Saturday 5th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 21 صفر


أقول لك
بالسكتة الشعرية

كتب صلاح عبدالصبور وهو في الأربعين في اول سطر في كتابه عمر من الحب
يخطر لي اني سأموت في مفترق الطريق القادم!.
وقبل الخمسين، ظن صلاح عبدالصبور نفسه معمراً، فكتب مبكرا اعترافاته في كتابه على مشارف الخمسين .
ومات صلاح عبدالصبور فجأة بالسكتة الشعرية.
ويبدو ان قلوب الشعراء المليئة بالمشاعر كالثمار الناضجة سريعة العطب، لم يطق صلاح عبدالصبور كلمة طائشة في سهرة عابرة، وسقط الشاعر لفرط مشاعره مستجيبا لهواجسه.
ولم اعرف شاعراً مثل صلاح عبدالصبور في الموهبة والالم، وكان اكثر شعراء جيله ثقافة وأشدهم صدقا مع النفس والآخرين، ولم يكن اعذب الشعر عنده اكذبه، بل كان اعذب الشعر اصدقه.
وكان يعترف انه يبكي وهو في العاشرة حين يقرأ ماجدولين وسيرانو دي برجراك، وكان يقرأ هايني وهو بالشبشب والجلباب في قريته، وكتب الشعر في الثالثة عشرة، ثم انفجر ديوانه الاول في مصر الناس في بلادي وهو في الخامسة والعشرين، وأثناء معركة الشعر الحديث، كان عباس العقاد رئيسا للجنة الشعر وكان لا يعترف بالشعر الحديث، ولكن العقاد لم يعترف إلا بموهبة صلاح عبدالصبور، وكان العقاد يقول على طريقته: هذا الولد هو الوحيد الذي قرأ.
وكان صلاح عبدالصبور يعترف لي، ونحن في روز اليوسف القديمة، انه يتصاغر امام العقاد العملاق ولا يستطيع ان ينسى انه كان يرتجف صبيا وهو يقرؤه.
وقرأ صلاح عبدالصبور مبكرا أشعار شيلي وكيتيس وكولردج وت,س اليوت، ولم يتعرف على الثقافة الغربية على كبر، وقرأ ما أحب، وانتقى وتذوق من الغرب، كما اخلص للمتنبي والمعري وشوقي، وعلمته المقارنة سعة الافق، وشيئا من النفور من مدارس النقد الجامدة، وكان يحس ويفرض ان الحياة فضائل، واعظم الفضائل هو الصدق، وبعد الصدق فضيلة الحرية، ولهذا جاءت مسرحية مأساة الحلاج وقصائد حجم التتار، وشنق زهران، في ديوان الناس في بلادي وثلاث صور من غزوة في ديوان أقول لكم وقصائد لوركا، وأحلام الفارس القديم كلها تمجد الحرية.
وبقدر احزانه كان صلاح عبدالصبور اكثر شغفا بالضحك مثله مثل زميله الشاعر الفذ صلاح جاهين وكلاهما مات فجأة مبكرا بالسكتة الشعرية، لأن قلوب الشعراء المليئة بالمشاعر كالثمار الناضجة تسقط فجأة، ويا للأسى على فراق شاعر موهوب لا يتكرر في موهبته وصدقه,, وأحزانه.
مالك ناصر درار

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق الدعوة
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
ملحق المفروشات
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved