الارادة الدولية متى ما امتلكت أنيابا قوية، وأذرعا طويلة، فإنه لابد ان يذبح لها المتمردون من قادة الأنظمة الشاذة,, وينفذوا ما يطلب منهم وهم صاغرون,, بل أكثر مما كان يطلب منهم.
تلك كانت نهاية تمرد صدام حسين على الشرعية الدولية يوم احتل الكويت، فأرغم على الخروج مهزوما ذليلا مطرودا، واذعن على التوقيع مرغما على كل ما طلب منه,,
واليوم تتكرر القصة نفسها، مع متمرد آخر هو سلوبودان ميلوسيفيتش الذي أذعن وقَبِل صاغرا كل ما طلب منه,, وجاء إذعانه بعد خراب بلاده التي ظلت تحت وطأة قصف الطائرات المقاتلة للحلف الاطلسي، فدمرت الجسور والكهرباء، والمصانع، والمنازل,, حتى حولت صربيا الى دولة مهدمة، تفتقر الى العديد من مقومات الحياة العصرية,, بل وحتى الاساسية من ماء وكهرباء واتصالات,, وفوق ذلك جرح كرامتها,, وكرامة شعبها وجيشها الذي زج في معركة غير متكافئة أصر على خوضها زعيم مغرور، متسلط، اعتمد على حسابات لا وجود لها في عالم اليوم الذي شهد تغيرات عديدة في تحالفات الدول ونظرة انظمتها الى مصالحها وعلاقاتها مع الدول الاخرى.
ميلوسيفيتش عرض عليه في رامبوبيه اقتراحات لحل مشكلة كوسوفا اقل بكثير مما يفرض عليه الآن,, ولم تكن صربيا آنذاك على حالها اليوم مهزومة,, مدمرة، الا أن الدكتاتور الصربي اعتقد أن روسيا ستضحي بمصالحها واموال الغرب التي تتعيش عليها وتسعى الى انعاش اقتصادها بتلك الاموال اعتقد ان يلتسن سيضحي بكل ذلك لارضاء غرور الصرب، ويطلق ايديهم لإبادة شعب كوسوفا,, ومع ان الدكتاتور الصربي تلقى اول اللطمات من يلتسن شخصيا الموجة الاولى من غارات طائرات الاطلسي، حيث اعلن يلتسن شخصيا في 30 آذار (مارس) بأن روسيا لن تنجر الى نزاع كوسوفا، كما انها لا ترغب في افتعال أزمة طويلة المدى مع واشنطن,,!!
رغم هذا الاعتراف الواضح بعجز روسيا عن حماية شقيق القومية والدين والمذهب, إلا ان ميلوسيفيتش ظل يستجدي الروس فعرض الانضمام الى اتحاد روسيا وروسيا البيضاء، ومرة اخرى صده يلتسن,, وهذا ما جعله بلا حلفاء,, فالمهزومون يتخلى عنهم حلفاؤهم واصدقاؤهم ولا يتبقى لهم سوى المهزومين مثلهم، وهكذا هي حالة ميلوسيفيتش فلا حليف له سوى مذعن مهزوم آخر مثله صدام حسين الذي سيظل يسدد فواتير اذعاناته مثلما سيفرض على ميلوسيفيش ان يفعل مثله,, اذعان مطلق بدأ الخميس,, أولى خطواته.
جاسر عبدالعزيز الجاسر
مراسلة الكاتب على البريد الإلكتروني
Jaser * Al-jazirah.com