Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


رحل القلب الكبير
عبدالعزيز بن حميّن الحمينّ*

لقد كان عالم الأمة,.
سوف يترك مكانه فراغاً
لقد كان والداً وأخاً لجميع المسلمين,.
نعزي فيه العامة والخاصة.
عبارات كثيرة يرددها كل من تقابله وهو يتذكر الايام الماضيات، ويعود ببصره الى الوراء قليلا,, ففي يوم الخميس السابع والعشرين من شهر الله المحرم 1420ه كان للتاريخ وقفة، وكانت له لحظة ذهول وحزن، عندما وقف مع العالم يستمع الى نبأ وفاة إمامنا ووالدنا سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز - رحمة الله عليه - الذي اجمع الصغير والكبير والرجل والمرأة والقريب والبعيد والموافق والمخالف على إمامته وفضله وتقديره، وهو -رحمه الله- أهلٌ لهذا الحب وهذا التقدير، فمن عرفه عن قرب وجلس معه وجالسه يعرف عِظم مصاب الأمة بفقده وغيابه، لا ,, بل من عرف سماحته عن بُعد ورآه او اتصل به ولو مرة واحدة، يعرف مكان الشيخ ومكانته، لقد كان حقاً عالم العصر ورجل المواقف، حياته كلها علم ودعوة، وجهاد وحركة وكرم وانفاق ، وسماحة وعلو همّة، افتاء وتعليم، ارشاد وتوجيه، امر بمعروف ونهي عن منكر، مسارعة الى الخير,, كل ذلك بقلب كبير، ورأي سديد، وعمل متواصل لا يعرف الكلل والملل.
ومن يصف حياة فقيدنا - رحمة الله عليه - لا شك يعجزه البيان، ولا يسعفه اللسان، فيرى انه كلما وصف كان الشيخ غير ذلك ، وكلما مدح كان الشيخ اكرم من ذلك، فلله درُّه، جمع بين العلم والمكانة والزهد في الدنيا,, فما اعظم المصاب بفقده، وما اصعب فراقه، وما أمرَّ البعد عنه، ولكن عزاؤنا في ذلك انه قدم الى ربه وهو رافع الراية، حامل اللواء، وعزاؤنا انه ترك لنا من مآثره الكريمة شيئا كثيرا علما وعملا، قولا وفعلا ، تواضعا وزهدا، حكمة وإدراكا، رسائل وفتاوى، وفوق ذلك قدوة حسنة وذكر جميل، وسيرة حُقَّ لها ان تكتب وتدرس ويستفيد منها الجميع.
لقد عرفته - رحمه الله - عن قرب وجالسته ومشيت معه وطلبت منه وطلب مني وعلّمني ونصحني، بل وكرر لي وردد ، وعلى السير في طريق الخير اكد عليَّ وشدّد,.
عرفته معلما مربيا,, يقدم مع العلم التربية التي تخرج من قلب واسع رحيم، وتقدم بلا تكلف، هكذا بسيطة سهلة، لكنها غالية غالية تقع في النفوس فلا تخرج منها، وتركز في العقل فلا تفارقه، وهكذا يجب ان يكون المعلم,, لا ينفضُّ مجلسه الا بفائدة من علم او ادب او نصح وتوجيه ، بل إنه - رحمه الله - كان مربياً بسمته وخلقه وتواضعه، دون ان يتكلم في ذلك او يرشد اليه,, انه بذلك ينشىء جيلا ويربي نفوسا، ويزرع خيرا وعلما وفقها، ويصقل مواهب، ويكتشف كنوزا، فنال هذه المكانة العالية في قلوب الناس.
وعرفته رؤوفا رحيما عطوفا رفيقا، يعطف على الصغير، ويرحم الضعيف، بل اذا قال له احد ما يؤلم ويؤثر في النفس، ترقرق الدمع في عينيه وبكى - رحمه الله - فما اكثر الذين يقطعون المسافات لمقابلة الشيخ، بل ومخاطبته بشدة وعنف، فاذا رأوا من رقته شيئا يسيرا ذهب عنهم ما يجدون، وخرجوا من عنده وهم له يدعون، وبرأيه يأخذون، ولوجهة نظره يقدّرون ويحترمون.
وعرفته منفقا كريما سخيا باذلا في الخير كل ما يستطيع، فكم رفعت إليه حوائج ، وطلبت من سماحته طلبات، وعرضت عليه مشاريع، فكان نعم المعين، يؤيد ويدعم، ويشجع ويعطي بكرم، فما وجدته يوما يثبط، او يعتذر، او يؤجل، بل يقدم لك المساعدة على الفور وبكل ما يستطيع، مقرونة بالنصح والارشاد والتوجيه، واذا لم يستطع، دعا لك بالتوفيق في المقام الاول، وسأل الله لك العون والسداد، ثم شفع لك عند غيره، او رفع طلبك الى ولاة الامر، لا,, بل إنه يتابع ذلك ويسألك عنه حتى يطمئن الى تنفيذه واتمامه، إنه - رحمه الله - لا يترك مجال خير الا وضرب له فيه بسهم كبير، وترك له فيه اثر جميل، لقد كان حقا كالغمامة يسقى الجميع دون ان يفرق بين من يستفيد منها.
وعرفته - رحمه الله - مهتماً بأحوال المسلمين ، متابعا لما يحدث لهم، يتألم لألمهم، ويفرح لفرحهم، ويتشوق لسماع اخبار طيبة عنهم، ويدعو الله تعالى بذلك، فكم جاءته الوفود من شتى بقاع العالم الاسلامي، فاستقبلهم برحابة صدر وأكرمهم، وسمع منهم وسمعوا منه، وأعطاهم وبذل لهم، وأرشدهم الى طريق الخير، مما يجعلهم يكرورن زيارته، والاتصال به، ومراسلته.
وعرفته ذو همّة عالية لا تعرف الكلل والملل، ولا تستكثر في سبيل الخير الوقت والعمل، ولا يقعدها يوما خمول او كسل، ولقد تعجبت اشد العجب عندما علمت ان الشيخ لا يأخذ اجازة ، ليرتاح من عناء العمل كغيره من الناس، فانقضى عجبي عندما علمت ان هذا هو دأب العظماء من العلماء والدعاة والمصلحين,واعلم تمام العلم اني مهما قلت في سماحة الوالد الفقيد فلن أوفيه حقه، ولن أزيد في شأنه، لكن هذا اقل الواجب على طلبته ومحبّيه، من ذكره بالخير والدعاء له والاستفادة من سيرته وحياته وجهاده, فقد كان فقده خسارة لا تعوّض، وغيابه خطب جسيم، وقد قال الشاعر:
اذا ما مات ذو علمٍ وتقوى
فقد ثلمت من الاسلام ثلمة
فقد ثلم الاسلام بموته ثلمة، ورزىء المسلمون رزءا عظيما، وأصيبوا بفقده مصابا كبيرا.
نعم,, لقد رحل القلب الكبير,, العالم الجليل,, الامام الزاهد عبدالعزيز بن عبدالله بن باز عن دنيانا، ونحن في اشد الحاجة إليه، ولكن هذا قدر الله، وهذا ما اختاره لنا، ولا اعتراض على قضائه سبحانه، وإن القلب ليحزن والعين لتدمع، ولا نقول الا ما يرضي ربنا، وإنا لفقدك أيها الوالد الكريم لمحزونون ,, وسوف يبقى بيننا بإذن الله علماً من اعلام المسلمين في هذه العصر، ومنارة لكل باحث عن سير الصالحين المصلحين.
نسأل الله تعالى ان يغفر له ويرحمه، ويجزيه عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء ، وان يكتبه في الصالحين الابرار مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا، وان يجعل في خلَفه الخير والبركة، ويوفقنا وإياهم لما فيه صالح الاسلام والمسلمين.
وإنا لله وإنا إليه راجعون .
*رئيس محكمة محافظة الرس

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved