Saturday 29th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 13 صفر


عبدالعزيز بن باز,, المصلح القدوة

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، وأصلي وأسلم على معلم الناس الخير، ومن ختم بدينه الاديان ونسخت بشريعته الشرائع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما اشرقت شمس وما لاح نجم وما تعاقب الليل والنهار, وبعد:
فقد فقدت امة محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الخميس 27 محرم 1420ه امام اهل السنة والجماعة في عصرنا، فقدنا علم الهدى وبدر الدجى وقامع البدعة.
إمامنا وشيخنا الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا وإياه في دار كرامته وغفر لنا جميعا ذنوبنا وسيئاتنا بمنِّه وكرمه ومغفرته إنه جواد كريم.
ولست هنا بصدد الترجمة له او تعداد مكارمه فهي من السعة والكثرة بما يقصر القلم عن وصفه وتعجز الكلمات عن الالمام به,, وقد افاض في ذلك المتحدثون في الايام الماضية التي اعقبت وفاته - رحمه الله.
ولكني هنا اسجل مشاعر كانت تخنقها العبرات لمدة اسبوع كامل اذكر هنا خواطر كانت تبللها الدموع كلما قرأت سطرا من النثر او بيتا من الشعر او سمعت عبارة متحدث عن مناقب الشيخ وفضائله.
أقول: لقد تمتع الشيخ الامام العلامة بمناقب من اهمها:
1- الرحمة بالناس وسعة الافق في الفتوى بحيث تكون الاحكام التي ينطق بها رفيقة بالناس مقربة لهم الى الله موافقة لسنة محمد صلى الله عليه وسلم,, ومن ابرز الامثلة على ذلك فتواه ببطلان طلاق الرجل الذي طلق زوجته في حالة غضب وله منها ثمانية اولاد وقد مكث معها ثمانية عشر عاما، وتفصيل ذلك موجود في سيرة الشيخ وما كتب عنه في الايام الماضية وفي ذلك رسالة موجهة لقضاتنا بارك الله فيهم ونفع بهم.
2- الكرم الذي يُزري بكرم حاتم ومن جاء بعد حاتم، فقد روى الشيخ عبدالله بن منيع تلميذ الشيخ ونائبه في الافتاء وعضو هيئة كبار العلماء ان الشيخ ينفق في اليوم ما معدله ألفان وخمسمائة ريال تزيد ولا تنقص، وذلك في سد حاجات المحتاجين، ونشر دين الله، والجهاد في سبيله في شتى بقاع الارض,, وحينما يقول له احد بنيه كيف تنفق كل هذا ونحن مالنا، يقول بكل ثقة في الله واعتماد عليه وزهد في الدنيا (لنا الله) فهو حسبنا ورزقنا بيده, وفي هذا درس لمن يُدعَون للانفاق في سبيل الله فيمنعهم الشيطان ويعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء، ويمنعون مال الله الذي آتاهم تكاثرا وإيثارا لزينة الدنيا على ما عندالله.
3- الأوبة للحق والتواضع,, فقد روى الشيخ عبدالله بن منيع وغيره من كبار العلماء ان الشيخ حينما يدلي برأيه في مجلس هيئة كبار العلماء ثم يكون رأي الاكثرية مخالفاً لرأيه ويتبين له صحة ما رأوه ينزل على رأيهم ويتنازل عن رأيه مرددا - رحمه الله - (اللهم اهدنا فيمن هديت),, فمن لنا بمن يكون هذا منهجه في الحوار وبخاصة حينما يكون مع من هم دونه في السن او العلم او غيرهما,, ان هذا درس بليغ لعامة الامة وخاصتها فهل تعيه!
4- انه يحب للمسلمين ما يحب لنفسه، فهو زاهد في الدنيا، متعفف عن شهواتها، حذر من البدع والخرافات, واذا سأله سائل اي مسألة في هذا الجانب اجابه بما التزم.
5- الإخلاص والحرص على براءة الذمة في اداء العمل، والتفاني في انجاز حاجات الناس ومطالبهم، فقد روى كتّاب الشيخ وموظفوه، وتلاميذه في هذا الجانب قصصا رائعة فريدة، فهو حريص على ساعات العمل الوظيفي من بدايتها الى نهايتها منجزا لكل عمل باسرع وقت ممكن مستغلا كل دقيقة من دقائق يومه وليلته حضرا وسفرا,, وليس هذا فحسب بل انه - رحمه الله - وهو على سرير المرض في المستشفى يطلب معاملات مكتبه لتقرأ عليه ويوجهها بما يلزم رغبة في الخير وخدمة للبلاد والعباد، ثم ينقل ابنه احمد - حفظه الله ووفقه - أنهم اذا وجدوا باله مشغولا اثناء المرض طلبوا احد كتابه ليحضر بعض المعاملات، فيأتي الكاتب ويقرأ على الشيخ فإذا قرئت عليه المعاملات الرسمية وغيرها وانجزها سُرَّ وزال همه,, أي موظف هذا، واي نموذج من الناس, سبحان ربي، إنها صورة نادرة، تملكنا الدهشة، ونحار حينما نضعها بجانب ما نراه من صور مؤسفة محزنة لبعض اخواننا الموظفين في شتى المجالات الذين يهدرون ساعات العمل فيما لا يفيد، ثم هم لا يجيبون مراجعا في الساعة الاولى من الدوام ولا في الساعة الاخيرة منه، وقد قرأنا وسمعنا ان شيخنا - عليه رحمة الله - لم يتمتع باجازة من العمل طيلة حياته الوظيفية، وحينما اقترح عليه اخذ اجازة من العمل الوظيفي للراحة قال: (الراحة في الجنة ان شاء الله)، إنها رسالة صريحة قوية للذين يتبرمون من العمل ويحاولون الفرار منه لاوهى الاسباب، رسالة توضح اثر الاخلاص والصدق في اتقان العمل وسرعة التنفيذ ومواصلته بلا سأم ولا فتور.
6- ويتوج تلك الصفات ويزينها حرص الشيخ الامام على توحيد الكلمة ونبذ الخلافات والتعصب، وطريقه الى ذلك حب صادق لولاة الامر والنصح لهم من القلب ودعوة الناس الى طاعتهم في المنشط والمكره، والتحذير من مخالفة ولاة الامر والبعد عنهم، فعزهم عز للاسلام وأهله,, ولذلك كان وفاء حكام هذه البلاد المسلمة - حماها الله - كان وفاؤهم كبيرا ملحوظا وما حضورهم للصلاة عليه وحزنهم لفقده الا مظهر واحد من مظاهر تقديرهم للعلماء والمكانة الكبيرة التي يرونها لهم,, جزى الله خادم الحرمين الشريفين وإخوانه خير الجزاء وثبتهم على الحق ونفع بهم الاسلام والمسلمين.
إن في سيرة شيخنا الذي بكينا عليه دروسا وعبرا، وإن من ابرز حقوقه علينا ان ندعو له من قلوبنا قبل ألسنتنا وحروفنا، وان نكون صادقين فيما نقول، يا أحبتنا: ان الفقيد ينادي كل واحد منا: هذا طريقي ان صدقت محبتي فاحمل سلاحي , وما سلاح الشيخ غير: الايمان العميق، والثقة بالله والتوكل عليه، ثم هو مع ذلك العلم الشرعي المأخوذ من مصدريه كتاب الله تعالى وسنة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا يا احبتنا إرث لا يخص أبناء الشيخ وأقاربه فقط، بل ان لنا فيه نصيبا فهل نحظى به، لننال العز والتمكين في الدنيا والآخرة! رحم الله الشيخ عبدالعزيز بن باز واجزل له المثوبة والاجر وجمعنا واياه في جنات عدن إنه جواد كريم وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.
عبدالعزيز بن صالح العسكر
الدلم - المعهد العلمي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved