Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


وجهة نظر
الاستهلاك التفاخري ومستوى المعيشة 2 /2
د, محمد يحيى اليماني *

في مقالة الاسبوع الماضي كان الحديث يدور حول اضرار الاستهلاك التفاخري بالنسبة للفرد وتأثيره السلبي على مستوى معيشته وخاصة في الاجل الطويل وذلك لأن مضاره تتفوق على ايجابياته بشكل كبير, الا ان هناك وجهة نظر اخرى ترى ان هذا النمط من الاستهلاك يوفر خدمة معينة لفئة من الناس تطلب هذه الخدمة لما توفره من منفعة وراحة نفسية لها, وتتمثل هذه الخدمة في اشباع رغبة هذه الفئة في المباهاة والمفاخرة والتي يمكن الوفاء بها عن طريق هذا النمط الاستهلاكي وبالتالي فلا توجد مشكلة هنا طالما ان هناك اشخاصا يرغبون في استهلاك هذه الخدمة وهم قادرون على دفع الثمن,، واتصور ان هذه النظرية مادية وقاصرة لا تأخذ في الاعتبار الآثار السلبية التي يمكن ان تنشأ عن الانفاق التفاخري وذلك ان هذه الآثار قد لا تظهر في المدى القصير بل قد تحتاج الى فترة زمنية ليست بالقصيرة ولربما كانت هذه الآثار مثل الجمر تحت الرماد فأصغر ازمة يمر بها الفرد او المجتمع تكون كافية لازاحة الرماد واشعال النار, ومن الطبيعي ان يكون تأخر حدوث الآثار السلبية لفترة من الزمن وتحصل من يمارس هذا النمط الاستهلاكي على قدر من الرضا والراحة النفسية سبباً لعدم احساس الكثيرين بخطورة هذا الأمر, وقد يكون في هذا تفسير لاقبال البعض على شراء السلع الكمالية المرتفعة الثمن عن طريق التقسيط في حين انه يمكنهم شراء نوعيات تفي بالغرض بدون الحاجة الى التقسيط.
ثمة سبب آخر يجعل الاستهلاك التفاخري أمراً غير مقبول هو ان هذا النوع من الاستهلاك يولد شكلاً من اشكال الإدمان فيصعب على من يمارسه التخلص منه متى ما رغب في ذلك فهو دوامة متى ما دخلها الشخص صعب عليه الخروج منها فهو يتمادى ويستمر الى ان ينهار تماماً وحينها يكون تدارك الوضع واصلاحه متأخراً جداً ومكلف ايضاً.
ومثلما ان الاستهلاك التفاخري ضار بالأفراد فهو كذلك بالنسبة للمجتمع ككل فهو يعمل على توجيه جزء من الموارد المتاحة للمجتمع نحو انتاج السلع والخدمات التفاخرية بدلا من توجيهها نحو انتاج سلع وخدمات اكثر الحاحاً ويكون الوضع اشد خطورة عندما لا يتمكن من الحصول على هذه السلع والخدمات الا عن طريق الاستيراد والذي يؤدي الى استنزاف رصيد المجتمع من العملات الصعبة والذي ربما يكون سبباً في حدوث للكثير من الآثار السلبية على الاقتصاد الوطني.
والاستهلاك التفاخري ليس مرفوضاً من الناحية الاقتصادية فسحب بل ومن الناحية الشرعية ايضاً فهو شكل من اشكال الاسراف والتبذير المنهي عنه, كما انه غير مقبول ايضاً من الناحية الاجتماعية لما يسببه من مشاكل اجتماعية كالحقد والحسد والتباغض بين افراد المجتمع.
يضاف الى كل هذه المضار التي يمكن ان تنشأ عن الاستهلاك التفاخري كونه احد الاسباب الهامة التي تؤدي الى شيوع اساليب شرائية قد لا تكون مقبولة باستمرار مثل التوسع في استخدام التقسيط وفي استخدام البطاقات الائتمانية الامر الذي يسهم في تراكم المديونيات داخل المجتمع مما يكون له الاثر السيء على الفرد فيصبح اسيراً للمؤسسات المالية المقرضة وربما تطور الأمر الى ان تتعرض هذه المؤسسات نفسها الى ازمات مالية خطيرة خاصة عندما تبالغ في عمليات الاقراض ويعجز قطاع كبير من المقترضين عن السداد.
ومع ذلك يظل الاستهلاك التفاخري سلوكاً شائعاً في كثير من المجتمعات وخاصة النامية منها لما يوفره من تلبية لبعض حاجات نفسية لممارسيه لا أكثر من ذلك ويخطىء كثيراً من يظن ان الاستهلاك التفاخري دلالة على التقدم والرقي بل هو على النقيض من ذلك كله لكن هذا لا يعني التسليم بهذا الامر بل لا بد من علاج هذا المرض الاقتصادي والاجتماعي لئلا يستفحل خطره ويصيب المجتمع بأسره, ويكون العلاج ممكناً عندما تتضافر الجهود عن طريق التوعية بأخطاره الاقتصادية والاجتماعية ووضع القيود والضوابط التي تتحكم في الممارسات والتصرفات التي يمكن ان تؤدي الى الاستهلاك التفاخري مثل عمليات الشراء بالتقسيط وكذلك وضع الضوابط والقيود الكفيلة بالحد من انتاج او استيراد السلع والخدمات التفاخرية وفي هذا الجانب يحسن الأخذ في الاعتبار بأن بعض انماط الاستهلاك التفاخري محرمة شرعاً سواء لذاتها او لما تسببه من نتائج وخيمة.
* قسم الاقتصاد الإسلامي جامعة الإمام محمد بن سعود

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved