Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


التفسير النفسي للإبداع
جاك صبري شماس

إن الذين يعتقدون أن الدراسات الأدبية لعملية الإبداع من حيث الجانب النفسي هي وليدة القرن العشرين على يد رائدها الطبيب النفساني فرويد إنما هو اعتقاد يحتاج الى تمعن أكثر بإعادة النظر في كثير من الأحكام ونحن لا ننكر استخدام المصطلحات الجديدة في هذا الشأن التي دخلت أدبنا من ضمن التأثيرات الغربية,, وما تميزت به جهود الباحثين في النقد الأدبي لإبراز بواطن القدرة الإبداعية، أما أصل الدراسات الأدبية وعلاقتها بالنفس فهي قديمة في الآداب الإنسانية على وجه العموم وليس معنى ذلك ان معنى هذه الدراسة كانت تحمل معالم النظريات الحديثة نفسها، وقد تقدمت هذه الظاهرة لاحقاً على يد الناقد العربي عبدالقاهر الجرجاني الذي حاول من خلال ملاحظاته النفسية ان يعطي وجها آخر للدراسات النقدية بتوضيحه معنى الدلالة النفسية، لكنها لم تلق صدى إيجابيا إلا بعد ان دخلتنا نظرياته عن طريق التأثيرات الغربية، اما ما يساعد على نمو الإبداع والموهبة ما ذكره ابن سلام الجمحي وهو التقلبات السياسية المؤدية الى الحروب بقوله: وبالطائف شعراء وليسوا بكثير، إنما يكثر الشعر بالحروب التي تكون بين الأحياء نحو حرب الأوس والخزرج، أو قوم يغيرون ويغار عليهم، والذي قلل شعر قريش انه لم يكن بينهم ثائرة ولم يحاربوا، ذلك الذي قلل شعر عمان والطائف .
عرض صحيفة بشر بن المعتمر
لو استقرأنا آراء بعض النقاد الآخرين في فترات لاحقة لابن سلام لوجدنا الجاحظ الذي استطاع ان يكشف أشياء جديدة في دراساته النقدية المتميزة، نقتضب منها ماله علاقة بموضوعنا أهمها عرضه لصحيفة بشر بن المعتمر ت 210ه وتعد من أهم ما أنجزه بشر لتقعيد أصول البلاغة العربية وتكشف لنا عن قمة النضج الذي توصلت إليه الذهنية العربية في تفسير البلاغة بشتى السبل واهتماماتها الشعورية ومعالجتها لقضايا الإبداع,ولأهمية هذه الوثيقة ندرجها باختصار كما جاءت على لسان الجاحظ بقوله:
خذ من نفسك ساعة نشاطك وفراغ بالك وإجابتها وإياك، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرة واشرف حسبا وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصور وأسلم من فاحش الخطأ وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف، ومعنى بديع وأعلم ان ذلك اجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكد والمطاولة والمجاهدة وبالتكلف والمعاودة، فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الضعة ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة، وتعاصى عليك بعد إجالة الفكرة فلا تعجل ولا تضجر، لأن النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع الشهوة والمحبة .
ويعنينا من هذه الصفحة ان التطور الذي بلغته الذهنية العربية في حداثة هذا العصر مرهون بمستوى التفكير، وما للعرب من قدرة على الإدراك الحسي ودقة الملاحظة وعلى الرغم من ذلك فإن قدرة بشر بن المعتمر في تعريفه للبلاغة وما ينبغي لها أن تكون سيظل مضطلعا بدوره المهم حتى في العصور اللاحقة التي استقرت فيها الدراسات النفسية.
إن بشرا في صحيفته يرسم معالم النفس بتهيئة الجو الملائم لراحة البال، كما نجد خيال بشر الذي يجعل حدا للطاقة الشعورية، ببديهته وحسه المرهف حين قال خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك .
ونجد من وراء الدلالة الصوتية محاولة إبراز حقيقة بشر النفسية وما يكتنفها من سيلان الانفعال والتكيف مع الذات للتغلب على الميزات الخارجية والاهتمام بوعي الذات، ومما لا شك فيه ان هناك علاقة وثيقة بين عمليات التفكير وعملية اختيار الوقت المناسب لاستدعاء الذاكرة، وهما ظاهرتان متكاملتان لتنظيم العملية الإبداعية كما ان ظاهرة القيمة الزمنية المرتبطة بالانتاج الإبداعي لم تكن احتكارا لبشر بن المعتمر فقد تعرض لها أيضا أبوتمام في وصيته للبحتري حيث قال: ياأباعبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم ان العادة في الأوقات ان يقصد الإنسان لتأليف شيء او حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم .
إن للطبع أهمية عظمى في عميلة الخلق الفني وتأثيره في نوعية الفاعلية الإبداعية وذلك بفضل القدرة العقلية وما يصاحبها من مكونات مرتبطة أساسا بالموهبة والقوة الإدراكية، والعملية الذهنية، وقد ركز بشر على هذه المكونات بطريقة موحية حين تعرض لعمليتي الطبع والتكلف بقوله: فإن ابتليت بأن تتكلف القول وتتعاطى الضعة فلا تعجل ولا تضجر وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك ,لقد بسطت ظاهرة الطبع سلطانها على الساحة النقدية، فجلبت تفكير نقادنا وقد آثر المؤلف أن يذكر أجمل معظم الأقوال في رأي المرزوقي بوصفه الجامع لمفهوم معنى الطبع والتكلف حين قال: والفرق بينهما أن الدواعي إذا قامت في النفوس وحركت القرائح أعملت القلوب وإذا جاشت العقول بمكنون ودائعها وتجاوز المألوف الى البدعة فجاء مؤداه، وأثر التكلف يلوح على صفحاته وذلك هو المصنوع .
ولخص بشر الطاقة الشعورية وذلك بخلق انسجام بين فاعلية الإبداع والطاقة الحيوية المتوفرة لديه بغية السعي نحو غاية اسمى في حياته الإبداعية.
وإن بشرا لم يكن صاحب نظرية فكرية شاملة تحرص على الانسجام في تفسيراتها بما تقتضيه أصول التفكير، وهكذا فقد انساق بشر مع فكرة الإلهام الشائع آنذاك والتي كان مصدرها التلقائية العفوية مثل تعظيم شيطان الشعر افتخارا بما يمليه.
إني وكل شاعر من البشر
شيطانه انثى وشيطاني ذكر
وإذا استقرأنا تراثنا علمنا نسبيا بما يتناسب مع طريقة الاستخبار في علم النفس وهذا ما نلمسه في شعرنا القديم وما نستشفه من هذه الحوارات الواردة على لسان بعض الشعراء.
سئل ذو الرمة كيف تفعل إذا انقفل دونك الشعر فقال كيف ينقفل دوني وفي يدي مفتاحه، قيل وما هو قال: الخلوة بذكر الأحباب.
وقيل لكثير كيف تصنع اذا عسر عليك الشعر، قال: أطوف في الرباع المحيلة والرياض المعشبة فيسهل عليَّ ارضه، ويسرع إليَّ أحسنه .
وكان الفرزدق يجيب: تمرّ عليّ الساعة وقلع ضرس من أضراسي أهون عليّ من عمل بيت من الشعر .
وقد لخص لنا الشاعر سويد بن كراع العكلي الطاقة الشُعورية لعملية الإبداع:
أبيت بأبواب القوافي كأنما
أصادي بها سربا من الوحش نزعا
أكالئها حتى أعرس بعدما
يكون سحيراً أو بعيداً فأهجعا
عواصي إلا ما جعلت أمامها
عصا مربدي تغشى نحوراً وأذرعا
وأما عن الصلة بين الانفعال النفسي والعمل الفني فقد جاء به ابن رشيق على لسان دعبل بقوله: من أراد المديح فبالرغبة ومن أراد الهجاء فبالبغضاء ومن أراد التشبيب فبالشوق والعشق، ومن أراد المعاتبة فبالاستبطاء .

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved