الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه ومن والاه ,, أما بعد:
ما أثقل القلم عندما تكون مهمته حكاية مشاعر حزينة,, وكأنه يشيح بريشته عن الاسطر,ويحار في اختيار الاحرف وينظر الى العبارات نظرة ازدراء ان تبلغ مقصده، او تبوح بمكنونه,, فيقف عن المسير حتى اذا ادركه الوقت تمدد على الصفحة مثقلا بحزنه فلا هو بالذي بثه ولاقدرة له على النسيان.
غير انه يثور على حزنه حينا فيخرج عن صمته بهمس يسير تتنفس الاحرف فيه حرية الانطلاق فيغدو الحرف منها كتابا يحكي مشاعر بقية الاحرف المخبوءة وهي تسعى للخروج من رحم الحيرة,ولقد أوجست يدي خيفة من قلمي وهو يعيش تلكم الحالة اثر رحيل سماحة العلامة زين الدعاة وبحر السماحة ومنهل العلم وجبل السنة الاشم شيخنا الفاضل سماحة الوالد عبدالعزيز بن عبدالله بن باز.
غير اني لم ألم قلمي على عجزه فأنا الذي أحمله ولذا تجرأت بتدوين ما تمخض عنه من كلمات وان كنت اعلم ابتداء انها لن تفي بمشاعري تجاه الحدث.
لقد سعيت ان يكون سداد مشاعري ذلك المزيج الفريد الذي تقاطر من وجه الشيخ وهو يلفظ انفاسه الاخيرة, قطرات ماء الوضوء لصلاة الفجر، والعرق الذي كان يتفصد من جبينه الطاهر، ودموع مناجاة الرب الكريم قبيل اللقاء,, مزيج يمثل مدادا آسرا, كل حرف يكتب بهذا المداد يملأ الصدر حشرجة على فراق الشيخ بوقاره الذي يفيض صدقا لم تخالطه لحظة من تكلف,, وبخلقه القرآني الذي يفيض على من حوله ومن تعامل معه بالخير كل الخير,, وبدعوته الى التوحيد الخالص وتمثله قدوة في السنة يعلم الناس بأفعاله قبل اقواله,, وبحصيلته الزاخرة من العلوم الشرعية التي لا تمل سماعها منه ولا يعيبه طول طرحها عن اسداء المزيد منها لطلابه.
كل حرف يكتب بهذا المداد يرسم على الشفاه ابتسامة امل بحسن الختام لرجل رحل وفي جعبته سهام الخير,, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام ثمانية اسهم، شهادة ان لا إله الا الله، وأن محمداً رسول الله سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والصيام سهم، والحج سهم والامر بالمعروف سهم والنهي عن المنكر سهم والجهاد سهم خاب وخسر من لاسهم له رواه ابو داود من حديث حذيفة رضي الله عنه.
مداد يشحذ هم الموحدين لاتمام البناء الذي كان جهد الشيخ -رحمه الله- لبنة فيه ومضى الى خالقه وأدعو الله ان يناديه ربه عز وجل مع من يقال لهم كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية تلك الايام التي خلت بعد ان بارك الله فيها فبذلها الشيخ الراحل في طلب العلم والعبادة والتعليم والخير في كل وجه مستطاع لم يكن يبخل بوقته حتى تكاد تكون كل دقائق عمره معمورة بالفضل ولم يكن يغلق مجلسه لكنه ظل مجلس علم وخير ووقار، لم يعرف الاجازات فليس في قاموس جديته معنى لها,, وكأنه علم ان صبيحة الخميس 27/ محرم/1420ه ستبدأ فيها اجازته وسيضع احمال الامة عن كاهله فاستيقظ باكرا يستعد للرحيل وينتظر الدليل ثم رحل فجأة مع خيوط الفجر الاولى,رحم الله سماحة الوالد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم الامة الصبر والسلوان واعان خلفه سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وبقية علمائنا الافاضل والحمد لله رب العالمين.
منصور بن صالح العمري
مدير عام الرعاية اللاحقة بوزارة العمل والشئون الاجتماعية - الرياض