إن عظماء التاريخ قلة، والمتميزون فيهم نوادر، ولقد كان الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - من نوادر عظماء التاريخ، لما وهبه الله من تكامل الشخصية، ونباهة في الصفات والقدرات، ولما حقق الله على يديه من معجزات الانجازات، فقد جمع بين الملك والعلم، والدعوة والعمل، والرسوخ والانطلاق، والبساطة والعظمة، ومراعاة الواقع وبعد النظر، والتمسك بالاصول والثوابت، والانفتاح القوي على معطيات العصر وجديد العلم، في تكامل فريد من نوعه لا يمتلكه إلا الكمل من الرجال، وهم نوادر.
لقد حقق الله على يدي الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - اعظم انجاز عرفته الجزيرة العربية بعد نبي البشرية محمد صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، فوحد كيانها، وجمع شتاتها، وألّف بين قلوبها، وأرسى دعائم ملكها، وبث الامن والخير في ارجائها، وكان في هذا الانجاز مذكرا بإنجازات الصحابة في دولة الصدر الاول، حيث حقق الله على يديه في مدة قصيرة وبإمكانات شحيحة ما يصعب في الموازين المادية انجاز بعضه، ولكنه رجل ملهم محدث، كأنما رفعت له سجف الغيب فنظر من خلالها، فكان مسددا في آرائه موفقا في قراراته، معانا بمدد من ربه، والحديث عن الملك عبدالعزيز في جوانب شخصيته، والانجاز الذي حققه لايمكن ان يتسع له مقال عابر او مشاركة عاجلة.
ان ابلغ وصف لعظمة هذا الانجاز النظر الى الواقع، ومقارنته بالماضي واستشعار الفضل الواسع الذي يرتع الناس في خيراته، ويتفيؤون ظلاله، إن هذا الانجاز نعمة عظمى من رب العالمين، عانى عبدالعزيز ورجاله مراراته، وتركوا لنا حلاواته، وكابدوا مشاقه، وأبقوا لنا مسراته، وتولوا حاره، وأولونا قاره، فكان واجبنا نحوه عظيما، وحقه علينا كبيرا، ان نحافظ عليه ونرعاه ونصونه، ويتحقق ذلك بأمور من اهمها تذاكره، والتذكير المستمر به، وتذكر الرجل العظيم الذي كان وراءه، ومعرفة الاصول والاسس التي انطلق منها، وأقام عليها بنيانه، والوفاء لمبادئه وسياساته.
لقد كان اصله الاصيل الذي تفرعت منه اصوله ومبدؤه المتين الذي انطلقت منه مبادئه هو الاسلام، والاسلام وحده، فأقام دولته على الاسلام وبالاسلام وللاسلام، بتعاليمه وسياساته، وأصوله وفروعه، فكانت دولته بحق دولة الاسلام في هذا الزمان.
لقد كانت الدولة والدعوة قبل عبدالعزيز منقطعة مغيبة، فأوجد رحمه الله دولة شامخة ودعوة راسخة، احيا الدولة بالدعوة، وانطلقت الدعوة بالدولة، في تكامل فريد هو سر تألق هذا الانجاز ونجاحه وتميزه وانطلاقه.
إن المملكة العربية السعودية دولة رسالة، فمنذ ان اوجدها عبدالعزيز جعلها متمحضة لهذا الدين تطبق شرعه، وتحمل همه، وتبلغ رسالته، وتناصر اهله، وتنشر عقيدته الصحيحة الصافية في ارجاء المعمورة، ومن هنا اصبح امر الدعوة والعمل لهذا الدين قائما في كل نظم الدولة وسياساتها، وأعمالها وقراراتها، فانطلقت الدعوة بقوة، وضربت بجرانها في بقاع المعمورة، وانتفعت الخلائق بها، وما كان ذلك ليتم بهذه الصورة لولا وقوف دولة كاملة بعددها وعددها وراءها.
ومما خدم الملك عبدالعزيز به الاسلام ان أبان للبشرية انه دين خاتم، يصلح للناس ويصلحهم إلى قيام الساعة، وأن تطبيقه والتزام منهجه لا يتعارض وعلوم العصر النافعة، ومخترعاته المستجدة.
لقد أوجد عبدالعزيز - رحمه الله - دولة تميزت بثبات الاصول، واستقرار المبدأ والانفتاح الكامل على معطيات العصر، فصارت الدولة انموذجا فريدا في هذا العصر، وهي بواقعها مُسكتة دعاوى اهل الضلال بأن الاسلام لا يتناسب وعصر التقنية والآلة، وسعة الاتصالات والمواصلات.
إن من فرائد انجاز الملك عبدالعزيز - رحمه الله - حماية هذا الكيان الضخم والانجاز العظيم، بما وفر له من عوامل النجاح ودعائم الاستقرار والبقاء، من منهاج اصيل، وعمل متقن مكين، ولذا لم تزده السنون إلا رسوخا واستقرارا، ونماء وعطاء، فظلت هذه الدولة منذ عهد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وإلى عهد خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - تنتقل من خير إلى خير، ومن توفيق الى توفيق، تشهد تطوراً فريداً ونهضة مشرقة في كل جوانب حياتها، وما ذلك إلا لأنه بنيان اسس على التقوى من اول ايامه، فلا تزيده الايام إن شاء الله إلا خيرا وتوفيقا، ونصرا وتمكينا.
ان الحديث عن الملك عبدالعزيز ومنجزاته وخيراته، وأثره المبارك على بلده وشعبه وأمته، يحلو ويطول، وإن اقامة ندوة تعنى بجهد الملك عبدالعزيز بالدعوة، وتحكي حالها، وتستعرض جوانب مشرقة منها في ايامه، لهو عمل موفق كريم، يحقق فوائد كبيرة وآثارا حميدة، فهو وفاء لهذا القائد المبارك، وأداء لبعض حقه علينا، وتذكير بعظم انجازه، ودعوة لاستمطار الدعوات له، ثم هو إبانة للثوابت والاصول التي اقام الملك عبدالعزيز دولته عليها، وتأكيد للثبات عليها والوفاء لها، ثم هو تواصل بين ماضي الامة وحاضرها، بين اسسها وفروعها، حتى لا يطول الوصل فيقع الفصل.
وتزداد هذه الندوة ألقاً، وتعظم أثراً برعاية رجل الفكر والامن والدعوة لها، صاحب السمو الملكي الامير نايف بن عبدالعزيز آل سعود، ففي ذلك دعم كبير لها وتأكيد لمواصلة ابناء الملك عبدالعزيز نهج والدهم الفريد في حمل رسالة الاسلام وتبني دعوته، فجزاه الله خيراً وأعظم مثوبته، ووفقه لكل خير وسدده، ولكل العاملين في هذه الندوة والمشاركين في هذا الخير الدعاء بالاجر والثواب والتوفيق والسداد.
نسأل الله الكريم ان يحفظ لدولتنا امنها واستقرارها ورخاءها، وأن يحفظ ولاة امرها ويوفقهم إلى كل خير، وينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته، انه سميع مجيب.
* مدير مكتب وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد للدراسات والبرامج.