يؤكد كثير من علماء علم الشيخوخة الاجتماعي اهمية العمل في حياة الفرد باعتباره اهم الروابط التي تربط بين الفرد والمجتمع، وان انقطاع هذه الروابط يعني انقطاع العلاقة مابين الفرد والمجتمع.
فالعمل جزء جوهري من حياة الفرد؛ لما يصاحبه من انماط محددة في السلوك تتحول مع الزمن الى عادات راسخة تؤثر في شخصية الفرد وتصيغه بصيغة اجتماعية واضحة، فالعمل إضافة الى أنه الوسيلة المشروعة لكسب الرزق فإنه هو الذي يحدد للفرد أوقات الراحة وينظم وقته، وهو الذي يجمع بينه وبين رفاقه، وهو الذي يؤثر في نظرته للحياة، وذلك بمقدار مايوفره للفرد من مكانة اجتماعية، وانتماء الفرد للعمل هو الذي يشعره بالاهمية وبالتبعية للمجال الذي يعمل به والشعور بالولاء للتنظيم الذي يضمه ورفاقه في نشاط مشترك.
والى جانب ذلك فالوظيفة هي المركز الرئيس الذي تنطلق منه اهم الادوار الاجتماعية التي يلعبها الفرد، وعندما يتقاعد الفرد فإنه يفقد على الاقل بعض مايرتبط بعمله السابق من ادوار وممارسات، مما قد يترتب عليه ظهور العديد من المشكلات الاجتماعية التي تخل بتوافق الفرد في هذه المرحلة، مما يحتم ضرورة مساعدة هذا الفرد على مواجهة هذه المشكلات والتقليل من حدتها، والمشكلات التي يواجهها الفرد في مرحلة التقاعد عديدة ومتداخلة مع بعضها البعض، فكل مشكلة تؤثر وتتأثر بالمشكلة الاخرى.
ومن الطبيعي ان يلعب الافراد ادواراً نشطة في المجتمع، مما يساعد على الحفاظ على مكانتهم كأعضاء لهم قيمتهم الوظيفية، فالدور هو مجموعة من المهام والمسؤوليات التي يؤديها الفرد في ضوء المكانة التي يشغلها في المجتمع، او هو السلوك المتوقع من الفرد الذي يشغل مكانة معينة تحظى بالقبول والرضا من قبل المجتمع، على الرغم من ان هناك عوامل متعددة تتداخل في تحديد المكانة الاجتماعية للفرد داخل المجتمع، كالدخل والمستوى التعليمي والملكية، فان المهن تعتبر من اهم العوامل التي تشكل بناء المكانة سواء في مكان العمل او في المجتمع المحلي,فللعمل دور اجتماعي مهم بالنسبة للفرد، وقد يكون هو الاساس الذي تقوم عليه ذاته، بل يراه البعض الدور الذي تلتف حوله الادوار الاخرى للفرد، والعمل دليل على اقتدار الفرد وامكاناته كما ان المكانة الاجتماعية للفرد تعتمد على دوره القيادي في الجماعة التي يعيش فيها، ويعتمد في هذا الدور على مايقوم به الفرد من خدمات للجماعة التي ينتمي اليها.
وبالتالي فان التقاعد عن العمل يعد واحداً من اكبر التغيرات الاجتماعية المفروضة على الفرد والمسن، حيث ان الفرد عندما يترك العمل فانه يتخلى عن اشياء كثيرة اكبر من مجرد نقص الراتب، فعندما يتقاعد الفرد فإنه يفقد اصدقاءه واسلوب الحياة وشعوره بأنه ذو فائدة وانه مستقل بذاته.
فدوافع العمل متعددة منها الجوانب المادية وغير المادية، ويسعى الفرد من خلاله الى اشباع هذه الحاجات، كالحاجات الاولية وحاجة الامن والحب والصداقة والتقدير الاجتماعي وتقدير الذات وغيرها.
فالعمل، اذن اكبر من مجرد طلب الرزق والحصول على راتب شهري، وبالتالي فان التقاعد عن هذا العمل يحرم الفرد من الاستمرار في إشباع هذه الحاجات، فالفرد له ادوار متميزة في المجتمع، فهو زوج واخ ووالد وصديق وعضو في منظمات تطوعية وغيرها من الادوار ولكنه عندما يصل الى مرحلة التقاعد؛ فانه يحرم اولاً من مخصصات مكانة العمل وامتيازاتها، وهذا لاشك سينعكس على ادواره الاخرى في المجتمع باعتبار الفرد في مرحلة التقاعد انتقل من الحياة النشطة والاستقلال الى حياة الاعتماد على الآخرين.
فالتقاعد يتضمن انقطاع بعض الادوار الاجتماعية المهمة لدى الفرد، ويزيد من صعوبة ذلك ان المجتمعات المعاصرة تحدد مكانة الفرد بالقوة والسرعة والحيوية، وهي صفات لاتتوفر لجيل المتقاعدين، ولذلك تقسو الحياة عليهم ويهجرهم ابناؤهم، وتضيق بهم سبل الرزق، ويدركون انهم اصبحوا عالة على المجتمع وعلى الحياة نفسها.
ويعد مفهوم دور المتقاعد من اكثر الادوار غير الواضحة والملتبسة في المجتمع، مع ان التحديد لهذا الدور بالغ الاهمية؛ حيث ان درجة التأقلم مع الادوار التي يوجبها المجتمع على فئاته العمرية والجنسية تتناسب طردياً مع وضوح مفاهيم تلك الادوار.
كما ان قدرات المتقاعد وكبر سنه قد لايساعداه في تطوير ادواره او اختيار ادوار جديدة، فيقع فريسة للوحدة؛ لأن هذه الادوار تتضمن نظاماً للحياة بما يحتويه من علاقات شخصية مع الاسرة والاصدقاء، ومشاركة عامة في العمل والمنزل وفي المنظمات والجمعيات، بالتالي يكون من الضروري على المسن تغيير اهدافه لتتكيف مع حاجاته الجديدة تبعاً للمرحلة التي يعيشها.
ومن المقترحات في هذا الصدد فكرة التقاعد بالتدريج، كأن تتبنى المؤسسة سياسة تسمح بإطالة فترة الإجازة من شهر الى شهرين او ثلاثة على مدى بضع سنوات، او تخفيض ساعات العمل اليومية, وفي ضوء ما سبق يتضح اهمية وقيمة دور العمل ومقدار تأثيره علىتحقيق التوازن في الادوار الاخرى، وبالتالي فان اي خلل في هذا الدور لاشك أنه سيؤثر على مستوى الادوار الاخرى وهو مايسمى بالتساند الوظيفي للادوار، بحيث يكون كل دور مرتبطاً بالدور الآخر.
وبالتالي فإن التقاعد عن العمل يعني شبه انتهاء لدور العمل في حياة الفرد، والذي يعني انتقال الفرد من حياة معينة الى حياة جديدة في ادوارها وممارستها؛ لذلك فان المتقاعد كما ترى نظرية الاستمرارية عليه البحث عن ادوار جديدة يعوّض بها الادوار التي فقدها بسبب التقاعد.
|