 كتبت أكثر من مرة أندد بمحاولات ظاهرة ومستترة لتهميش لغتنا الجميلة في عقر دارها,, مشيراً الى انها تواجه تجاهلا عنيدا من لدن بعض ابنائها حيناً,, ومن غير المنتمين اليها هُوية ولساناً,, معظم الأحيان !.
***
وقد قلت ومازلت أقول إنه إذا كان الناطقون باللغة من أهلها لا يكترثون بها، ولايغارون عليها، ولايغضبون من تجاهل الآخرين لها، فليس على الأعاجم من حرج ان هم تبنوا الموقف ذاته,, لصالح لغة أخرى يهمهم أمرها! وهناك اكثر من قرينة لهذا القول,, تتجسد في كثير من التعاملات التجارية والخدمية، وخاصة الفنادق المرصعة بالنجوم الأربع والخمس وما فوق هذا وذاك!
وقبل ان امضي في هذا الحديث طرحا,, أود ان انفي عن نفسي مظنة التعصب ذي الاتجاه الواحد لصالح اللغة العربية,, أو التنكر لما سواها من اللغات الحية الأخرى او استنكارها, وأذهب الى اكثر من ذلك فأقول إن التعددية اللغوية باتت في عصرنا هذا ضرورة يُعرفُ بها ويُعرّفُ الإنسان الحديث، مثقفا كان أو رجل أعمال أو محترفا لمهنة من المهن المتطورة تأهيلا وتقنيناً، والاعتماد على اللغة الأم وحدها يحرم المرء الطموح فرصة الالمام بالعلوم والمعارف والثقافات المنجزة بلغات أخرى، وقد يعاني بسبب ذلك من ( أمية ثقافية) يتواضع معها اداؤه وعطاؤه، خدمة لنفسه وبلاده ومن حوله!
اذن، فمعرفة لغة أخرى أو اكثر الى جانب اللغة الأم، ضرورة لا ترف، لكن ذلك لايعني بأي حال ممارسة العقوق والهجر للغتنا الأم، أو تهميشها، كتابة أو حديثا, فهي صراط الاتصال والتواصل مسموعا ومقروءا، بيننا نحن ابناءها وتبقى اللغة الاخرى رديفا لنا وعونا عند الحاجة، و(تأشيرة دخول ) الى عقول وعلوم وثقافات الآخرين غير الناطقين بلغتنا!
***
واختم هذا الحديث بذكر موقف استشهد به على بعض ماسلف من قول، فيه شئ من ضيق، وشيء من طرافة وشيء من عجب!
فقد قادتني ظروف عمل قبل فترة الى واحد من فنادق الدرجة الأولى في احدى مدن المملكة,, وحين وصلت الى غرفتي وجدت في انتظاري رسالة باسمي من مدير الفندق، يرحب بي من خلالها ضيفاً، ويعرض الخدمات العديدة المتاحة، واجراء كهذا حضاري وجميل، لولا ان الرسالة المذكورة كانت مكتوبة باللغة الانجليزية، وموقعها يحمل اسما عربيا وكأن المخاطِب والمخاطَب غربيّان أو نكرتان على اللغة العربية! وهذا ما اثار نفوري قبل دهشتي، وهي ليست المرة الأولى ولن تكون الاخيرة التي تُفتن فيها اللغة العربية بجحود ابنائها لها، ولو كان الضيف المخاطب أجنبيا، لما كان في هذه الخطوة عيب ولا عوج، بل إن من الأفضل ان يخاطب بلغته الأم، أو بلغة يحسن فهمها، كاللغة الانجليزية التي تملك شيوعا وذيوعا عالميين، ولو كان المخاطِب غير عربي، لتفهمتُ الموقف,, ولو لم أرضَ عنه، لكن ان يتخاطب عربيان بلسان غير عربي في بلد عربي فأمر لامعنى له ولامبرر!
***
ولي في هذا السياق اقتراح متواضع أطرحه على معالي وزير التجارة ومجلس الغرف التجارية والصناعية، ومن يعنيه هذا الأمر من الآخرين، مؤسسات وأفرادا، وهو ان تقوم ادارة اي فندق بصياغة رسالة ترحيب بالضيف بثلاث لغات، العربية للناطقين بها، والانجليزية والفرنسية لأهلهما والناطقين بهما، وتسلم الرسالة مع المفتاح للضيف القادم، اعتمادا على هويته، فليس اجمل وقعا على نفس الضيف الفرنسي مثلا من ان يجد رسالة ترحب به بلغته، وكذلك الناطق بالانجليزية، فما بالكم بالمواطن العربي، حتى وإن أتقن لغة اخرى غير العربية، فالمسألة في نهاية المطاف تتعلق بكرامة الانسان حيثما كان، لساناوهوية.
|