يقول أحد الإخوة، ويعمل موظفاً في فرع وزاري ان فرع وزارته مكث في مبنى مستأجر مدة تزيد عن خمسة عشر عاماً يدفع ثلاثة ملايين ريال لمقره المستأجر أي أن مجموع ما دفع للمقر في تلك السنوات هو خمسة وأربعون مليون ريال وهي كافية لبناء ثلاثة مبان أفضل شكلا ومضمونا وتنظيما من ذلك المقر، وبعد تلك المدة نقل الفرع إلى مقر آخر بايجار يزيد عن مليوني ريال، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت ! وقد يمكث الفرع في المقر الجديد مدة مماثلة ويصرف خلالها ثلاثين أو أربعين مليون ريال أخرى وهكذا يظل الفرع بلا مقر ثابت مع نزيف مادي مستمر بسبب ما يدفع من ايجارات!
وقد سأل أخونا أحد المختصين في الشؤون المالية عن سبب عدم مبادرة وزارة المالية والاقتصاد الوطني إلى بناء أو شراء مقر لهذا الفرع أو غيره وتفضيلها دفع ايجارات سنوية ففهم منه أن الوزارة تفضل ذلك لعدم كفاية الموارد المخصصة لهذا الغرض لبناء أو شراء مقرات لفروع الوزارات فيكون الايجار السنوي هو الحل المؤقت وقد يبدو موقف المالية مقبولا وموضوعيا إذا لم يكن هناك حل آخر غير الاعتماد على الاستئجار لتوفير مقرات لفروع الوزارات لصعوبة بناء مقر لكل فرع وما يمثله ذلك الانفاق من ضغط على الميزانية العامة، ولكن الواقع يؤكد أن هناك حلا آخر يجمع بين الحسنيين - ويخدم عدة أهداف فهو يوفر مقرا مناسبا ودائما ومملوكا لكل فرع وزاري دون أن يحِّمل الميزانية العامة مبالغ طائلة، بل ويرفع عن كاهلها في وقت لاحق ارهاق الايجارات السنوية، وهذا الحل ليس حديثا ولكن جرب حتى الآن ضمن حدود ضيقة ونجح ومع ذلك لم نر ما يدل على توسع في التجربة مع أنها تخدم مصلحة عامة وما نريد الاشارة إليه هو أن بالإمكان اشراك القطاع المالي الخاص من بيوت أموال ورجال أعمال وشركات مقاولة وبناء في الاستثمار مع الدولة ممثلة في وزارة المالية، بحيث يقوم القطاع الخاص ببناء مقر لكل وزارة,, مقر كاف لها ولموظفيها مع احتساب نسبة التوسع في أعدادهم مستقبلا بحيث يكون المقر موفيا بالغرض وعلى قاعدة لا ضرر ولا ضرار.
فإذا افترضنا أن تكاليف المقر ثلاثون مليون ريال فإن القطاع الخاص يقوم بالبناء ويبيعه بيع أجل على وزارة المالية بمبلغ أربعين مليون ريال تسدد على أقساط سنوية بمعدل مليوني ريال في العام على مدى عشرين عاما أو بمعدل أربعة ملايين في العام على مدى عشر سنوات حسب الامكانات المالية المتاحة، وهكذا تتحول الايجارات إلى أقساط مع زيادة سنوية بسيطة لا تذكر.
ومع مرور الأيام والأعوام يصبح المقر ملكا دائما لفرع الوزارة ولا يحتاج إلا الى صيانة سنوية ليعمر عشرات السنوات وحتى في حالة بيعه بعد سداد أقساطه تماما، والبقاء فيه نصف قرن أو أكثر فإن عوائد البيع في حينه يمكن أن توفر مقراً جديدا لفرع الوزارة دون تحميل الميزانية العامة مسؤوليات مالية جديدة.
(إن ما سبق طرحه ليس جديداً فقد سبق لاحدى شركات الاستثمار أن تبنت مع وزارة المعارف مشاريع بناء عشرات المدارس كبديل للمدارس المستأجرة على أن تسدد الوزارة بتمويل من وزارة المالية قيمتها في عشرين سنة أو نحو ذلك من السنوات مع هامش ربح متفق عليه وفق قواعد بيع الأجل، بل إن شركة كهرباء الغربية قد وقعت مؤخرا عقداً ضخماً لتوسعة محطاتها المغذية لمدينتي مكة المكرمة، المدينة المنورة ومحافظات جدة والطائف والليث والمناطق التابعة لها وقيمة هذا العقد يزيد عن ثلاثة مليارات من الريالات حسبما نشر في جميع الصحف المحلية، وهذا المشروع ممول أيضا من شركة استثمارية ناجحة وفق نظام بيع الأجل فهذه الشركة الاستثمارية ستنفذ التوسعة وتبيع المشروع على شركة الكهرباء لتسدد الأخيرة القيمة على أقساط سنوية مدتها عشر سنوات عدا سنوات التنفيذ وهي ثلاث سنوات وبهامش ربح متفق عليه بين شركة الكهرباء وشركة الاستثمار، فإذا كان مشروع بهذه الضخامة قد وجد من يموله ويفيد ويستفيد فإن مشاريع مقرات الوزارات التي تدفع الآن ايجارات مبالغ فيها ستجد من المستثمرين من يسره أن يفيد ويستفيد وبطريقة مشروعة، وما تمت الاشارة إليه قد يكون صالحا بجميع مجالات النشاط الاستثماري مع الدولة بما ذلك القطاع الصحي والاجتماعي، وقد ينشأ عن تشجيع مثل هذا التوجه قيام شركات استثمارية كبرى تطرح اسهمها على الجمهور لتشغيل أموالهم في مجالات استثمار مأمونة ومضمونه وصالحة وموافقة للنواحي الشرعية.
وربما يقرأ أحدهم هذه السطور فلا يعجبه ما طرحناه ويعتبره متعارضا مع مصلحة خاصة لاصحاب العقارات المؤجرة على فروع الوزارات وقد يدعو علينا بما يراه مناسبا من دعاء لأنه يعتبر أن ما يقوم به من بناء وتأجير هو غاية مجالات الاستثمار، كل ذلك قد يحدث ويكون!، ولكننا نتحدث هنا عن مصلحة عامة وعن أفق أوسع للاستثمار وعن نظرة أبعد نحو المستقبل وعن فائدة عريضة من المستثمرين يستفيد منها صغارهم وكبارهم معا، لا عن الذين يرون أن مصلحتهم الخاصة مقدمة على جميع المصالح لأننا لو ظللنا نسمع لهؤلاء ونتجاوب مع مصالحهم فلن نتقدم خطوة إلى الأمام!.
سفهاء هذا الزمان!
من صفات السفهاء في كل زمان ومكان أنهم سفهاء ولكنهم لا يعلمون بذلك، وفي هذا الزمان بالذات ظهر أفراد وفريق منهم يمارسون نوعا من السفه الممقوت في المجالس الخاصة والعامة، وهم يحسبون أن ذلك نوع من خفة الدم والرشاقة الروحية والمرح النفسي، ولذلك نراهم يزدادون إصرارا على سفههم وسفالتهم كلما تقدم بهم العمر، وشجعهم على ذلك ما يجدونه من قبول ممن حولهم من الساقطين أمثالهم، فإذا تسافهوا رنت في المجلس الذي يتصدرونه الضحكات المتنوعة التي يكون بعضها استحسانا لما قاله السفيه من زبد وهراء وبعضها الآخر سخرية منه، وهي سخرية عادة ما تكون مغلفة حتى يأمن الساخر جانب السفيه الذي لا يتورع عن توجيه سبابه وشتائمه ولسانه السليط القذر ضد من يظن مجرد ظن أنهم غير مرحبين بنهجه في السفاهة والسقوط الخلقي والتربوي والاجتماعي!
لقد تكاثر السفهاء في هذا العصر كالوباء وأصبح كثير من الناس يتجنبون ألسنتهم واذاهم باظهار البشاشة لهم والتظاهر باستحسان ما يقولونه ويدلقونه على ألسنتهم من قذر وفواحش من القول والفعل، بل إن بعض هؤلاء السفهاء قد أصبح لهم في المجتمع هيبة ومكانة فإذا كانت لهم حاجة في جهة ما فإنها سرعان ما تقضى لهم، رغبة من تلك الجهة في السلامة من أذاهم المحتمل ، حتى لو كانت حاجتهم مخالفة لبعض الأنظمة الإدارية أو الفنية، مما جعل هؤلاء السفهاء أصحاب وجاهة اجتماعية وشفاعة مقبولة لدى إدارات الخدمات وغالبا ما تكون شفاعتهم سيئة وفي غير الحق ولمن لا يستحق من رهطهم وفئتهم، ولكن شفاعتهم تمضي بسرعة البرق، في الوقت الذي قد تتعطل أو تهمل شفاعة الصالحين والطيبين، ممن لا يشفعون إلا في معروف ولا يمشون إلا في الحق وبالحق، يريدون من ذلك نصيبهم عند الله من الشفاعة الحسنة.
إن هذا التعامل الاجتماعي الانهزامي مع السفهاء والمارقين والمتجاوزين لكل خلق نبيل وإحسان ورشاد، ممن اتخذوا السفاهة منهاجا والأذى والشتائم والمخازي سبيلا لتحقيق مكانتهم وسط المجتمع المريض، قد ساهم كما أسلفنا في توالد وتكاثر الفئران الاجتماعية والقوارض البشرية حتى انتشر اذاها وعم بلاؤها وزكم عفنها الأنوف، نعم إن المجتمع الذي جبل على التردد والجبن وإيثار السلامة والرغبة في الحفاظ على أسعار الحجارة حتى لا يصبح كل مثقال منها بدينار، هو الذي شجعهم على التكاثر والتوالد البغيض وسوف يظلون هكذا حتى يأذن الله بمن تكون لديه القدرة والشجاعة على استخدام الحجارة والقباقيب ولا بأس بالمشاعيب، فلعل ذلك يخفف أضرارهم أو يقطع آثارهم!.
مطبوعات مهداة
مما وصلني مؤخراً من المطبوعات على سبيل الاهداء كتاب للأخ الدكتور عمر الخولي استاذ القانون بجامعة الملك عبدالعزيز سابقا المحامي والمستشار القانوني المعروف، ويحمل الكتاب عنوان الوزارات والوزراء في المملكة العربية السعودية، دراسة توثيقية موجزة وقد اصدره الدكتور الخولي بمناسبة المئوية واجتهد في جمع معلوماته المتناثرة لضمها في كتاب سيصبح مرجعا في بابه، وقد وفق في عمله التوثيقي أيما توفيق.
وفي السياق نفسه أخرج لنا الأستاذ الشريف عبدالله بن منسي العبدلي كتابا يحمل عنوان المسجد الحرام في قلب الملك عبدالعزيز وفيه يؤرخ المؤلف للأعمال التي قام بها الملك المؤسس وبنوه من بعده لصالح عمارة الحرم المكي الشريف، كما ورد في الكتاب نبذة عمن تولى إمامة المسجد الحرام خلال العهد السعودي.
أما مركز الدراسات والبحوث بأكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية فقد أهدتني مجموعة من مطبوعاتها القيمة ومنها كتاب أمن الطفل العربي للدكتور عبدالعزيز فزاعلة، وكتاب مشكلة المياه وأثرها على الأمن القومي العربي للأستاذ الدكتور السيد البشري وكتاب: تأثير الغزو الثقافي على سلوك الشباب العربي للدكتور إحسان محمد الحسن، والمجلد الثالث عشر ,,, 26 من مجلة الأكاديمية، ونسخة من كتيب برنامج عمل الأكاديمية خلال عام 99م، وكذا ثلاثة بحوث صدرت عن بعض الندوات العلمية للأكاديمية بعناوين تشريعات مكافحة الارهاب في الوطن العربي، الشباب والدور الإعلامي الوقائي، التعليم داخل المؤسسة الإصلاحية.
أشكر للجميع هداياهم الطيبة.
|