Monday 31th May, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الأثنين 16 صفر


كوكب غار ضوؤه

الآن يستريح المجاهد!! الآن يلقي الشيخ عصا الترحال الطويل، الآن تنقضي رحلة طويلة من الجهد والجهاد والمثابرة الدؤوبة فيما ينفع العباد في دينهم ودنياهم.
بالأمس القريب نعى الناعي الشيخ الجليل، بالأمس فقط عادت مسيرة الوداع المليونية وقد وارت الثرى جثمان الشيخ الطاهر، عادت ضارعة رافعة أكفها بالدعاء الطويل للشيخ بالرحمة والمغفرة، وقد غفر الله للخطائين التوابين، فكيف بالشيخ الجليل وقد رفعت أكف جميع أهل هذه البلاد الطيبة المباركة في نهار يوم فيه ساعة لا يواتيها عبد وهو قائم يصلي ويدعو الله الا واستجاب له الله، كيف بالشيخ وقد صلى عليه الملوك والامراء والشيوخ والعلماء وعامة الشعب من تلامذته ومحبيه ومستمعي فتاواه وقارئي كتبه، كيف بالشيخ وما زال لسانه رطبا بذكر الله وقلبه مفعم بحب الله وخشية الله، كيف بالشيخ ووقته زاخر بعبادة الله وتفسير كتاب الله وتعليم شريعة الله، كيف بالشيخ ولم يزل رنين هاتفه لا ينقطع محدثا للعباد ومفتيا في قضاياهم وناصحا وهاديا لضالهم.
وما احسب ان هذه التقنية الحديثة حملت في أسلاكها حديثا في الله مثلما حمله هاتف بن باز!
الناس يضنون بأرقام هواتفهم الشخصية حتى على الاصدقاء، ولكن هواتف الشيخ ورفاقه لم تكن شخصية بل كانت جماهيرية! وهكذا تكون الأثرة ونكران الذات.
لم يكن وقت الشيخ ولا جهد الشيخ ملكا لنفسه,, كان أبا حانيا على كل ابن ضال، يتعهده بالنصح والارشاد حكمة وموعظة حسنة، كان أخا صادقا صدوقا لكل باحث عن الاخوة في الله، وكان شيخا امينا لكل باحث عن الحقيقة وكان معلما للجميع.
كان الشيخ عالما نادرا في جيله وفي زمانه، نهل من بحور العلم يافعا,, وقد حرم نعمة البصر في صباه، ومنح نعمة البصيرة النافذة، هو كما قال الشاعر:
هيهات ان يأتي الزمان بمثله
إن الزمان بمثله لبخيل
وكان الشيخ حكيما,, ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا,, كان حكيما في فتاواه,, حكيما في تناوله لأخطر قضايا الامة,, حكيما حليما في الرد على سفهاء الأمة وما أكثرهم,, يأخذهم باللين في مكان اللين وبالشدة في مكان الشدة.
وكان الشيخ جريئا,, كان جرئيا في الحق,, ما ان تحل بالأمة نائبة او يدلهم بها خطب، الا وتساءل الجميع,, ماذا يقول الشيخ؟
كان الشيخ لسان الامة الصادح بالحق وفؤادها النابض بالتقوى,, كان رأيها الصادق الأمين,, يصدر الفتوى جريئة قوية صادحة بالحق، فتطفىء لهيب الباحثين عن الحقيقة، وتوغر صدور الحاقدين,, ولم يكن الشيخ يأبه,, كان جرئيا في الحق,, لم تكن تأخذه فيه لومة لائم ولا عتاب جاهل ولا تقول لئيم,, كانت فتاواه وما زالت تحدث خلافا ويدور حولها جدل واسع,, كانت الدنيا تقوم ولا تقعد,, وهو ثابت كالجبل,, هادىء كالبحر,, شامخ كالطود,, لا تهزه ردود الافعال ولا تثنيه عن كلمة الحق الأهوال.
وكان الشيخ كريما,, كان جوادا معطاء، ينفق انفاق من لا يخشى الفقر,, اقبلت عليه الدنيا فأعرض عنها ومنحها للغير,, وما أكثر ما لجأ اليه المحتاجون وطرقوا بابه,, كان بابه مفتوحا,, يلجه الجميع في أي وقت، يستقبلهم ببشاشته المعهودة ويقضي حوائجهم ما استطاع,, كان لا يرد أحدا أبدا، ان استطاع قضى حاجته والا فان كتابه للمسؤولين كان اضعف الايمان,, ولم تكن قياداتنا الملهمة الرشيدة ترد كتابا لابن باز,, كانوا يعلمون انه ما كتبه لدنيا يصيبها ولا لجاه يبتغيه ولا لنفع يرتجيه,, كان وجه الله هو غايته في دنياه,, وكان وجه الله هو مراده في آخرته,, ولا نحسب الا ان الله قد بلغه مراده، فهنيئا لك ايها الشيخ بلقاء رب تحبه، ونحسبه احبك.
وكان الشيخ ودودا,, يلقاك هاشا باشا,, في حديثه ألفة,, في ابتسامته مودة,, وفي ضحكته الخفيفة ادب وذوق، فهل فارقتنا تلك الابتسامة الودود والوجه الطليق والصوت العميق الذي يتسرب بهدوء وقوة في اعماق ووجدان وعقول سامعيه فيفعل فيها فعل السحر؟
كان في حديث الشيخ لسامعيه ود والفة تحسه صديقا قديما,, ينادمك الفقه والتوحيد والعبادات.
وكان الشيخ ناصحا امينا,, كان خير بطانة لخير قيادة,, التقى النصح بالعدل والعلم بالعمل فكانت خير ريادة لخير امة اخرجت للناس حكما وعلما,, يقول الشيخ فتسمع له الامة من أقصاها الى أقصاها,, يقول الشيخ وقوله الحق,, فيقطع قول كل خطيب,, كان منار فخر لبلادنا ومصدر اعتزاز لامتنا,, اعان الله خلفه.
وكان الشيخ موحّدا,, بل كان امام الموحدين في عصره,, حمل راية التوحيد بأمانة وصدق وقوة في عالم اسلامي يضطرم بنار الفتنة والخلافات ويشتعل بفتيل الفرقة والشتات وتعشش في ارجائه البدع والخرافات,, فحمل الشيخ ورفاقه بمعونة ومباركة من قيادتنا الرشيدة هذه المسؤولية بأمانة وحكمة، وظللنا زمانا وما زلنا أكثر البلدان استقرارا في تطبيق شرع الله الحنيف وتثبيت دعائمه على هدي من كتاب الله المبين وسنة نبيه الامين,, وكنا وما زلنا مصدر اشعاع ونور هداية للأمة,, فجزى الله الشيخ ورفاقه عنا خير الجزاء.
وكان الشيخ ممن اراد الله بهم خيرا ففقهه في الدين، وكان ممن احبهم الله فحبب فيه خلقه,, كانت حياته كلها صدقة جارية من البر والاحسان للمحتاجين، والنصح والهداية للضالين، والعلم والفقه للباحثين عن الحقيقة.
فدارت المطابع كأن لم تدر من قبل بمطبوعات بن باز، ورن الهاتف كأن لم يرن من قبل بحديث بن باز، وكتب الصحفيون والاعلاميون كأن لم يكتبوا من قبل آراء بن باز,, وصدح المذياع والتلفاز كأن لم يصدحا من قبل بأحاديث بن باز,, فهل من صدقة جارية اكثر من هذه؟
ثم اختاره الله الى جواره,, فصلى عليه وشيّعه اكثر من مليون مصل ومشيع في الحرم المكي وحده، وعدة ملايين اخرى في أرجاء المملكة نهار الجمعة المباركة، وآخرون من محبيه وتلامذته في معظم الأقطار العربية والاسلامية,, فأنعم بها من حياة,, وأنعم به من ختام.
كان الشيخ من زمرة من قال فيهم الشافعي
ان لله عبادا فطنا
طلقوا الدنيا وعافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا
انها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا
صالح الاعمال فيها سفنا
فاللهم لا تفتنَّا بعده ولا تحرمنا اجره، وامنحنا اللهم بعد رحيله صبرا,, كما نفعت المسلمين بحياته حكمة وعلما وموعظة حسنة,, واعن اللهم خلفه كما اعنته.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
عبدالله بن محمد بن خميس

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
مشكلة تحيرني
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
تحقيق
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved