Tuesday 8th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 24 صفر


في مسألة السياحة الداخلية
كيف الوصول إلى المواقع التاريخية والآثارية والجمالية في بلادنا,,؟

** دخلت السياحة في السنوات الاخيرة قاموس الحياة اليومية لسكان المملكة العربية السعودية، فقد تطورت كمفهوم ومصطلح واحتلت مكانة متقدمة في الادبيات المكتوبة والمشافهة، واكتسبت اهمية خاصة في نمط الحياة اليومية للمواطنين والمستثمرين بعد ان كانت نشاطا طارداً للعملة، والسياحة نشاط اجتماعي واقتصادي مازال في البدايات اذا ما قورن بتجارب دول كثيرة سبقت المملكة في هذا المضمار، واصبح في البلدان المتقدمة، من الروافد الاقتصادية الرئيسة التي تدر الربح الوفير على الناشطين في هذا القطاع، واذا سار الاهتمام بالسياحة في بلادنا وفق خطط مدروسة ومبرمجة، فسوف نصل بهذا النشاط الى مرتبة علية توفر للدخل القومي مليارات الريالات التي تهاجر سنوياً في حقائب السائحين من ابناء هذا البلد الى كافة بقاع الارض.
** إن من اهم العوامل التي تروج مناشط السياحة، وتجذب المزيد من السياح الى هذه البقعة او تلك، تسهيل وتبسيط الوصول الى المواقع التاريخية والآثارية والجمالية في انحاء المملكة، وخاصة تلك المناطق التي تتوفر على قدر كبير من المعالم الدينية وتلك المرتبطة بالتاريخ الاسلامي، وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحوادث التاريخية عبر القرون، والحياة البشرية على مر مئات السنين مثل المساجد التاريخية، والمدن القديمة المرتبطة بحضارات سابقة، والحصون والسدود والبرك والقرى الاثرية، الى جانب معالم جمالية لها علاقة بالطبيعة الجبلية والصحراوية والشجرية والمائية، وهذا كله موجود في معظم مناطق المملكة في تباين رائع يخلق اجواء ميسرة لسياحتين صيفية وشتوية، صيفية في المرتفعات والمناطق الجبلية المعروفة باعتدال مناخها صيفاً، وشتوية في المدن الساحلية والسواحل والجزر البحرية في الخليج العربي والبحر الاحمر.
** انه مما يبدو لي، ان استثمار هذا الجانب سياحيا لم يواكب كما ينبغي تطور المفهوم العام للسياحة في المملكة، والعناية بالجانب الاثاري والتاريخي سياحيا ما زالت ضعيفة، ويكتنفها بعض الغموض غير المبرر وغير المفهوم، ونحن نرتكب خطأً كبيرا اذا سرنا على هذا النهج في اهمال العامل التاريخي والاثاري الذي يفترض ان يحتل المرتبة الاولى في اجندة الجذب السياحي، والنتائج العكسية سوف تأتي عندما نمعن في هذا التغاضي عن المرتكز الاساس الذي ترتكز عليه السياحة في كل بلد في العالم، المتمثل في الشهادات المكانية والجغرافية على حضارة الامة وكفاحها وعقلها المفكر، وارادتها التي اهلتها عبر مئات السنين لان تتعامل مع الزمان والمكان بروح ابداعية كفاحية من اجل حياة كريمة متحضرة، والتركيز على الانشاء وحده من حدائق وملاهٍ ومرافق للتنزه لا يشفي غليل الباحث عن المعرفة، اضافة الى انه يخلق انفصاما بين ماضي الانسان وحاضره، ولا يساعد على ترسيخ السياحة كمنشط اقتصادي واجتماعي، وبهذا فان عمر السياحة في بلادنا لن يكون طويلا بعد ان يمل الناس من المرافق المصنعة والهياكل البالية، ويفتقدون نكهة التاريخ وخطاب الآثار الذي يحمل من المعاني القيمة المتجددة الشيء الذي لا غنى عنه.
** ففي مكة المكرمة,, في المدينة المنورة,, في الرياض وعسير والطائف والباحة، وفي المنطقة الشرقية ونجران ومدائن صالح والربع الخالي وغيرها، الكثير من الآثار والامكنة التاريخية ذات القيمة العلمية التي لا تخفى على المختصين في هذا الشأن، لكن لماذا يتم تغييب هذا الجانب من اجندة النشاط السياحي السنوي في معظم المناطق السياحية إلا ما ندر؟
** الطرح السياحي في حقيقة الامر لا يخلو من كلام على الامكنة التاريخية والسياحية وغيرها مما شابه، ويذهب البعض الى اكثر من ذلك عندما يسعى جاهدا الى توثيق هذه المعالم في كتب واصدارات ونحوها، وهذه فكرة جيدة في سبيل التعريف وتقديم مادة علمية نظرية لاولئك المتعطشين لمثل هذه المعرفة، لكن تظل العقبة الكأداء في كيفية الوصول الى هذه المواقع والامكنة، والوقوف عليها، والأبعد من ذلك استثمارها معرفيا وسياحيا واقتصاديا كما ينبغي، فالطرق الى معظم هذه المواقع وعرة غير معبدة ولا مزفلتة، بل غير معروفة الا عند بعض الباحثين والناشطين في ادارة الآثار، واذا وجد موقع تاريخي معروف المكان والطريق اليه سالك، فهو يعاني من الاهمال والترك وعبث العابثين وطمع الطامعين، وهو مهدد بالتهدم والزوال بعد حين من الدهر.
** ان القاموس السياحي في المملكة ينبغي ان يتضمن ما هو معروف في الدول المتحضرة التي تعرف كيف تحافظ على تاريخها من خلال حفاظها على آثارها واستثمارها معرفياً واقتصادياً بشكل جيد، فنحن لم نعرف بعد التأهيل المكاني اللائق لموقع تاريخي،ولم نعرف بعد اسلوب المرشد السياحي الذي يقود الوفود ويقدم لهم تاريخ بلده وحضارة امته باسلوب متحضر، ولم نعط الاهتمام اللازم لفتح الطرق المؤدية الى المواقع التاريخية والآثارية وتعبيدها، ووضع اللوحات الارشادية الدالة على المواقع، وتخصيص ما يلزم من شروحات ضوئية وغيرها لكي يستفيد منها السائح الذي تنحصر اهتماماته في الوقت الحاضر - ازاء هذا الموقف- في الاكل والشرب والتسوق والتلهي في حديقة عامة، بعيداً عن الجو المعرفي المهم الذي هو طابع السياحة في العالم، وسوف يكون من اولويات المطالب للسائح السعودي في بلده في المستقبل.
** على من تقع مسؤولية تهميش هذا الجانب المهم في السياحة المحلية والذي لم يستغل حتى اليوم بما فيه الكفاية؟
** أجندة المناشط السياحية مازالت حتى اليوم تقوم على جهود مبعثرة لا يجمعها جامع، ولا تتسم مظاهرها بالتنسيق والاعداد المشترك، ولذلك نجد ان اكثر من جهة رسمية في المنطقة الواحدة تضطلع بدور التنشيط السياحي، بتعاون خجول من القطاع الخاص، وهذا يسري في غياب استراتيجية وطنية وسياسة عليا تحكم هذا النشاط، وتوجه دفة برامجه نحو الاهداف المرجوة منه في المستقبل، فالجهود المتناثرة هنا وهناك تهدد في الواقع مستقبل السياحة المحلية، وحتى يقوم جهاز كبير يوحد وينظم هذه الجهود، فان هذه الجهات المتمثلة في امارات المناطق والمحافظات والبلديات، يمكنها وضع حلول عاجلة لمعالجة المواقع التاريخية والآثارية التي يقبع الكثير منها بعيدا عن اعين السياح، بسبب الطرق غير المعبدة، وبسبب النظرة غير المبالية لهذه الثروة الوطنية غير المستغلة.
**في وقت من الاوقات، وبعد ان اتمت مرحلة الطرق الطويلة، انتقلت وزارة المواصلات الى مرحلة الطرق الزراعية، وكانت خطوة موفقة، وخدمت كثيراً المجتمع القروي والزراعي واقتصادياته، وحان الوقت لان تأخذ وزارة المواصلات بمرحلة تتمشى مع تطور المجتمع واتجاهه للسياحة المحلية، فيكون ضمن برامجها السنوية مشاريع للطرق السياحية الموصلة الى الاماكن التاريخية والآثارية والجمالية، وذلك بالتعاون مع وزارة البلديات ووزارة المعارف التي تقوم على حماية الآثار والامكنة التاريخية، وفي وسع البلديات في المناطق توجيه جزء من نشاطها لهذا الجانب، اذ ليس من المنطق ان يكون في مدينة من المدن آثار غاية في الاهمية، ثم نجد انها محاطة بالجهل حتى من ابناء هذه المدينة، الذي يشعر البعض منهم بالخجل عندما يطلب منه وافد الى مدينته التعرف على موقع او مكان له ذكر في كتب التاريخ والتراث، فلا يجد هذا البعض ما يجيب به!!
** ولإيلاء هذا الامر مايستحق من عناية واهتمام، فاني اقترح على الجهات المعنية بالآثار والمواقع التاريخية، تشكيل لجان وطنية على مستوى المناطق والمحافظات، يكون لها تمثيل في اللجان السياحية لخدمة هذا الغرض، وان تكون مسألة الطرق السياحية الى هذه الامكنة، وتأهيل هذه المواقع على رأس الاهتمامات للكل، وتأخذ الاولوية في البرامج والمناشط السياحية التي ينبغي ان تكتسب هي الاخرى صفة واقعية على الارض، فهذا هو النافع والمفيد للمواطن والسائح معاً.
حماد بن حامد السالمي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
ملحق الدعوة
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
القوى العاملة
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved