Saturday 5th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,السبت 21 صفر


التعليم
(1) الطفولة المسلوبة

أعتقد أن مجتمعنا يقدم نموذجا جيدا للتطرف, أعني غياب الوسطية، ولعل الموقف من التعليم والمدرسة يعطينا مثلا جيدا.
في طفولتي عندما كان أحد الكبار يحب أن يضفي البهجة على قلوبنا يقول:لا تروحون المدرسة بكرى، تراي فاسح لكم ! بالطبع كان هناك نوع من الحرص على التحصيل الدراسي، بيد أنه لم يكن يشكل أولوية, فعندما تكون هناك حاجة لخدمات الولد(أو البنت) في البيت أو الحقل أو الدكان، فهذا الأمر ألزم من المدرسة، ولا مشكلة في أن يتغيب الطالب بضعة أيام, كذلك، لم يكن نادرا أن ينجح الطالب ثم يطلب منه أهله أن يعيد السنة ليتقوى ! أو أن يطلبون منه الرسوب ليعيد السنة ليتقوى أيضا!
والآن أرى الأباء والأمهات مسكونين بهاجس المدرسة والتعليم, ليس فقط من حيث الانضباط والانتظام والنجاح في كل سنة، بل من حيث التفوق(وعندي تحفظ على استعمال هذه الكلمة) إذ يجب أن يحصل الطالب على 100% من العلامة الكاملة، ولو كان هناك مجال لزيادتها إلى 110%، فهذا أفضل, بالطبع ليس هذا سائدا عند أغلب الناس، ولكني أزعم أنه سائد لدى شريحة كبيرة منهم تتمثل في الأقسام الوسطى والعليا من الطبقة المتوسطة، وكذلك الطبقة العليا, وخصوصا عندما يكون الوالدان متعلمين، ويعملان سواء في الحكومة أو القطاع الخاص.
هذا الهاجسالعصابي المزعج لم يغب عن فطنة المدارس الخاصة (الأهلية) فجعلت تتنافس حول من يثقل الطلبة بالدراسة والمذاكرة والمعلومات أكثر, وهذه المدرسة أفضل من تلك فقط لأنها ترص على التلميذ وفوق هذا الرص يأتي دور الأهل الكرام, فلا بد من مدرس خصوصي لبضع مواد، لا لأن الطالب بليد لاسمح الله، ولكن للتأكد من حصوله على تلك النسبة المطلوبة 100% على الأقل, ولذلك تزين شهادات نهايات العام تلك النسب المضحكة، والتي تذكر بانتخابات العالم الثالث 20،99% أو 85،99% !ياسلام! ولاأدري كيف يتمكن معلم من تقويم إجابة الطالب بكسور عشرية في المائة! لابأس، هذا شأن المعلمين، ولكن لو جمعنا أعداد هؤلاء الطلبة الذين يحصلون-عن جدارة وبكد ومذاكرة دائمة وطلوع الروح- في تلك المدارس الجيدة الصارمة، لوجدنا أن لدينا مشروع عشرات الآلاف من أينشتاين ومثلهم من أديسون بيد أن الفرق الوحيد الذي يميز كلا من أينشتاين وأديسون أنهما لم يكونا أبدا متفوقين في الدراسة, فالأول كان متفوقا في الرياضيات فقط، بينما كان مستواه في المواد الأخرى دون المتوسط, يعني بحسبة بسيطة نتوقع أن مجموع علاماته لم يتجاوز 70% وأكثر من ذلك رسبأينشتاين في امتحان القبول في الجامعة، مما أخر التحاقه بالجامعة سنة كاملة, أما أديسون فلم يحصل حتى على شهادة المرحلة الابتدائية! وفي السنة الثانية أو الثالثة منها، تم طرده من المدرسة، وقال المدير لأمه:أحلق شنبي لو فلح ! ولو كان صادقا مع نفسه فلن يكتف بحلق شاربه، بل لنزع حاجبيه أيضا، فذلك التلميذ البليد أصبح أشهر مخترع في التاريخ.
لماذا هذا الهاجس الدائم في حصول الولد أو البنت على العلامات الكاملة، أو قريبا منها؟ ليضمنوا حياة كريمة؟ إذا نظرنا حولنا، وفي أركان المعمورة الاربعة، لوجدنا أن معظم الأثرياء، وذوي المناصب المرموقة، إما أنصاف متعلمين أو ذوي مستويات تحصيل دراسي متوسط .
ولا أذيع سرا إذا قلت إن معظم الأطباء السعوديين المرموقين كانوا ذوي تحصيل دراسي متوسط في الثانوية, بل ان كثيرا منهم نجح بتقدير جيد في كلية الطب, ولكنهم في توفر جو دراسي وعملي ممتاز أبرزوا في تخصصاتهم، سواء أثناء الدراسات العليا، أو الممارسة.
ومع تحفظي على أسلوب التعليم (وهذا مجاله مقالة أخرى) فإن دور الأهل والمدرسة في كرف الطالب ينتج عنه استلاب للطفولة، وتحويل الطفل إلى كمبيوتر, وأرجو ألا يفرحنا تشبيه فلذات أكبادنا الطالبات والطلبة بالكمبيوتر وذلك لعدة أسباب، أهمها أن أسلوب التعليم ومناهجه (مكملا بدور المدرسة)يحولهم إلى كمبيوترات من النوع الرديء، الذي يقتصر عمله على تخزين المعلومات، دون قدرة حقيقية للقيام بمعالجة المعلومات، أو تحليلها, ولذلك فالتشبيه الأفضل أنهم سيكونون أشبه بأقراص الكمبيوتر، والفرق بينهم أن بعضهم من صنف القرص المرن، والنوع الآخر من صنف اسطونة سي دي، فالفرق هو كمية سعة تخزين المعلومات.
إنني أشعر فعلا بالأسى لأطفالنا الذين تضيع معظم سني طفولتهم في الدراسة،والمذاكرة، والحفظ والصم ولذلك ما أن تأتي الإجازة حتى يتحولوا إلى قطط متوحشة، مثل مساجين أفرج عنهم فجأة بعد فقد الرجاء, وكما مضت الدراسة دون إبداع وسعادة، تمضى الإجازة كأنها عملية ثأرية دون متعة حقيقية.
وأشعر بالأسى لأن الحوار العائلي بين الوالدين والأطفال يختزل إلى: ذاكر ياولد!ادرسي يابنت؟ ها! وش سويت في الامتحان اليوم؟ عساك مستعد لامتحان الشهر الجاي؟
هذه هي المشلكة المنظورة- أعني استلاب الطفولة- من حيث الوقت والمتعة أما تلك غير المنظورة، والتي تحتاج إلى تفحص وتمعن، وتؤدي بالاشتراك مع الأولى إلى تدمير الذات، وتقييد نمو النفس، هي أن هؤلاء الطلبة يخرجون إلى العالم وفي ذهنهم مقياس واحد للشخصية والأداء والقبول الاجتماعي وهو العلامات شبه الكاملة(ولا أقول التفوق)ففلان أحسن من علان لأن الدرجات المرصودة في شهادة نصف السنة أو نهاية العام أعلى.
إضافة إلى ذلك فإن ذلك الطفل يخرج إلى العالم وقد تم غرس نزعة عصابية فيه وهي نزعة الكمالية Perfectionism وهذه نزعة معرقلة ومدمرة, وأحيل القارئ الكريم إلى كتاب قمت بترجمته بعنوانلكي تنجز أهدافك (وليست هذه دعاية للكتاب، فقد نفد من الأسواق منذ حين، ولكن البركة في مكاتب التصوير الضوئي) ليتبين حجم معضلة نزعة الكمالية.
كذلك تخيلوا طفلا يعده والداه ليكون الأول على الصف، ولكنه يأتي ثالثا لأن نسبة علاماته جاءت 20،99% وتفرقه عن الأول والثاني بضعة كسور عشرية في المائة! تصوروا أي إحباط وحقد يتولدان لدى هذا الطالب الخائب تجاه نفسه، وزملائه، والمدرسة، وربما والديه,,بعد ذلك ليس غريبا أن يكون الطفل المتفوق دراسيا بهذا الشكل أثقل دما، وأسرع توترا، وأقل مهارة اجتماعية, بينما أخوه غير المتفوق ألطف، وأهدأ، وأطيب معشرا، واكثر ظرفا.
اتذكر أن هذا كان علينا أنا وابن عمي، الذي كان في نفس سني تقريبا، وكنا نسكن جميعا ذات البيت وكنت ثقيل الدم، وحسنتي الوحيدة أني شاطر في المدرسة, والحمدلله أني تخلصت من هذه الشطارة جزئيا في الثانوية، وأجهزت عليها تماما في السنة الثانية من كلية الطب, فقد رسبت بجدارة في تلك السنة دون أن يخالجني ندم للحظة واحدة, فقد أمضيت تلك السنة في قراءة مختلف الكتب والمجلات، وحضور السينما والمسرح، والالتحاق بنادي السينما ونادي التصوير الفوتوجرافي، وحضور الندوات والمناقشات الفكرية والأدبية، ومعارض الرسم والفنون التشكيلية وأسابيع الأفلام الألمانية والروسية والفرنسية, إضافة إلى الرحلات الطلابية، والنزهات، والزيارات المنتظمة لكافتريات فنادق الدرجة الأولى.
بصراحة يجب أن تكون هناك وقفة حقيقية مع مناهج التعليم وأساليبه، ومع المدرسة التي تكرس دورها لتعذيب الطفل بالحفظ والصم والتكرار، ومع الأهل الذين يكملون بدورهم مثلث استلاب الطفولة وبراءتها, ولايخلو بيت، من الشرائح المذكوره أعلاه، بما فيهم بيتي، من أم أو أب من هذا النوع وتكون المصيبة أدهى وأمر عندما يكون كلا الوالدين كذلك,بالتأكيد لاأدعو - كما قد يستقر في ذهن البعض- اني أدعو إلى ترك الحبل على الغارب للطالب، أو أن ندخل البهجة إلى قلبه بأن نفسح له يوما أو عدم الاهتمام بمستواه الدراسي وتحصليه، ولكني أقول بكل بساطة:وش فيها نسبة 80% مثلا؟!!
د, فهد سعود اليحيا

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
ملحق الدعوة
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
ملحق المفروشات
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved