Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


المال والاستثمار
التخطيط الاقتصادي ومستجدات اقتصادنا الوطني
د, مفرج بن سعد الحقباني *

* يقصد بالتخطيط الاقتصادي محاولة الجهة الحكومة المعنية التخطيط (وزارة التخطيط) تنسيق القرارات الاقتصادية خلال فترة الخطة والتاثير والتوجيه وفي بعض الاحيان التحكم في معدلات نمو المتغيرات الاقتصادية الرئيسة للدولة مثل الدخل، الاستهلاك والاستثمار، الادخار، صافي التصدير، الانفاق الحكومي ونحو ذلك من المتغيرات الاقتصادية المحسوسة وغير المحسوسة من اجل تحقيق الأهداف التنموية المحددة مسبقاً, كما يقصد بالخطة الاقتصادية للدولة مجموعة الأهداف الاقتصادية التي ترغب الدولة في تحقيقها خلال فترة محددة, ومما لا شك فيه ان التخطيط الاقتصادي قد اكتسب اهمية متزايدة خاصة بعد الحرب العالمية الثانية وفي الدول التي يتميز اقتصادها بالملكية المشتركة للموارد الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص وذلك للأسباب التالية:
1 - فشل سياسة السوق في ارسال الاشارات الاقتصادية الصحيحة للعناصر النشطة في الاقتصاد مما يعني ان المنتجين يستجيبون لإشارات وحوافز اقتصادية لا تعكس التكلفة الحقيقية للسلع والخدمات ولعوامل الانتاج كما ان فشل سوق السلع والخدمات وسوق عوامل الانتاج في عكس الاسعار الحقيقية قد يقود الى سوء استغلال الموارد الاقتصادية من خلال المشاريع الاستثمارية القائمة على معلومات واشارات اقتصادية خاطئة, وبالتالي يرى الاقتصاديون ضرورة تدخل الدولة لتصحيح الخلل السائد في السوق عن طريق التأثير والتحكم في المتغيرات والقرارات الاقتصادية في القطاعين العام والخاص، وهنا نشير الى المؤتمر الذي نظمته الأمم المتحدة حول التخطيط في عام 1965م والذي اشار في بيانه الختامي الى ان الهدف الرئيس من التخطيط هو ايجاد افضل الطرق لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية خاصة في ظل فشل قوى السوق السائدة في توفير الدليل الصحيح والمناسب.
2 - يعد التخطيط الوسيلة المناسبة لتحقيق التنسيق والتوزيع المناسب للموارد الاقتصادية المتاحة خاصة في الدول النامية التي تشتكي من ندرة نسبية وفي بعض الاحيان مطلقة لأهم الموارد الاقتصادية ولعنصر العمل الماهر والمدرب,، وهذا يعني ان التخطيط سيمكن الدولة من اخذ كل المؤثرات والمتغيرات الاقتصادية في الاعتبار عند رغبتها في تحديد المشاريع الاستثمارية المرغوب تنفيذها خلال فترة الخطة الاقتصادية.
3 - يسهم التخطيط الاقتصادي في رفع درجة الوعي لدى الناس بالأهداف التنموية الرئيسة التي تسعى الخطة الاقتصادية لتحقيقها خلال فترة معينة ووفقاً لسلم اولويات واضح ومعلوم مسبقاً.
4 - يساهم التخطيط الاقتصادي في ابراز حاجة الدولة للمساعدات الأجنبية اللازمة لمواجهة العجز المالي اللازم لتحقيق الاهداف المرجوة والمحددة لكل قطاع من قطاعات الاقتصاد المختلفة ومما لا شك فيه ان الدولة التي تمتلك خطة اقتصادية محكمة تستطيع اقناع الدول الغنية بأن مساعداتها المالية ستوجه الى مجالات محددة مسبقاً.
5 - يساهم التخطيط الاقتصادي في تحديد الأهمية النسبية للقطاعات الاقتصادية المختلفة مما يساعد الدولة على توجيه سياستها الاقتصادية نحو قطاعاتها الاقتصادية تبعاً لتغير وتبدل الأولويات.
ونتيجة لهذه الاسباب وغيرها من الاسباب التي ربما تبدو خاصة لبعض الدول اكتسب التخطيط الاقتصادي اهمية عالية حتى اصبح منهجاً لمعظم دول العالم خاصة بعد تفكك المعسكر الشيوعي وانتهاء ما كان سائداً ومعروفاً بالتخطيط المركزي الذي واجه رفضاً عاماً لكونه يتعارض مع الفكرة التي تقوم علىحب التملك ولكنه يعطل كل العقول باستثناء عقول المخططين وعلى الرغم من تزايد هذه الأهمية فشل التخطيط الاقتصادي في بعض الدول في تحقيق الأهداف المرجوة نتيجةعوامل عدة يمكن ابراز اهمها على النحو التالي:
1 - نقص الكوادر المؤهلة القادرة على صياغة خطة تنموية شاملة تأخذ في الاعتبار المؤثرات الاقتصادية المختلفة السائدة في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
2 - عجز الجهاز المركزي المسؤول عن التخطيط عن تحديد مستوى التنمية الاقتصادية للبلد مما يؤدي الى اختيار الخطة التنموية غير المناسبة, وهنا أعتقد ان الفشل الذريع الذي واجه الجهود التخطيطية في معظم الدول النامية كان نتيجة لعدم قدرة هذه الدول على معرفة موقعها ومستواها الاقتصادي مما قادها الى البناء على قاعدة خاطئة مما ساهم في ضياع الجهد الاقتصادي وفقدان الكثير من الموارد الاقتصادية التي كان بالامكان توجيهها الى مواقع اخرى تكون فيها انتاجية هذه الموارد مرتفعة.
3 - عجز الجهاز المركزي المسؤول عن التخطيط عن تحديد الخط الفاصل بين الدور الخاص بالقطاع الخاص وذلك الخاص بالقطاع العام مما ادى الى تداخل وتشابك في الادوار نتج عنه توسع غير منطقي للقطاع العام على حساب القطاع الخاص والذي زاد من فقدان الموارد الاقتصادية ونقصان الكفاءة الانتاجية وساهم في نشر البطالة المقنعة والمفتوحة.
4 - النقص النوعي والكمي للمعلومات والاحصاءات المتعلقة بالمتغيرات الاقتصادية المختلفة مما ساهم في بروز خطط اقتصادية تتسم بالعشوائية واللامنهجية, وهنا اشير الى ان معظم الدول النامية تعيش تحت وطأة المعلومات والاحصاءات المضللة التي عادة ما تصاحب الفساد الاداري مما ادى الى قيام خطط تنموية بعيدة كل البعد عن الواقع الاقتصادي لهذه الدول.
وبالتالي فان فشل هذه الدول لا يعني بالضرورة فشل التخطيط الاقتصادي ولكن بالضرورة يعني عدم وجود البيئة الملائمة للتخطيط.
5 - اتسام معظم الخطط التنموية في معظم الدول النامية بالطموح غير المنطقي الذي لا يحققه واقع هذه الدول وهنا اعتقد ان الغياب الكبير للمعلومات السليمة قاد هذه الدول لاختيار الخطة غير المناسبة التي لم تأخذ في الاعتبار عوامل ومعوقات النجاح الرئيسة.
6 - تعارض الأهداف الرئيسة للخطط التنموية في معظم الدول النامية مما ساهم في بروز نزاعات واسعة بين القوى الاقتصادية والسياسية التي تحرص على حماية مصالحها الشخصية بغص النظر عن المصلحة الوطنية.
7 - التقلبات الاقتصادية غير المتوقعة سواء داخلياً أو خارجياً مما يؤدي الى تبدل القاعدة التخطيطية الى واقع جديد يختلف عما كان عليه عند صياغة الخطة والذي يؤدي الى تبدل المعطيات وبالتالي المخرجات التي استهدفتها الخطة, ومما لا شك فيه ان معظم الدول النامية تشتكي من الانكشاف الاقتصادي الكبير نحو العالم الخارجي نتيجة لاعتمادها على الصادرات من الموارد الأولية مع عجز قدرتها الانتاجية عن مواكبة معظم احتياجاتها من السلع الاستهلاكية والانتاجية الاخرى، وبالتالي فان هذه الدول تبقى معرضة لتلقي آثار التغيرات السياسية والاقتصادية التي تنشأ في الدول الاخرى مما يعرض نسقها التنموي للاضطراب تبعاً لهذه المتغيرات والتقلبات ويجعل من الصعوبة المحافظة على مضمون ومحتويات الخطة التنموية.
بعد ان استعرضنا الجانب النظري لعملية التخطيط الاقتصادي نعرض باختصار للجهود المبذولة في مجال التخطيط الاقتصادي في المملكة العربية السعودية حيث يعلم الجميع بان عام 1390ه (1970م) شهد ميلاد اول خطة تنموية شاملة وتعاقبت الخطط التنموية حتى وقتنا الحاضر الذي ننتظر فيه ميلاد الخطة الخمسية السابعة ومما لا شك فيه ان هذه الخطط ساهمت في رسم معطيات الواقع من اجل البناء المستقبلي كما ساهمت في تنمية التعرف المرحلي على القطاعات المختلفة المكونة للاقتصاد السعودي ومما لا شك فيه ان التخطيط الاقتصادي ساهم في تحقيق التنمية الشاملة لجميع الأقاليم والقطاعات ولجميع النواحي المشكلة لحياة المواطن السعودي حتى اصبح المواطن السعودي يعيش حياة شبه متماثلة بغض النظر عن موقعه الجغرافي ومع ذلك فان المتابع البسيط قد يلاحظ بعض الملاحظات التي يمكن نسبها للتخطيط الاقتصادي وللخطط التنموية ومنها:
1 - العجز النسبي للتخطيط الاقتصادي والخطط التنموية عن تحقيق احد اهم الاهداف الاقتصادي للبلد والمتمثل في تخفيف الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل مما عرض الاقتصاد السعودي للتقلبات والتغيرات التي عادة ما تنشأ خارج اطاره الجغرافي, لقد تواصل هذا العجز على الرغم من ان جميع الخطط التنموية قد نصت على هذا الهدف وجعلته في مقدمة اهتماماتها وبالتالي فان المواطن السعودي يأمل ان تكون الخطة الخمسية السابعة قادرة على صياغة سياسة اقتصادية تتسم بالفاعلية الكافية لتحقيق هذا الهدف.
2 - العجز النسبي للتخطيط الاقتصادي والخطط التنموية عن تحقيق الاستغلال الامثل للموارد الاقتصادية وفقاً لمبدأ الميزة النسبية التي تتمتع بها المملكة حيث لا زالت بعض القطاعات - كالقطاع الزراعي - تحظى بتركيز كبير على الرغم من كونه قطاعاً مكلفاً لا نمتلك فيه اي مقوم من مقومات النجاح ولا نتمتع فيه بأي ميزة نسبية, المواطن السعودي ينتظر الخطة الخمسية السابعة لعلها تؤكد تفعيل مبدأ الميزة النسبية ولعلها تعطي الصناعات النفطية والصناعات المرتبطة بها افقياً ورأسياً اولوية مطلقة لكونها المجال الوحيد الذي نستطيع من خلاله فرض الموقع التجاري المناسب على خارطة التبادل التجاري الدولي خاصة في ظل عولمة الانشطة التحارية التي لن نبقى بعيدين عنها حتى لو رغبنا في ذلك, المواطن السعودي ينتظر الخطة الخمسية السابعة لعلها تكون قادرة على القضاء على التضخم العشوائي وغير المنطقي في قطاع التجارة والذي اصبح مجالاً خصباً للتستر التجاري ومرتعاً مناسباً للعمالة الأجنبية التي استنزفت اقتصادنا المحلي عن طريق تحويلاتها التي بلغت او تجاوزت الستين مليار ريال سعودي سنوياً.
3 - الفشل الذريع للتخطيط الاقتصادي والخطط التنموية في تحقيق الاحلال السريع للايدي العاملة السعودية مكان الايدي العاملة الأجنبية لقد فشل التخطيط الاقتصادي في قراءة احتياطات سوق العمل السعودي مما ساهم في عشوائية التعليم والتدريب المهني والذي ادى الى مخرج لا يتناسب مع متطلبات السوق, لقد فشل التخطيط الاقتصادي في قراءة المتغيرات الاقتصادية الى درجة لم يتمكن معها من معرفة الحاجة التراكمية من الايدي العاملة وفي التخصصات المختلفة حتى اصبحنا ننفق الكثير على مجالات تأهيل بعيدة عن متطلب السوق,
أعتقد ان التخطيط الاقتصادي قد رسب بجدارة في طرح الآلية المناسبة التي نستطيع من خلالها تحقيق الاحلال التدريجي وبالتالي فان الأمل معقود على الخطة الخمسية السابعة لتكون بداية العلاج الفاعل لا العلاج المخدر كما هو الحال بالنسبة للخطط السابقة حتى يصبح المواطن السعودي منتجاً لا مستهلكاً كما هو الحال في الوقت الحاضر.
4 - العجز النسبي للتخطيط الاقتصادي في تحقيق التحول نحو القطاع الخاص مما ادى الى تضخم القطاع العام وتحمله مهمة توفير العديد من السلع والخدمات التي هي في طبيعتها من اختصاص القطاع الخاص, ان التباطؤ في هذا التحول قد كلفنا الكثيرمن الانفاق الحكومي كما كلفنا الكثير من الهدر الاقتصادي وبالتالي فان سرعة التحول يجب ان تكون هدفاً رئيسياً للخطة الخمسية السابعة حتى نزيد من الفاعلية الاقتصادية التي فقدناها خلال فترة الطفرة.
5 - العجز الكبير للتخطيط الاقتصادي والخطط التنموية في تحقيق وتنمية قاعدة تقنية وتكنولوجية مناسبة خاصة وان معظم التكنولوجيا المستوردة قد تم نقلها الى العقل الأجنبي الممثل في العمالة الأجنبية, أعتقد ان الخطط السابقة لم تكن قادرة على تخطيط المستوى التكنولوجي السائد والمناسب ولذا جاء البناء على قاعدة مجهولة المعالم وكانت النتيجة البقاء بعيداً عن التقدم التكنولوجي الحقيقي المكتسب او المنقول الى العقل الوطني يجب ان نعلم ان العنصر البشري هو الأساس لكل عمل تنموي ولذا يجب ان نعطيه حقه من التأهيل العلمي التقني والتكنولوجي المناسب الذي يمكنه من مقارعة المنافسين محلياً وخارجياً ويجب ان نقضي على كل محاولة من محاولات التأهيل عن طريق التلقين التي تسود في الوقت الحاضر في جميع مؤسساتنا التعليمية يجب ان نستفيد من التجربة اليابانية وما تبعها من تجارب للنمور الآسيوية ان اردنا ان يكون لنا موقع حقيقي على الخارطة العالمية.
6 - واخيراً وليس آخراً فشل التخطيط المركزي في تكوين قاعدة معلومات واحصاءات سليمة يمكن ان تكون اساساً لكل عمل تخطيطي في المستقبل وهنا اعتقد ان نقصان الوعي والتوعية بأهمية التخطيط قد ساهمت في قيام بعض الأجهزة الحكومية باعطاء معلومات خاطئة ساهمت في تظليل المخططين وهنا أعتقد ان وزارة التخطيط مسؤولة مسؤولية مباشرة عن توعية الأجهزة الحكومية الأخرى بأهمية التخطيط حتى تضمن مساهمة اكثر دقة من هذه الأجهزة التي هي المصدر الرئيسي للبيانات الوطنية.
نتمنى ان نتجاوز كل سلبيات الماضي من خلال الخطة الخمسية السابعة خاصة ونحن نمر بأوضاع اقتصادية متقلبة وصعبة زادت من تكلفة الخطأ في التخطيط.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية .

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved