لقد فجع العالم الاسلامي في يوم الخميس 27/1/1420ه بنبأ وفاة الامام العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالرحمن بن باز، علامة زمانه، الذي عرفه الصغار والكبار والرجال والنساء ، بل عرفه الملوك والرؤوساء والامراء والوزراء، عرفه الابرار والفجار، وأحبه وأجله كل من لقيه او سمع عنه, انه الرجل العالمي في عصر الاقاليم والحدود والدول المتفرقة المختلفة، فهو رجل العقيدة والتفسير والحديث والفقه والاصول واللغة، رجل العلم الذي نذر نفسه ووقته وجهده وماله لدينه، فهو رجل علم وصلاح، وفقه ودعوة، وجهاده ومجاهدة، وصبر وحلم، وكرم وسماحة، وشجاعة ومروءة، ولا نزكي على الله احدا فهو امام اهل السنة والجماعة في عصره.
وان العلم والحلم والدعوة والصبر والبذل والسخاء وحب الاحسان الى الناس ومراعاة مشاعرهم قل ان توجد في هذا الزمان الا في القلائل من اهل العلم، وشيخنا ممن جمعوا بين هذه الفضائل وغيرها كثير.
ان سماحة الشيخ صاحب هم بل هموم عظيمة يخدم فيها دينه وامته، وصاحب الهموم يشغل وقته وجهده ولسانه وقلمه وجاهه لتحقيق همه والوصول اليه وهو نصرة الدين وانكار المنكرات ونشر العقيدة السلفية التي جاء بها المصطفى صلى الله عليه وسلم وعليها سلف امتنا الاتقياء الابرار.
فسماحة الشيخ - رحمة الله عليه - يحمل هموم الامة، ويحمل هم هذا الدين.
1) فهو يسعى الى ابلاغه، ودعوة الناس اليه، لذلك فقد رصد وقته كله للعلم والدعوة الى الله والعمل في سبيله, والشيخ يعتبر نموذجا في زمانه، في حفظه للوقت وحرصه على العلم، وصبره على الدعوة فجميع مجالسه ذكر وتعليم ودعوة، وحديث في احوال المسلمين ومشاركتهم في السراء والضراء.
2) وهو يحمل هم الدعوة الى الله وابراز اهميتها وفضلها واثرها على الناس جميعا، وانها سبب لصلاح العباد وامن البلاد وانتصار المسلمين، والقضاء على اهل البدع والمشركين، لذلك جند نفسه لهذا العمل وارسل الدعاة على تكلفته الخاصة الى دول كثيرة من العالم، يدعو الناس للقيام بهذه الدعوة ولدعمها بالمال والكتب كل على حسب ما تيسر له.
3) ويحمل هم العلم وتبليغه وتعليمه لهم ولذلك نذر نفسه بل جعل مجلسه العام والخاص مجلس علم ودعوة، ودروسه اليومية والاسبوعية مستمرة في حله وسفره، فكلما جاء الى بلد لم يشغله السفر ومتاعبه عن الجلوس الى طلاب العلم وعامة الناس, يُقرأ عليه في المجلس الواحد والدرس الواحد العديد من الكتب فنجد عنده عظيم الفهم وقوة التعليق وثاقب الحفظ، وامتاز الشيخ - رحمه الله - بذكاء حاد وحافظة قوية؛ حفظ الكتب الستة كلها او جلها وكذلك المسانيد، وغيرها من كتب السنة يأخذ بالدليل ولايحيد عنه.
4) يحمل هم الفتوى فهو يعلم انه مسؤول عما يقول في هذا العلم وما يبلغه للناس؛ فهو يستقبل الفتوى ليلا ونهارا سرا وجهارا، في مجلسه ومصلاه، في سيره وركوبه، يتزاحم الناس عليه لأخذ الفتوى ولم يسمع عنه ابدا تضجر ولا قلق ولا تذمر ولا اعتذار بل يقف احيانا في الشمس حتى ينهي السائل سؤاله ويقضي حاجته تأتيه الفتاوى من جميع اقطار المعمورة مهاتفة او مكاتبة او مشافهة، فيسعى للاجابة عليها مستدلا في ذلك بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة.
5) يحمل هم الاحسان الى الناس ويسعى لقضاء حوائجهم المالية والاجتماعية وتفريج كربهم مهتديا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وملامساً قول النبي صلى الله عليه وسلم (الناس عيال الله احبهم اليه انفعهم لعياله) يأتيه الفقير يشتكي فيساعده، ويأتيه المظلوم يشتكي فيناصره، ويأتيه الجاهل فيعلمه, جمع الله به شتات اسر كانت متفرقة وابناء مشردين فكان سببا في لم شملهم.
6 - يحمل هم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسعى الىذلك بكل ما أوتي، يتصل بصاحب المنكر او يكاتبه ويدعوه لترك المنكر ويخوفه بالله ويحذره من غضب الله وانتقامه, لا يستهين بصغيرة ولا يغض الطرف عن كبيرة وهو يعلم انه لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار يكاتب المسؤولين ويهاتفهم ويشافههم في امر المنكرات الخاصة والعامة، ويحث الناس على انكار المنكرات والكتابة عنها وعدم التساهل فيها، ويحثهم على الاهتداء بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك وتوجيه القرآن في الدعوة الى الله بالتي هي احسن والشيخ - رحمة الله عليه - يهتم بذلك وبالجهة المسؤولة لانه يعلم ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام امان للمجتمع وسبب لحفظ كيانه، وسبب لمنع العقوبة عن المجتمع، وسبب لقبول الدعاء ورفع البلاء وغيره.
والشيخ وسيرته وعلمه وحلمه وكرمه يذكر بسير السلف الصالح من امثال احمد بن حنبل والشافعي والبخاري ومسلم وابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبدالوهاب الذين صاروا اعلاما في العلم والدعوة الى الله وانكار المنكرات واجلاء الحق للناس.
والشيخ رحمه الله رحمة واسعة تعرفه الآيات والسور، وهو يرددها في جنح الليل خاشعا لله باكيا وكأني بالشاعر اذ يقول:
لو كان يبكي كتاب الله من احد لطول الفٍ بكتك الآي والسور |
وتعرفه الاسحار وتعرفه المساجد في سيره اليها في جنح الليل وفي وسط النهار فهو امام المصلين او خلف الامام تماما.
تعرفه السنة بصحاحها ومسانيدها حيث سجلت في صدره حفظا وفهما وتطبيقا ودعوة الى الله بها.
وعرفه الذكر وهو يردده صباحا ومساء تعظيما لله وتوبة واستغفارا.
وعرفه المال وهو ينفق منه ويبذل منه بسخاء في مجالات الخير كلها.
وعرفه الفقراء والمساكين حيث يتوجهون اليه لقضاء حوائجهم ومساعدتهم في امورهم.
وعرفه العلم والعلماء وعرفه الملوك والرؤساء وعرفه الامراء والوزراء، رفعوه وقدروه وأجلوه لعلمه وصدقه واحتسابه.
جعل الله له القبول عند الناس برهم وفاجرهم, من حضر مجلسه لا يرفع صوته احتراما وتقديرا,لا يأكل وحيدا بل مع الفقراء والضيفان الذين لا يخلو منهم منزله.
ان عزاءنا في الشيخ ان هذه الدنيا ليست دار بقاء ولا خلود ، ولقد مضى قبله امام المتقين وسيد المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم,ولقد قال انس بن النضر - رضي الله عنه - يوم قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قتل يوم احد: قوموا فموتوا على مثل ما مات عليه,وعزاؤنا انه قادم على رب كريم يعطي الجزيل على العمل القليل.
وختاما اسأل الله الكريم رب العرش العظيم ان يجعله في عليين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ووالديّ وجميع المسلمين.
اني اعزيك لا أني على ثقة من الحياة ولكن سنه الدين ليس المعزى بباق بعد ميته ولا المعزي وان عاشا الى حين |
*المشرف العام على مدارس المجد الاهلية بالرياض