Tuesday 1st June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 17 صفر


المتقاعدون وأوضاعهم الاقتصادية
مطلوب إعادة النظر في أنظمة التقاعد المدني
المتقاعدون قد يمرون بظروف صحية تستلزم مزيداً من المصاريف

تناول الأستاذ عبدالعزيز بن علي الغريب الباحث في شؤون الشيخوخة العديد من الموضوعات حول الأوضاع الاقتصادية للمتقاعد والظروف التي يمكن ان يواجهها بعد التقاعد والسبل الكفيلة بجعل مرحلة التقاعد فترة جميلة للموظف المتقاعد لا تعرضه لأي من الظروف النفسية والصحية، كما تناول أهمية مراعاة الجانب النفسي للموظف الذي أحيل للتقاعد من قبل أسرته وأبنائه ونستعرض ما كتبه الأستاذ عبدالعزيز الغريب في هذا الجانب الهام:
المتقاعدون,, وأوضاعهم الاقتصادية
يقصد بالأوضاع الاقتصادية كل ما يرتبط بتخلخل الموارد الذاتية وعجزها عن مواجهة متطلبات الحياة نتيجة التقاعد عن العمل أو زيادة النفقات؛ بسبب كبر السن أو انخفاض المقدرة على الكسب ويعد التقاعد الاجباري في مختلف دول العالم السبب الأساسي للمشكلات الاقتصادية للمتقاعدين خاصة إذا ما كان الراتب الوظيفي هو المصدر الوحيد للفرد للانفاق على متطلبات أسرته، ولاشك ان التقاعد الاجباري الذي يقوم على فلسفة ان العاملين ينحدرون ببطء في أسواق العمل يُفقد المتقاعد جزءا ليس بالقليل من دخله، وبالتالي يجد نفسه في مواجهة موقف جديد هو انخفاض الدخل مع تزايد الأعباء المادية.
فكبار السن قد أمضوا فترة طويلة من حياتهم على دخل معين يقومون بمقتضاه بالانفاق على أسرهم، ولكن هؤلاء لا يصلون الى مرحلة التقاعد ولهم نفس الاحتياجات، فطبيعة التغيرات في هذه المرحلة تضيف أعباء مالية جديدة على المتقاعد، وعلى النقيض تماما يقابلها نقص في الدخل مما قد يؤثر على النواحي الصحية والنفسية والاجتماعية له,
ولقد ساهم ثبات معاش التقاعد تقريبا وعدم زيادته بنسبة تتمشى مع تصاعد وارتفاع مستلزمات الحياة في زيادة حدة المشكلة الاقتصادية؛ مما يجعل المتقاعدين يحاولون خفض أوجه الانفاق وحصرها في أضيق الحدود، والتي تتركز في توفير الاحتياجات الأساسية، كالغذاء والمأوى والملبس فقط؛ ويزيد من حدة المشكلة الاقتصادية اضافة عبء جديد للمتقاعد هو عبء التردد على الأطباء وشراء العلاج والأدوية الباهظة التكاليف.
وقد توصلت معظم الدراسات، الى ان التقاعد يؤثر على الأحوال المالية للمتقاعدين، حيث توصلت في دراستي لمشكلات المتقاعدين في المملكة العربية السعودية ان المتقاعدين لبلوغهم السن النظامي للتقاعد يعانون من مشكلات مالية أكثر من المتقاعدين باختيارهم أو لأسباب صحية كما ان التقاعد يسبب المشكلات الاقتصادية للمتقاعد، كثبات الدخل، وضعف القدرة الشرائية للمتقاعد,
والمشكلات الاقتصادية لها تأثير كبير على توافق المتقاعد مع هذه المرحلة وكذلك على اتجاهه نحو التقاعد، فالأفراد الذين يعتمدون على مواردهم الخاصة لاشباع احتياجاتهم المالية ينجحون في التوافق تماما مع التقاعد كما ان انخفاض الدخل بعد التقاعد لمن لا دخل له إلا راتب التقاعد يكون عادة اتجاها سلبا على التقاعد ويرفضه رفضا تاما.
وفي ضوء ما سبق الذي أوضح ان للتقاعد دورا رئيسا ومؤثرا في حدوث المشكلات الاقتصادية لدى كبار السن؛ مما يستلزم ضرورة اصدار التشريعات المختلفة، وانشاء المؤسسات الاجتماعية التي تحفظ لهؤلاء الأفراد دخلا مناسبا للوضع المعيشي في هذا العصر الذي ترتفع فيه الأسعار بسرعة فائقة تجعل الفرد يعيش على الحاجات الأساسية فقط، فالترفيه والرفاهية مفقودان من حياته، وهي دعوة صادقة لكل القائمين على شؤون المتقاعدين والكبار بضرورة مراعاة احتياجاتهم وضرورة اعادة النظر في الأنظمة السارية للتقاعد حتى تتواكب مع النهضة الشاملة التي تعيشها المملكة في شتى المجالات.
رسالة إلى أبناء المتقاعدين
يتضجر البعض من المتقاعدين ودائما ما يرددون ان هؤلاء اصبحوا متفرغين ويتدخلون في كل شيء، وللأسف يسيء البعض بقصد أو بدون قصد التعامل معهم، لجهل البعض بالتغيرات النفسية التي يعيشها الفرد بعد احالته للتقاعد، ان الخوض في نفسية المتقاعد، من أجل ان نحسن التعامل معهم وكذلك ليطلع عليها من يتعاملون معهم بشكل يومي وبخاصة الأبناء لعل فيها الفائدة ان شاء الله.
فالفرد في مرحلة الكبر يمر بتغيرات في الحالة النفسية لديه، والتي قد يزيد التقاعد من حدتها، فمن التغيرات النفسية للكبار ما يسمى بالتمركز حول الذات وشبه الانقطاع عن الحياة المجتمعية، وكذلك العناد وصلابة الرأي والميل الى المديح والاطراء والتشجيع.
ولاشك ان التغير المفاجىء الذي يحدث للكبار بعد الاحالة للمعاش، والاحساس بالفراغ الكبير وبدء العزلة التدريجية عن المجتمع، وكل هذا يسبب الاحساس بفقدان أهميتهم وعدم فائدتهم للمجتمع، كما يشعر المسن بأن المجتمع قد حكم عليه بالنهاية وعدم الصلاحية وعليه ان ينتظر نهايته، مما يجعله يصاب بما أسماه العلماء ·عقدة الشيخوخة التي يعد التقاعد السبب الرئيسي لها والتي تجعل المتقاعد يعيش في دوامة القلق على وضعه الاقتصادي وعلى أسرته وعلى صحته، وتزداد لديه العزلة والوحدة والانغماس في تذكر الماضي الجميل بما فيه من نشاط ونجاح.
ويتفق العلماء على ان التقاعد يعد من أقسى الأحداث التي يتعرض لها المسن والتي قد تساهم في اصابته بالمرض النفسي؛ لما يمثله التقاعد من فقدان الكثير من القيم الاجتماعية التي كان المسن يحصل عليها من العمل، مما يجعله صيدا سهلا للمعاناة النفسية، كما قد يتعرض المتقاعد نتيجة لأزمة التقاعد المفاجئة لاضطرابات عقلية تؤثر على الصحة العامة للفرد، خاصة إذا ما ارتبطت بأحداث أخرى قاسية كموت شريك الحياة أو الأزمة الاقتصادية.
ويأتي التقاعد على رأس المشكلات التي يجب وضعها في الاعتبار عند دراسة موضوع الشيخوخة، فعندما يحل وقت التقاعد وما يصاحبه من زيادة الفراغ ونقص الدخل يشعر الفرد في أعماق نفسه بالقلق على حاضره والخوف من مستقبله، ما قد يؤدي به الى الانهيار العصبي، خاصة اذا فرضت عليه حياته الجديدة بعد التقاعد اسلوبا جديدا من السلوك لم يألفه من قبل،ولا يجد في نفسه المرونة الكافية لسرعة التوافق معه، واذا لم يتهيأ لهذا التغير وخاصة اذا شعر أو أشعره الناس أنه قد أصبح لا فائدة منه، بعد أن كان يظن أنه ملء السمع والبصر.
وغالبا ما يظهر على هذا النوع من المتقاعدين شكل الترهل والسمنة والاجهاد والذبول والعصبية والصداع والاكتئاب النفسي والأرق، كما ان أعراض سن التقاعد تشاهد في المدينة أكثر منها لدى الريف ولدى المثقفين أكثر منها لدى غير المثقفين.
وهناك العديد من المشكلات النفسية التي يعاني منها المتقاعدون ومن أهمها: الشعور بعدم الأهمية، والخوف الدائم، وصعوبة تعويض نقص القدرات، والاكتئاب.
كما ان المتقاعدين الذين يعملون بعد سن التقاعد أكثر توافقا ورضا عن الحياة من المتقاعدين الذين لا يعملون بعد التقاعد وأن المسنين الذين يعملون بعد سن التقاعد هم أقل شعورا بالاكتئاب النفسي بالمقارنة مع المسنين المتقاعدين نتيجة لانخفاض الروح المعنوية لدى الفئة الثانية مع الشعور باليأس والعجز.
ان المتقاعدين معرضون للاصابة باكتئاب الشيخوخة لشعورهم بالعزلة والخوف من المرض أو الموت أو التعرض للفقر نتيجة للتقاعد بعد حياة حافلة ومنتجة، مما قد يدفع البعض للانتحار، ومن أكثر المتقاعدين تعرضا لاكتئاب الشيخوخة هؤلاء الذين عاشوا حياة هادئة منضبطة ومنسجمة في جميع نواحي الحياة، ثم واجهتهم صدمة التقاعد فيجدون أنفسهم ضحايا للاكتئاب.
كما ان المتقاعدين يختلفون في درجة الرضا الذاتي عن مرحلة التقاعد، حيث توصل الى ان الافراد الذين يرون ان التقاعد جاء في الوقت المناسب أكثر شعورا بالرضا من الافراد الذين يرون أنهم ما زالوا يرغبون الاستمرار في العمل.
ان خفض الدافعية لدى الفرد هوالذي يبعد الفرد عن سوق العمل، مما يفقده الاهتمام بما حوله فيجعله ينطوي على نفسه، خاصة اذا كانت نظرة المجتمع نحو هذه المرحلة سلبية وقاسية، ففي المجتمعات الغربية ينظر للمتقاعدين على أنهم غير منتجين ويجب ان يبعدوا عن المجتمع؛ لأن أيام بعضهم قد انتهت، ولابد من اعطاء الفرصة لغيرهم من الشباب، مما يجعل الفرد يتخوف من هذه المرحلة ويخشى من تجاهل المجتمع له,وفي ضوء ما سبق نجد ان التقاعد مرحلة ذات أبعاد نفسية مؤثرة في حياة الفرد يمكن ان تحدد مدى قدرته على التوافق مع هذه المرحلة من عدمه، ولاشك ان الاعداد للتقاعد أو التخطيط له قبل الوصول اليه من العوامل التي يمكن ان تساعد في الدخول لهذه المرحلة بثقة واطمئنان ويبعد عن الفرد الصرعات النفسية والتوترات التي عادة ما يسببها التقاعد في هذه المرحلة، كما ان التعامل الطيب والتقدير من قبل أفراد المجتمع وبخاصة من المحيطين بالمتقاعد مباشرة أو الذين ضحى كثيرا من أجلهم وأسرته على وجه التحديد فإن هذا بتوفيق الله سيساهم بشكل فعال في التخفيف من الآثار المترتبة على التقاعد.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الخدمة المدنية
الثقافية
جبل الدعوة الى رحمة الله
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved