Friday 18th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 4 ربيع الاول


في مسألة المياه,,, والتلوث
أ , د , إبراهيم يوسف طرابلسي*

لقد تفضلت الغرفة التجارية في مدينة الرياض ممثلة في اللجنة الزراعية مشكورة، بدعوتي لحضور الندوة التي نظمتها في يوم الاثنين 23/2/1420ه تحت عنوان تأثير النشاطات البشرية على نوعية المياه الجوفية السطحية في مدينة الرياض وقد ضمت هذه الندوة نخبة متميزة من مختلف المؤسسات الأكاديمية والحكومية التي لها علاقة بموضوع المياه ومن منا ليس له علاقة بهذا الموضوع ، وقد أثريت مناقشات الندوة بأراء ومدخلات قيمة حول موضوع مصادر التلوث الممكنة للمياه الجوفية التي تشكل مصدراً هاماً لسكان مدينة الرياض حالياً ومخزون إستراتيجياً لأبنائنا وأحفادنا في المستقبل ونظراً لأهمية الموضوع وخطورته فإن جلسة واحدة لمدة ساعتين شارك فيها عدد كبير من المتخصصين في مختلف المجالات التي لها علاقة بموضوع المياه من الطبيعي ألا تكون كافية لتغطية هذا الموضوع وإعطائه حقه من النقاش وتبادل الرأي إلا أنه يكفي هذه الندوة أنها أثارت هذا الموضوع وطرحته على بساط البحث والنقاش وصولاً إلى وضعه في الملف الأول على مائدة المسؤولين عن هذا القطاع.
نحن نعرف أن الهاجس الأول منذ بدأ ارساء قاعدة هذا الكيان الراسخ هو كيفية توفير الكمية الكافية من المياه لمواجهة التوسع المحتمل للمدن واتساع النشاط الإقتصادي والصناعي والزراعي المتوقع واستمرت خطط التنمية في تنويع مصادر المياه من مياه جوفية إلى إنشاء السدود وإلى انشاء محطات تحلية المياه المالحة واستثمرت فيها الملايين, ورغعم ان مياه التحلية في الوقت الراهن هي المصدر الأساسي لمياه الشرب في أغلب مدننا, إلا أن المياه الجوفية سواءً العميقة منها أو السطحية لازالت تشكل مصدراً أساسياً لنسبة كبيرة من السكان إضافة إلى كونها تشكل مخزوننا الإستراتيجي الذي يجب أن نحافظ عليه.
وعندما نقول المحافظة عليه فإننا لا نعني المحافظة على الكم فقط رغم أهمية الترشيد في الإستخدام روهذا أمر بديهي وهي الذي تركز عليه جميع الحملات الترشيدية التي نقرأها ونسمعها في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة إلا أن ما يعنيني في هذا السياق هو موضوع المحافظة على نوعية المياه, إننا نعرف أن المياه الجوفية تستقر في باطن طبقات الأرض كالجنين في رحم أمه نقية سليمة.
وكما هو الحال في بني البشر قد يصاب الجنينب بالأرماض عندما تصل عوامل غريبة خارجية كالميكروبات إلى مجرى الدم ثم تصل إلى الجنين فإن نفس الشيء يحصل بالنسبة لمصادر المياه الجوفية السطحية حيث تصبح عرضة للتلوث الكيماوي والميكروبي نتيجة النشاطات البشرية المختلفة عندما تسري هذه الملوثات إلى مكامن هذه المياه السطحية، وعندما اركز على السطحية فلأن المياه الجوفية التي تزيد عن 1200م في غالب الأمر تكون في مأمن من التلوث لأن طبقات التربة والتي تعمل كمرشحات تمنع وصول الملوثات الميكروبية إلى باطن الأرض تستدق ماساماتها كلما تعمقنا في باطن الأرض حتى تصل إلى طبقات شبه صلبة لاتسمح مساماتها إلا بمرور مياه نقية صافية تستقر لملايين السنينأما بالنسبة للمياه الجوفية السطحية فإن طبقاتها تكون ذات مسامات كافية من حيث الحجم لمرور الميكروبات والجزئيات كبيرة الحجم نوعاً وبالتالي فإنها تكون أكثر عرضة لاحتمالات التلوث بمخلفات الأنشطة البشرية التي تضخ عن قصد أو دون قصد إلى داخل الأرض.
ويكن تحديد نوع التلوث المحتمل للمياه الجوفية في تلوث كيميائي أو تلوث ميكروبي، وبصفة عامة تعتبر: المصانع ومخلفاتها والأنشطة الزراعية استخدام مكثف للاسمدة والمبيدات من أهم مصادر التلوث الكيميائي لمياه الشرب بصفة عامة سواء الجوفية السطحية أو مياه الأنهار.
وبالنظر إلى عدد ونوعية المصانع الموجودة في نطاق مدينة الرياض نستنتج ان هذا المصدر لا يشكل خطراً محتملاً للمياه الجوفية على الأقل في المستقبل المنظور غير أن هذا لا يعفيها من استخدام الطرق الآمنة في التخلص من هذه المخلفات .
أما التلوث الناتج عن الاستعمال المكثف للأسمدة والمبيدات الزراعية فرغم انه يشسكل مصدراً هاماً في بعض مناطق المملكة الزراعية إلا أن له أهمية تتراجع نوعاً ما بالنسبة لمدينة الرياض.
غير أن ما يعنيني بالدرجة الأولى بحكم التخصص هو احتمالات التلوث الميكروبي لمصادر المياه وهذا يظل احتماله أكبر بكثير بحكم طبيعة النشاط البشري لسكان مدينة بحجم الرياض أن احتمالات التلوث الميكروبي لمدينة يقطنها ما يزيد عن 2,5 مليون نسمة يضخون يومياً عشرات الآلاف من الأمتار المكعبة إلى شبكة الصرف الصحي هو احتمال كبير غير أن ما يضخ في شبكة الصرف الصحي يتم معالجته معالجة ثلاثية تحوله إلى نواتج مأمونة غير أن إحتمالات التلوث تظل قائمة خلال مرحلة النقل قبل الوصول إلى محطات المعالجة اننا اذاً عرفنا ان شبكة الصرف هذه تغطي فقط حوالي 35% من مدينة الرياض وأن ال65% الباقية تصرف بطريقة بدائية وعشوئاية دون معاملة صحية سليمة فإننا ندرك حجم الخطر القائم نتيجة تسرب هذه الفضلات ميكروبياً وكيميائياً إلى مصادر المياه السطحية وإلى شبكات الري.
إضافة إلى هذه المخلفات البشرية التي تصرفها بوسيلة أو بأخرى والتي تشكل المصدر الأكثر وضوحاً والذي تسلط عليه أغلب الأضواء كملوث أساسي محتمل فإن هناك مصادر أخرى قد تكون أكثر خطورة على المدى البعيد نظراً لعدم الإدراك الكافي لخطورتها من قبل العامة من غير المتخصصين وبالتالي عدم تسليط الضوء عليها ومن هذه المصادر:
1- مخلفات المستشفيات والمؤسسات الصحية والتي تحتوي في الغالبية أنواعاً من الميكروبات الممرضة.
2- النفايات العامة الصلبة والتي تتخلص منها البلدية بطريقة الطمر في مرامي مخصصة خارج المدن وبالذات اذا احتوت على نفايات ميكروبية.
ان خطورة التلوث الميكروبي تتجلى في كونه بخلاف التلوث الكيمائي يزداد تاثيره بمرور الزمن بينما الملوثات الكيميائية والعضوية تتحلل بمرور الزمن وقد تتحول إلى صور غير ضارة, إن النفايات المحتوية على الميكروبات التي يتم التخلص منها بطريقة عشوئاية يزداد محتواها الميكروبي بصورة هائلة وتجد من المواد العضوية الموجودة في بيئتها مصدراً خصباً ينمو ويتكاثر عليه وبالتالي تصبح مصدراً خطيراً للتلوث إذا وصلت إلى مصادر المياه بصورة أو بأخرى.
ولهذه الأسباب المذكورة كان من الضروري معاملة اي مخلفات تحتوي على ميكروبات مرضية أو ضارة معاملة خاصة كفيلة بالقضاء عليها قبل التخلص منها بالطمر أو خلافه, نظراً لأن ردمها وطمرها بالطرق المعتادة المستخدمة للتخلص من النفايات البلدية قبل معاملتها كفيل بتهيئة بيئة مناسبة لتكاثرها وزيادة اعدادها وتراكمها بحيث تغسل أعداد هائلة منها بواسطة مياه الأمطار أو السيول إلى داخل الأرض حتى تصل إلى طبقة المياه السطحية وتلوثها.
ومن أفضل الطرق وأأمنها لمعاملة المخلفات المحتوية على الميكروبات قبل التخلص منها طريقة الحرق الكامل INCNIRATION حيث تستخدم على نطاق واسع لمعاملة النفايات الطبية وياحبذا لو أصدرت الجهات المختصة بالبيئة أو وزارة الصحة أنظمة صارمة تلزم جميع المستشفيات والمؤسسات الصحية في المملكة باستخدام طريقة الحرق الكامل INCNIRATION لمخلفاتها قبل التخلص منها.
أما بالنسبة للنفايات البلدية فإنه كان يعتقد سابقاً أنها تتعامل مع نفايات المنازل بصفة رئيسية وبالتالي فإنها لا تمثل خطراً للتلوث الميكروبي أو الكيمائي للبيئة والمياه السطحية غير أن كثير من علماء الميكروبولوجي والمهتمين بالبيئة بدأ يساورهم القلق حول تزايد بعض المخلفات المنزلية المحتوية على مصادر ميكروبية ضارة او ممرضة ويقصد بذلك الكم الهائل من خفائض الأطفال والحفائظ الصحية النسائية التي يتم التخلص منها يومياً مع النفايات المنزلية إلى مطامر البلدليات إن نظرة إلى الكم الهائل الذي تقذفه مدينة بحجم مدينة الرياض من هذه الحفائظ في مطامر البلديات يومياً بما تحتويه من أنواع وأعداد من الميكروبات البشرية الضارة والمرضية والتي تطمر مع النفايات البلدية وتزداد اعدادها يومياً وتتراكم منها كميات اضافية يومياً قد تشكل اذا جرفت مع مياه الأمطار والسؤول في المواسم الممطرة سيلاً يشبه مجاري الصرف الصحي غير المعاملة بما تحتويه من محتوى ميكروبي غير معامل وسوف يتسرب جزء كبير منها إلى داخل الأرض مشكلاً مصدراً خطيراً لتلوث المياه الجوفية السطحية.
إن مياه الشرب من أهم وأخطر وسائل نقل الأمراض الميكروبية المعدية وإنها سريعة سهلة التلوث وتلوثها قد يكون خفياً دون أي تغير في الطعم أو اللون ولا يستطيع الفرد العادي التفريق شكلاً وطعماً بينها وبين المياه النقية.
وخلاصة الأمر أن توفير القدر الكافي من المياه قد لا يكون له جدوى أو منفعة اذ لم يكن قابل للاستعمال البشري الآذمي,, ولكي يكون هذا الماء صالحاً للاستخدام الآدمي فإنه يجب أن يكون في مأمن عن مصادر التلوث الكيميائي والميكروبي, ولكي يكون في مأمن عن هذه المصادر فإنه يجب تحديدها أولاً وإثارة الوعي والإدراك بين العامة والخاصة بهذا الأمر لكي يعي كل فرد منا دوره ويؤديه بأمانة وصدق, والله الموفق،،،،،،،
* استاذ الميكروبيولوجي بقسم وقاية النبات بكلية الزراعة بالرياض

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved