* إعداد : سلمان العُمري
مع ما يشهده العالم من تقدم في كافة المجالات والعلوم تبرز أهمية إعداد العناصر الشابة المؤهلة والقادرة على مسايرة هذا الركب المتسارع.
ولعل التعليم العالي- خاصة الجامعي -يعد أحد أهم الوسائل القادرةعلى الوفاء بحاجة المجتمع من هذه العناصر المؤهلة علميا ودينيا للحفاظ على مكتسبات الوطن الحضارية ودفعها للأمام،ومن هنا تظهر أهمية الجامعات الإسلامية في إيجاد هذه العناصر من أبناء الأمة حيث إنها تملك العلوم الإسلامية والشرعية، بالإضافة إلى المفيد من العلوم الأخرى الحديثة في جميع التخصصات.
حول هذا الموضوع ومدى مسؤولية وواجب الجامعات الإسلامية تجاه مجتمعاتها في ظل التحديات المعاصرة التي تواجه الأمة بأسرها،كان لالجزيرة هذه اللقاءات مع ثلاثة من كبار المسؤولين في الجامعات الإسلامية.
أهداف خمسة ووسائل خمس
يرى الدكتور حسن الشافعي رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد في باكستان أن مسؤولية الجامعات الإسلامية تتسع عن مثيلاتها من الجامعات الأخرى،ففي الوقت الذي تقتصر فيه مسؤولية الجامعات بصفة عامة في أهداف ثلاثة- اتفقت عليها كلمة الباحثين في هذا الأمر-نجد أن هذه الأهداف تشمل هدفين آخرين تختص بهما الجامعات الإسلامية .
يقول د,الشافعي:إن الواجبات أو الأهداف الثلاثةالتي تتمثل فيها مسؤولية الجامعات أولها:التعليم والتدريب،للمقبولين فيها من الشبيبة اليافعة لإعدادهم وتكوينهم،وصقل شخصياتهم،وتزويدهم بالمعارف والخبرات التي تمكنهم من أن يقودوا التنمية الوطنية في كل مجالاتها.
والثاني:البحث العلمي الذي يسهم في تطوير الإمكانات والأساليب والصيغ النظرية والعملية،من أجل تطوير ثقافة المجتمع وإثرائها،وتطوير أدواته التقنية ،والإسهام في حضارة الإنسانية ،أما الثالث والأخير:فهو خدمة المجتمع بكل الوسائل المتاحة،والعناية بالبيئة في أوسع مجالاتها،والارتفاع بمستوى الحياة ماديا ومعنويا للجماهير من أبناء المجتمع الذي تنتمي إليه.
وأضاف قائلا:وليست الجامعات الإسلامية بدعا في هذا الصدد،فهي تستهدف النهوض بهذه الواجبات الثلاثة،وتحقيق الغايات المنشودة من القيام بها،وإن كان دورها يتسع ليشمل إلى جانبها هدفين آخرين :الأول منهما نظري فكري،وهو تزويد خريجيها بأرقى وأحدث المعارف العصريةفي أوسع نطاق ممكن يتصل بمجالات تخصصهم مع تزويدهم بما يرتبط به من تراث الإسلام وثقافته الفكرية وقيم مجتمعهم وحضارته،جمعا بين الأصالة والمعاصرة،وحفاظا على هوية الأمة وشخصيتها الفكرية والثقافية في إطار حق التنوع الحضاري.
أما الأمر الآخر فهو عملي تربوي حيث يتم صقل شخصيات خريجيها ومنسوبيها في ضوء القيم الإسلامية،وغرس الولاء للأمة دون تعصب حقيقي،أو طائفية عصبية بغيضة،مع محبته للخير العام للبشر،وبقدر ما تنجح الجامعات التي تصف نفسها بأنها إسلامية في تحقيق الأهداف الثلاثة الأولى فهى تستحق صفة الجامعية وبقدر ما تنجح في تحقيق الهدفين الأخيرين ومتطلباتهما فهى تستحق الوصف الشريف بالإسلامية .
ويؤكد د,حسن الشافعي أن الوصول إلى المستوى المنشود الذي يحقق هذه الأهداف الخمسة على نحو مقبول أو مرضٍ هو رهن بسعى موصول وجهد دائم مستثمر من كل جامعة بقيادة مسئوليها وإسهام جميع منسوبيها،حتى تبلغ من ذلك غاية كمالها الممكن بتوفيق الله تعالى.
وقد حدد رئيس الجامعة العالمية الباكستانية عددا من الوسائل التي تعين علىتحقيق هذه الأهداف فقال :إن تطوير الجامعة نفسها ماديا ومعنويا،من حيث الأدوات والأساليب،والأنظمة والتقاليد،في ضوء خطط مدروسة تأخذ في الحسبان الأهداف السابقة التي أحسب أنها موضع اتفاق وقبول عامين،والإمكانات المتاحة لكل جامعة في ضوء ظروفها الخاصة وهي متفاوتة بطبيعة الحال،وإن كان الفكر المتفتح والعزم القوي يمكن أن يحقق الكثير من ذلك بإمكانات قليلة نسبيا.
وأردف قائلا:ومنها أيضا أن تتعرف الجامعة على احتياجات مجتمعها وتغير هذه الاحتياجات،وتحاول تلبيتها،في ضوء المصالح العامة والمقاصد الشرعية الضرورية والحاجية والتحسينية،التي تضمنتها شريعة الإسلام عملا على راحة الناس وتحقيق سعادتهم والرقي بمستوى المعيشة ونوعيتها .
وفي ظل الظروف الحالية التي تمر بها المجتمعات الإسلامية-وكلها يدخل في الجنوب الحضاري تقريبا-لايمكن للجامعات الإسلامية أن تتجاهل تخلفنا الحضاري ،أو أن ترتقي طريق التقدم متجاهلة شروط النهضة الحضارية فكلاهما تقصير عن واجباتها الجامعية أو قصور فيها وينبغي أن تتنزه عنهما .
ثم قال د,الشافعي:ومما يعين أيضا،أن تتابع الجامعة تطور مجتمعها وتقلُّب أحواله وتغير ظواهره ،فترصدها أولا وتحللها في ضوء المعايير العلمية ثانيا،وتصف لها العلاج أخيرا،محاولة جهدها أن تسهم في هذا العلاج عمليا،فكل المجتمعات عرضة لبعض الظواهر المرضية، والتغيرات غير السوية.
وفي مرحلتنا الحاضرة لا يمكننا أن نتجاهل ظاهرةالتفرق والشتات بين الشعوب الإسلامية التي تسعى جاهدة -دون إنجاز كبير تؤهلها له إمكاناتها ومقدراتها الحضارية -لتحقيق التضامن والتنسيق على حين توصل غيرها إلى الوحدة الكاملة أو قريب منها، أو ننسى ظاهرة الغلو والتطرف التي أصابت طوائف من مجتمعاتنا الراهنة في آسيا وإفريقيا.
وطالب رئيس الجامعة علماء المسلمين -بهذه المناسبة - بمعالجة مثل هذه الظواهر المرضية بهدايات الوحي وأساليب العلاج السديد ،وفي مقدمتهم علماء الجامعات الإسلامية الذين يروون للناس مثل حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:يحمل هذا العلم من كل خَلَف عدوُّ له،ينفون عنه تحريف الغالين،وانتحال الجاهلين ،وتأويل المبطلين ،وإلا استحقوا -بدلا من دعاء أهل الأرض والسماء حتى الحيتان في البحر لعنة الله والناس أجمعين :(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، إلا الذين تابو وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) البقرة 159 ل 160
ويمضي د,الشافعي في حديثه قائلا:ولعله مما يعين هذه الجامعات الإسلامية على أداء رسالتها والنهوض بواجباتها نحو مجتمعاتها أمران آخران ،يتأكدان بوجه خاص في ظروفنا الراهنه،وهما:تركيز همّتها وحشد طاقاتهابجميع منسوبيها لاداء أنشطتها العلمية الأكاديمية ،وخدماتها الاجتماعية ،في تنزه عن الغرض الخاص أو الانحياز المعيب ،أو التورط في السياسات الحزبية والطائفيات البغيضة والتمسك بالولاء للمجتمع ككل ،وللأمة في جملتها،بعد الولاء الكامل لله عز وجل ,,وهذه الناحية بالغة الأثر في حياة الجامعة ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها ،كما يجب أن يتم إطلاع طلابها على ثمرات التقدم الإنساني وجوانب المعرفة العلمية المتاحة والمتنامية حينا بعد حين.
ويختتم رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد حديثه بقوله:إنها أهداف خمسة،ووسائل خمس ،لو استوعبناها بعمق نحن الجامعيين ،وجعلناها نصب أعيننا في مسعانا الدائب ،وسلوكنا اليومي ،لأعانتنا على تحقيق وظيفة الجامعة ورسالتها العلمية والحضارية نحو مجتمعها.
الرابطة,, والعمل المشترك
ولم يخلو حديث الأستاذ الدكتور جعفر بن عبدالسلام علي أمين عام رابطة الجامعات الإسلامية من الصراحة حينما أكد أن معظم الجامعات الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي ما زالت متخلفة في الكثير من مجالات دراسات العلوم التقنية الحديثة ومنها علوم الفضاء،وأرجع ذلك إلى أن هذه المجالات من أعلى أنواع التكنولوجيا التي يسيطر عليها الغرب.
إلا أنه أكد بأن رابطة الجامعات الإسلامية تسعى جاهدة في معالجة هذا الأمر حيث وافق المجلس التنفيذي للرابطة على عمل بحوث مشتركة بين الجامعات الأعضاء البالغ عددها (80) جامعة من (50)دولة في كافة مجالات التكنولوجيا الحديثة ،وعهد إلى جامعة القاهرة بتنفيذه حتى يمكن لهذه الجامعات تحقيق أهدافها التربوية والعلمية الإسلامية والجمع بين الأصالة والمعاصرة في مناهجها.
وأشار د,جعفر عبدالسلام أيضا إلى ماتعانيه مسيرة الجامعات الإسلامية خاصة في الدول الإسلامية، الذي يتمثل في ضعف الإمكانات المادية وقلة عدد الكوادر العلمية ،وأن هناك اتفاقات تمت بالفعل حول تأهيل عدد كبير من الكوادر العلمية المتخصصة بالعلوم الإسلامية وإمداد هذه الجامعات بهم .
كما أوضح أن الرابطة قد حققت- بفضل من الله تعالى -ثم بجهود ودعم القائمين عليها وفي مقدمتهم رئيس الرابطة معالي الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية -حققت نجاحا كبيرا في جميع الجامعات الإسلامية حول موضوع واحد ،يتمثل فيمواجهة التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في القرن القادم وقد تم بالفعل تقديم العديد من البحوث والدراسات في هذا الشأن،وشكلت اللجان المتخصصة لمناقشة هذه البحوث، وإعداد مشروع تهديه الرابطة -بمشيئة الله تعالى-إلى كل أجهزة المجتمع الإسلامي يتضمن دليلا ومنهجا وخططا متكاملة وعملية في مواجهة هذه التحديات .
وفي ختام حديثه ألمح الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية بأن المرحلة القادمة سوف تشهد-بعون من الله وتوفيقه -قفزة علمية كبيرة في جامعاتنا الإسلامية ،حيث أبرمت الرابطة العديد من الاتفاقات لتنظيم التعاون العلمي مع عدد من المؤسسات العالمية والإقليمية (مثل الايسيسكو واتحاد الجامعات العربية)،كما أنه من المقرر عقد العديد من المؤتمرات واللقاءات العلمية،للتنسيق حول دعم وتطوير المسيرة العلمية الإسلامية في العالم.
تحقيق متطلبات التنمية
المتحدث الثالث كان الدكتور سعيد بن حارب المهيري نائب رئيس جامعة الإمارات العربية المتحدة ،الذي أوضح أن أبرز واجبات الجامعات الإسلامية اليوم يتلخص في عدة أدوار من أبرزها:تحقيق متطلبات التنمية التي تحتاجها المجتمعات الإسلامية إذ إن هذه المجتمعات يعيش بعضها في مستوى متوسط من التنمية البشرية كما تحدد ذلك تقارير الأمم المتحدة حول التنمية ،مشيرا إلى أن البعض الآخر يعتبر دون المستوى أو بمستوى متدنٍ من التنمية ,وقال:ويكفي أن نشير إلى أن ثماني دول من الدول العشر الأقل فقرا هي دول إسلامية،لذا فإن واجبات الجامعات الإسلامية أن تعد البرامج لإيجاد العناصر والخطط التنموية التي تخدم المجتمعات الإسلامية.
كما أبان د,المهيري أن من هذه الواجبات البحث العلمي إذ إن الدخول إلى العالم المتقدم لايمكن أن يتم إلا من خلال التقدم التقني والمعلوماتي ،الذي لايتحقق إلا من خلال البحث العلمي ،والمجتمعات الإسلامية يتدنى فيها مستوى البحث العلمي أو ينعدم في بعض الحالات،وبمقارنة بسيطة نجد أن دولة مثل كوريا الجنوبية تخصص (8،2%)من ناتجهاالقومي للبحث العلمي ،بينما نجد أن أكبر دولة إسلامية في انفاقها على البحث العلمي لايتجاوز (,8%)ولذا فإن الجامعات الإسلامية باعتبارها مؤسسات بحثية يمكن أن تكون البيئة المناسبة للبحث العلمي وتطويره في المجتمعات الإسلامية ,ومن واجبات الجامعات التي أوردها د,المهيري في حديثه أيضا،مواجهة التحديات المعاصرة,,حيث قال: إن العالم اليوم يتحدث عن العولمة والمثاقفة،وغيرها من المصطلحات المعرفية المعاصرة التي لم تتبلور رؤية إسلامية واضحة تجاهها ،فبين رافض لهذه المصطلحات وموافق عليها ،والجامعات الإسلامية بحكم وجود نخبة من الباحثين والدارسين ومصادر المعرفة يمكن أن تتبلور من خلالها رؤية واضحة في التعامل مع هذه التحديات الفكرية .
وأضاف بقوله:ويمكن للجامعات الإسلامية كذلك أن تعالج بعض الظواهر الاجتماعية التي برزت في العقود الأخيرة،مثل ظاهرة التطرف والعنف وغيرها من الظواهر التي يحاول أصحابها نسبتها إلى الإسلام ،في حين أنها تخالف القواعد الأساسية في الإسلام،ولذا فإن دورالجامعات الإسلامية في بيان الحكم الشرعي من هذه الظواهر هو: بيان حقيقتها ،والعمل على مواجهتها وحلها، وتوعية الأجيال الإسلامية بحقيقة الإسلام وهديه .
|