مدخل
ان النقد لأي جنس ادبي اما ان يكون نقدا حكيما وهو الذي يقوّم العمل الادبي وفق قواعد مقررة او وفق مقابلته بنموذج ادبي قديم يعده الناقد مثالا للعمل الادبي الجيد، او ان يكون نقدا تذوقيا,, فالناقد متذوق للجمال وهو يبحث عنه لا عن العيوب ويضع نفسه مكان المؤلف ليفهم ويشعر ما اراد ان يفعل.
والقصة كجنس ادبي هام تندرج تحت هذين الاطارين وغيرها من الوسائل التي تحلل العمل الادبي وتعطي انطباعات عنه ومدى تأثر القارئ به، واستنباط الرسالة التي يريد الكاتب ان يوصلها للقارئ من خلال القصة.
ان اول ما ينظر اليه القارئ الناقد وهو الذي يريد ان يكوّن رؤية نقدية للقصة هي الافكار التي يطرحها المؤلف من خلال قصته، وكذلك الشخصيات وسلوكياتها وردود افعالها الشاذة والغريبة, كل هذه الاشياء لابد ان تستوقف القارئ الناقد قليلا لينطلق منها بعد ذلك الى فضاءات القصة الرحبة والغوص في اغوارها العميقة.
بيد ان هناك ثلاثة محاور رئيسية ينطلق منها من اراد الخوض في تجربة النقد للقصة:
1/ المحور الاول هو الكتابة النقدية لمن لم يقرأ القصة بتاتا وليس لديه اي فكرة عنها، ففي هذه الحالة يجب ان تذكر موجزا مختصرا لاحداث القصة ويشترط فيه الشمولية مع التركيز على العناصر الابداعية التي جعلت للقصة قيمة ادبية ونكهة جمالية.
2/ المحور الثاني هو الكتابة النقدية لمن يعرف القصة جيدا ولكنه لا يعرف العناصر الابداعية التي جعلت القصة عملا ابداعيا فذا وجميلا، وفي هذه الحالة يجب التركيز على هذه العناصر وايضاحها.
3/ المحور الثالث هو القراءة الانطباعية او الاستجابة الشخصية للقصة، وفيها تظهر خبرات القارئ السابقة، وقيمه وحزنه وفرحه، وتصوره لنفسه,, كلها تكون كالمرآة لما تعرضه القصة، فتكون نظرة ذاتية بحتة, وهنا تكون القيم الموضوعية بعيدة او انها على الاقل تؤجل من اجل التركيز على رؤيته الشخصية للعمل.
ومما يجدر ذكره انه ليس هناك تفاضل بين هذه المحاور الثلاثة لانها تؤدي في الغالب الى النتيجة نفسها مع اختلاف وجهات النظر.
قراءة القصة
ان اهم سلاح يعتمد عليه من يحاول الخوض في غمار التجربة النقدية للقصة هو قرأتها جيدا قراءة مركزة متأنية مستوعبة لتفاصيلها الخارجية وغائصة في سطورها, ولذلك فان جودة النقد تعتمد على مهارتك كقارئ اولا ثم تأتي بعد ذلك بقية العدة التي يحتاجها الناقد فهو لا يهدف الى اختصار احداث القصة وذكر مغزاها فقط، وانما يهدف الى الوصول الى الصراع الاساسي الذي يثيره الكاتب وابعد من هذا فهو يريد ان يبرز قيمة العمل الفنية واعتمادها على لغة السرد المحسوس او على لغة الحوار,, وهكذا.
ويمكن ان تبدأ القراءة النقدية ببعض المقاطع من القصة نفسها فتكون نقطة البداية من اجل الوصول الى مكامن الجمال والقبح، ولذلك فعلى القارئ الناقد ان يضع خطاً تحت كل شيء يراه مهما اثناء قراءته، او ان يبرزها بلون مختلف او نحوه، او ان يدونها في ورقة منفصلة للرجوع اليها بعد اكمال قراءته ومن ثم يركز عليها تركيزا شديدا.
التركيز النقدي
وتأتي هنا اهمية التركيز النقدي لان الكتابة عن قصة مألوفة لدى القراء يتطلب تضييق الموضوع بشكل كبير حتى يتسنى للقارئ الناقد التعليق على عناصر جمالية او قبيحة محددة، فلا جدوى في ذكر احداث القصة بالرغم من الحاجة احيانا للاشارة اليها وذلك لمقارنة القصة او اي عمل ادبي آخر باعمال لكتاب آخرين.
العناصر الفنية
ومن هذه العناصر الفنية على سبيل المثال لا الحصر معرفة وجهة نظر الكاتب حيال القضية التي يطرحها فعندما تكون القصة سردية بضمير المتكلم فان وجهة النظر هذه تكون محددة على الراوي فقط, ويمكن ان تكون على لسان بطل القصة وفي هذه الحالة يكون هناك ارتباط كبير بين لغة البطل ولغة المؤلف,
كما يمكن ان تنتقل من شخصية لاخرى وهنا لا بد من التفريق بين صوت راوي القصة وغيره من الشخصيات ويمكن ايضا طرحها عن طريق المونولوج الداخلي.
ومنها تطبيق المصطلحات النقدية المعتبرة في القصة مثل نغمة القصة، والصورة الفنية والخيال، وموضوعية الطرح من عدمه، والتفريق بين الخيال الادبي والواقع والرمزية وغيرها الكثير.
كما ان تحليل شخصيات القصة وافعالها ودوافع افعالها وردود افعالها امر مهم مما يتطلب معرفة كبيرة بالطبيعة الانسانية والفطرة البشرية وعلم السلوك، ان الكتابة عن شخصية او حدث كما لو انها موجودة في العالم الواقعي وليست في القصة خطأ كبير يقع فيه البعض لان كل ما نعرفه عن الشخصيات القصصية هو ما يطوره الكاتب من خلال احداث القصة وذلك لاستمالة تعاطف القارئ تجاه الشخصية.
وايضا فان انسجام وتناسق العناصر الأساسية للقصة وهي الشخصيات والاحداث وايضا الخلفية (الزمان والمكان)التي يرسم فيها المؤلف قصته الابداعية امر يجب ان يعرفه القارئ الناقد جيدا.
وكما قال النقاد منذ القدم: ما لم يشترك العقل والقلب فلن يكون الفهم متوازنا ومتناغما ولذلك فعلى القارئ الناقد ان يكون متذوقا باحثا عن اسرار الجمال والابداع في القصة، بشرط تطبيق قواعدها التي اتفق عليها النقاد وذلك من اجل تكامل قراءته النقدية.
(مصادر ومراجع)
1- في النقد الحديث للدكتور نصرت عبد الرحمن.
2- The Norton Anthology of Short Fiction by R.V. Cassil
حسن أحمد الصلهبي
- جازان
|