .
وقد فجعت بلادنا بل فجع العالم الإسلامي باسره بوفاة إمام الائمة وعالم الأمة شيخ الإسلام في العصر الحاضر, سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وأعلى في عليين درجاته وجزاه خير ما جزى عالما عن قومه وخلف على الأمة خيرا منه انه سميع مجيب.
وصدق الشاعر إذ يقول
إذا ما مات ذو علم وتقوى
فقد ثلمت من الإسلام ثلمة
وموت العابد القوام ليلا
يناجي ربه في كل ظلمة
وموت الحاكم العدل المولى
بحكم الارض منقصة ونقمة
وموت فتى كثير الجود محل
فإن بقاءه خصب ونعمه
وموت الفارس الضرغام هدم
فكم شهدت به بالنصر عزمه
إنه أنموذج لعلماء السلف السابقين والأئمة المتقدمين جمع الله له من الفضائل والمكارم شيئا عظيما وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم, وضع الله له القبول في الأرض وذلك علامة القبول في السماء.
منهجه حنيفي ونهجه محمدي أحمدي وخلقه أريحي وكرمه حاتمي وأفقه عالمي,, قدوة معاصرة لأنه اقتدى بالقدرة والأعظم والأسوة والأكرم صلى الله عليه وسلم.
فعليه من خلق النبي دلالة
وعليه من نور الإله بهاء
للناس اجماع على تفضيله
حتى استوى اللؤماء والكرماء
وتجمعت فيه القلوب على الرضى
وتوافقت في حبه الأهواء
علمه مبني على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة مع أفق واسع وفهم شاسع يتجاوز المحلية الضيقة والاقليمية الحدودية فنفع الله بعلومه الجمة وفتاواه الهائلة وجهوده المباركة ومواقفه المتجردةز فكان بحق فقيه الأمة بلا منازع,, عني بمحاربة مظاهر الشرك في العبادة.
ومظاهر الشرك في مسالة الحاكمية، في وقت انتصرت فيه طائفة على هذه وطائفة على تلك والحق هو الجمع بينهما,كما كافح الإلحاد ونظرياته والعلمائية وانحرافاتها, وناصر قضايا المسلمين في كل مكان فلا توجد دعوة إصلاحية ولا حركة إسلامية صحيحة إلا ساندها وساعدها ولا يكاد يوجد مشروع إسلامي دعوي او إغاثي او علمي في الداخل او الخارج إلا وله فيه سهم ظاهر وأثر وافر.
كان حريصا على قضاء حاجة المحتاجين مناصحا للمسؤولين بالحكمة والموعظة الحسنة شجاعا في قول كلمة الحق زاهدا في حطام الدنيا وفي مراتبها فأتته وهي راغمة فكان حقيقا بقول القائل
أتته الإمامة منقادة
إليه تجرجر أذيالها
فلم تك تصلح إلا له
ولم يك يصالح إلا لها
حمل على عاتقه مشكلات الأمة وقضاياها فواجهها بصبر وثبات وحكمة وحنكة, وقد صدق من قال فيه
في الجود مدرسة في البذل مملكة
في العلم نابغة استاذ أجيال
الحق مذهبه والنصح يعجبه
والذكر يطربه يحيى بنه سال
العلم مؤنسة والله يحرسه
ما كان مجلسه للقيل والقال
يادرة العصر يابحر العلوم فما
رأت لك العين من ندِّ وأمثال
حقا فقد عرف التاريخ كوكبة
مضيئة من صناديد وأبطال
لكننا ياحبيب القلب نبصرهم
كأنما مثلوا في شخصك الغالي
وقد ألام على هذا الثناء وقد
يقول بعض أناس مسرف غال
يالائمي لا تلمني لُم سماحته
سبا فؤاديَ واستولى على بالي
بازُ تصيد قلبي ثم طار به
الى سماء الهوى فلترحموا حالي
بئس البيان الذي لم يكتسب حللاً
من مدح شيخ عظيم القدر مفضال
أنت الكفيف ولكن أبصرت أمم
بغيض علم نقي منك سلسال
رفعت للعلم أبراجا مشيدة
تجلو صداه وتحيي رسمه البالي
كم قلعة للهدى والعلم شامخة
يطل منها سناكم خير إطلال
إن موت العلماء الربانيين والهداة الصادقين المخلصين رزية عظيمة ومصاب جلل وخسارة للأمة فادحة, ولكن إن العلماء اذا ذهبوا بذواتهم واشخاصهم فعلومهم ومعارفهم موجودة في ما كتبوه وألفوه وسجلوه, فهذه كتب سماحته ورسائله وفتاواه تبلغ المجلدات الكثيرة فما احرى شبابنا وأجيالنا وطلاب العلم فينا ان ينهلوا منها وأن يستفيدوا مما فيها ومع ذلك فنحن لا نغلو به ولا ندعي له العصمة فقد أبى الله العصمة إلا لرسله فيما يبلغون عنه وكل يؤخذمن قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال ذلك إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله ولكن هذه كلمة وفاء وكلمة دعاء وكلمة حث ونداء لمنهجه واسلوبه وعلمه فرحمه الله رحمة واسعة وجبر مصابنا ومصاب الأمة المسلمة فيه انه على كل شيء تدير.
يارب ياسامعا صوتي ومسألتي
أدعوك يارب في صدق وإجلال
ادعوك يامبدع الأفلاك من عدم
وخالق الناس من طين وصلصال
ياواسع الفضل يامن لا شريك له
ويامقدر أرزاق وآجال
يارب واجعل جنان الخلد منزله
مع نبي الهدى والصحب والآل
وارحمه من كل سوء واحمه أبدا
من اي شر وآصار وأغلال
وزده خيرا ونورا واحم طلعته
يوم القيامة من حر وأهوال
رحم الله سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن باز وتغمده بواسع فضله وألهم ذويه والمسلمين جميعا الصبر والسلوان إنه سميع مجيب, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د, راشد بن احمد العليوي
عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بالقصيم

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved