Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


ما الذي خسرناه بفقد الشيخ ابن باز؟

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
لا أحب الكتابة وما كنت لأكتب لو لا أن ابنتي الحبيبة استثارت همتي بجملتين: الأولى قالت: (ونحن نتحدث عن موت الشيخ ابن باز في الأيام الأولى) ياليت مايجري كان حلما, وهذا يصور تصويرا دقيقا ما يعتلج داخل الأسر من مرارة فقد الشيخ رحمه الله تعالى.
العبارة الثانية: قالت بعد ذلك: يا ابي اكتب عن ابن باز,, فقلت قد كفيت ذلك فقالت: إذا لم تكتب عن الشيخ ابن باز فعمن تكتب؟ رحمك الله يا ابن باز يامن دخلت في قلب كل محب للخير وحتى مريدي الشر لم يجرؤوا أن يعادوه بل قد يلجأون إليه عندما يحمي الوطيس ضدهم اعتذارا وطلبا للتخفيف عليهم من وطأة الناس!
أعود الى الموضوع فأقول: إننا افتقدنا وخسرنا عالما فذا وطودا شامخا وجبلا أشم وعلما من أعلام الدعوة فقدنا عالما من علماء الإسلام وبحرا من بحور العلم فهو رحمه الله تعالى من الأئمة القلائل المجتهدين في هذا الزمان فهو يعتبر بحق بقية السلف وخاتمة المحققين، بل انه هو الذي بعث من جديد مدرسة الاخذ بالدليل والخروج على التعصب المذهبي من الأخذ بالراجح حسب الدليل والتي أسسها ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فكان من ثمرتها ما يجري حاليا في المملكة من الأخذ بالراجح بناء على الدليل حيث يأخذ بذلك الآن كافة أهل الفتوى كما ان القضاة أيضا ينتهجون هذا المنهج.
ومع هذا كله فإنني لا أرى ان الخسارة التي خسرناها بفقد الشيخ هي العلم ذاته أعني العلم المجرد لأن العلماء في العالم الإسلامي كثر وطلاب العلم أكثر، كما أن العلم في بطون الكتب وأرفف المكتبات اضافة الى أن المدرسة الفقهية التي انتهجها مازالت تسير كما أن علمه وفتاويه في الغالب قد دونت وخرج كثير منها اذاً ما الذي فقدناه برحيل الشيخ؟!
أقول إننا افتقدنا علما من نوع خاص أعني ذلك العلم الذي اتصف حامله بصفات خاصة يصعب توفرها في شخص واحد ومن فضل الله على شيخنا ان هذه الخصائص قد اجتمعت له فبارك الله في علمه ونفع به مما جعل وفاته تحدث خرقا كبيرا في الأمة الإسلامية، وهذه الأمور التي اتصف بها الشيخ التي جعلت من علمه علما ذا قيمة كبيرة والتي فقدناها فعلا هي ما يلي:
أولها: الإخلاص والعمل
أي العلم بما يعلم وما يُعلّم غيره مخلصا النية لله تعالى في ذلك فهو رحمه الله تعالى من العلماء العاملين حيث انه يتصف بالتقى والورع والزهد والطاعة المتناهية لربه وعدم الركون الى الدنيا بل لم يعرف عنه انه طلب الدنيا لنفسه, والعلماء العاملون في هذا الزمان قليلون جدا حيث يكثر في هذا الزمان صنفان من الناس، أما علماء غير عاملين او عالمون بغير علم شرعي, أما العلماء العاملون فقليلون وهم الذين قرر الله تعالى منهجهم بقوله: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك), وبهذا نرى ان الشيخ اجتمعت له شروط قبول العمل وهي: الاخلاص والمتابعة والعمل.
وثانيها: القدرة الفائقة على الدعوة حيث كان رحمة الله عليه داعيا الى الله على بصيرة حيث كان يعلم الناس الخير ويدعوهم إليه ويبصرهم به بل ان جل وقته كان لدعوة الناس وتعليميهم فكان يقضي جل نهاره وبعضا من ليله في العلم والتعلم والدعوة حتى انه لم يستطع أن يجد وقتا لتدوين علمه وإخراجه للناس بسبب ما هو عليه من الشغل الشاغل في سبيل الدعوة بل ان ما أخرجه للناس من كتب ورسائل كانت غالبا فتاوى ورسائل للدعوة حيث كان لا يترك جهة ولا بلدا إلا أرسل اليهم وبين لهم الطريق المستقيم.
وثالثها: الصبر: فكان -رحمه الله- تعالى على جانب كبير من الصبر والمثابرة والجلد والحكمة والحلم فكان يتمثل قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) ودرب الدعوة دائما درب شائك تحفه المخاطر والمواقف الحرجة ولكنه -رحمه الله تعالى- كان لا يفرق في دعوته بين مريديه ومناوئيه بل كان يتوكل على ربه في نشر دعوته ولا يخاف في الله لومة لائم ولذلك كان له أثر كبير في شتى أقطار العالم الإسلامي.
ورابعا: التواضع فقد كان -رحمه الله تعالى- على جانب كبير من الخلق الرفيع والتواضع الجم، دمث الأخلاق سهل الانقياد فيما لا يغضب الله تعالى يتنزل لمخاطبه حسب نوعه ولا يرفع نفسه عنه، تأخذ المرأة والصغير والجاهل بيده الى جانب من الجوانب فيذكرون حاجتهم فيقضيها لهم بكل صدر رحب، وقدوته في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والمتحدث مع ابن باز -رحمه الله تعالى- يراه من فئة السهل الصعب فهو شخص عظيم في نفسه كبير في قيمته مرموق في منصبه، لكنك اذا طلبته وجدته مصغيا إليك مقدرا لك مهما كانت منزلتك,, وياليت كثيرا من قومي يعلمون!
وخامسها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وما أدراك ما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي عده بعض العلماء ركنا سادسا من أركان الإسلام, فكان -رحمه الله تعالى- في هذا المضمار صاحب الجواد السابق وخصوصا في فرع النهي عن المنكر، ولا أظن احدا يجهل جهوده في ذلك حيث كان سدا منيعا ضد الباطل فلا يسمع صيحة هنا ولا هيعة هناك إلا امتطى جواده اليها ليرد الحق الى نصابه.
فكان -رحمه الله تعالى- يقف لأهل المنكر في أي مكان كانوا وفي أي منزلة صاروا وسواء كان ذلك في الأسواق او المؤسسات العامة والخاصة او الجرائد والمجلات او الكتب او غير ذلك, وكان -رحمه الله تعالى- لا يخاف في الله لومة لائم حيث كان ينهى عن المنكر سواء صدر من قريب أو بعيد ورفيع او وضيع وصغير او كبير ومما ساعده على ذلك عفته المتناهية عن الدنيا حيث كان لايرجو أحدا ولا يخاف أحدا إلا الله، ولذلك كانت له هيبته لدى أهل المنكر, اضافة الى انه في هذا المجال لا يتعجل فلا يأخذ بقول المخبر ثم يصدر الحكم بل كان يتأكد بنفسه ويسأل أهل الاختصاص، ولذلك كانت صدور المسؤولين رحبة دائما لما يقول رحمه الله تعالى.
وسادسها: المساندة المادية والمعنوية للمحتاجين من الأفراد والجماعات والمؤسسات الخيرية, فكان -رحمه الله تعالى- قد وهب نفسه وماله وجاهه لذلك حيث كان يدفع من ماله الخاص ويسعى بجاهه الى أهل الخير فنشأت بذلك قنوات ومرافق خيرية معتمدة اعتمادا كبيرا على جهود الشيخ وهي بلا شك ستفقد الشيخ بعد رحيله وإني في هذه الأسطر أضم صوتي الى الذين يقترحون ان تتولى هذه الأمور بعد الشيخ مؤسسة يتولاها أبناؤه والمقربون منه وتكون باسم الشخ -رحمه الله تعالى -رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
وفي الختام أذكر ما سمعته من زميلي الدكتور محمد بن حمود التويجري الذي قال: لولا انه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار لشهدت لابن باز بالجنة وذلك لما شاهدته أثناء تشييع جنازته التي لا يعلم لها مثيل عدا ما ذكر عن جنازة الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن تيمية.
رحمهم الله تعالى أجمعين, وصلى الله على نبينا محمد.
د, علي بن عبدالرحمن الحسون
جامعة الملك سعود

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved