Friday 18th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 4 ربيع الاول


18 عاماً في صحبة ابن باز - رحمه الله - 4
د, محمد بن سعد الشويعر

لم يكن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، يتقيد بوقت الدوام الرسمي، وإن كان يهتم به ويحافظ عليه، لكن وقته كله عمل: ليلاً ونهاراً، بل في الطريق لأي مكان في السيارة، وفي الإجازات أسبوعية أو غيرها ولا يتخلل ذلك إلا أوقات الطعام والنوم والعبادة، فهو محب وحريص على قضاء حوائج المسلمين، والاهتمام بأمورهم.
يقول عن نفسه: إنه لم يأخذ إجازة، منذ تعيّن في القضاء عام 1357ه,, وقد نصحه المسؤولون والأطباء بعدما كبر، وانتابته الأمراض بالراحة، فقال: إن راحتي في قضاء حوائج المسلمين، وإجابة مطالبهم: شفاعة أو فتيا.
ولذّته في تفهم أحوال المراجعين، والاستئناس بمساعدتهم، حيث كان يحث من حوله بذلك، ويقول إنما تنصرون بضعفائكم، وبهم يوسّع الله عليكم في الرّزق.
كما كان يهتم بطلاب العلم، ويرتاح في الجلوس لهم، وإلقاء الدروس عليهم، حيث يرى هذا واجباً من لوازم طالب العلم,, ويبذل لهم من وقتةه وماله، ما يستطيع به إراحتهم، وإعانتهم على طلب العلم.
وعن هذا أخبرني رحمه الله، أن طلاب العلم تكاثروا عليه - رحمه الله - في الخرج، فكان يؤويهم في مسكنه الصغير، ولما زاد عددهم، وضاقت بهم النفقة، وعجز عن الإيواء، وموارد الدولة ذلك الوقت كانت شحيحة، قال: وفي عام 1365ه عندما كنت قاضياً بالخرج، طلبت من الملك عبدالعزيز رحمه الله، عندما جاء للخرج، وزرته في قصره بالخرج: أن يعينني بما يراه، لأن عندي طلاباً يدرسون في حلقة العلم، بالمسجد، وهم فقراء، ولا مصدر لهم في المعيشة، ولا استطيع إيواءهم، والصرف عليهم، لأن مخصص القضاة والأمراء، من البر والتمر، ويسمى بروة قليل ولا يفي، ولا يأتي إلا عند قطف الثمار، ولم تكن تلك المخصصات نقدية، ولا تصرف شهرياً.
ولما عرضت الأمر على الملك عبدالعزيز - رحمه الله-، أجابني بقوله: ليس عندنا شيء، وإن جاز لكم وإلا اترك,.
وكان للملك عبدالعزيز رحمه الله هيبة، ولم أحب مراجعته في الأمر، بل فرحت بذلك، حيث هذه فرصة للابتعاد عن القضاء, فذهبت من الخرج إلى الرياض، ودخلت على الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، وأخبرته بما صدر عن الملك عبدالعزيز، رحمه الله، ولذا فإنني أترك القضاء، بناء على ذلك.
فقال الشيخ محمد رحمه الله: ما يصير نحن محتاجون إليك، ويجب أن ترجع لمقر عملك، وأنا أتفاهم مع الملك في الأمر، ولا يكون إلا كل خير إن شاء الله.
ذهب الشيخ محمد - رحمه الله - للملك عبدالعزيز، وتحدث معه، وذهب لولي العهد - الملك - سعود رحمه الله، وأقنعهما بأهمية ذلك، وأن طلاب العلم في حاجة لما يعينهم على التفرغ لطلب العلم, فلان قلب الملك عبدالعزيز وأمر بمساعدة أعطيت لي لصرفها على طلاب العلم نقوداً، وقال ولي العهد، سعود - رحمهما الله - وأنا مني مساعدة للطلاب ثلاثة آلاف ريال,, فبعثت المساعدتان منهما إلى الشيخ عبدالعزيز بن باز، ليكون الصرف لطلاب العلم على نظره,, قال الشيخ عبدالعزيز لي: وهذه أول مرة نتسلّم فيها نقوداً، لأن المرتب كما قلت في السابق يصرف من الثمرة وقت الحصاد: براً وتمراً.
وكان من حرصه على الطلاب، يهتم بهم، وبما يعينهم على التفرغ للعلم، ويكفيهم مؤنة البحث عما يحتاجون إليه من طعام ومسكن,.
وكان يرتاح للسائل الذي يفهم بذكائه وفطنته، أنه يسأل رغبة في الوصول للحقيقة، والتوقي لدينه اهتماما بإبراء الذمة، والوصول للجواب المقنع، من باب: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون فيجيبه, ويتبسّط معه، ويعيد معه الجواب حتى يرى أنه قد فهم ما يجب عليه,, ولا يضجر - رحمه الله - من التكرار والإعادة.
ولذا جعل الله له المحبة في القلوب، والقناعة مما يقول، ولا أحصي كثرة ما يرد لسماحته من خارج المملكة من رسائل، أو مكالمات، من الدول العربية والأجنبيّة، يظهرون فيها محبتهم لسماحته، واقتناعهم بما يقول، مما يدل على القبول الذي أوجده الله له في كل مكان.
ففي يوم الأربعاء 28/11/1413ه، ونحن مع سماحته في مكة، جاء إليه، جرياً على العادة مجموعة من حجاج الصين الشيوعية، وبعد السلام أخبروا أنهم من العلماء، وعددهم خمسة، وأن لديهم اشكالات وأسئلة قد اختلف فيها العلماء هناك، واتفقوا على قبول رأي سماحته، ويريدون طرح الأسئلة، وتسجيل الجواب، حتى يقتنع جماعتهم، ومعهم مترجم,, فطرحت الأسئلة باللغة الصينيّة، والمترجم يحولها إلى العربية، والمسجل مفتوح، فأجابهم سماحته - رحمه الله - عليها، وهي حول:
- القراءة على الميت، وعند الدفن.
- ما المقصود بالرحمن على العرش استوى.
- التوسل بالقبور وبالصالحين.
- ما يقوله بعضهم هناك: بأنه لا يقال محمد رسول الله، مع لا إله إلا الله.
- وهل يصح أن يشتري الرجل زكاته من الأنعام، بعد تثمينها بسعر أرخص.
وغير هذا من أسئلة طرحت، وقد ارتاحوا لجواب سماحته، وأخذوا معهم الشريط، بعد أن أخذت نسخة منه، وسوف يعرضون هذه الاجابات على جماعتهم ليزول الخلاف بإذن الله.
- ومثل هذا ما حدث في يوم الأحد 4/12/1408ه، ونحن في مكة أيضا، وفي جلسته للناس بعد المغرب، جاء لمجلس سماحته اثنان جزائريان: أحدهما مسنّ، والآخر شاب، فقال لي المسنّ: أريد السؤال؟ فقلت له: هذا الشيخ أمامك فاسأله.
قال: ما اسمه؟,, قلت: الشيخ عبدالعزيز بن باز,, فدهش وبان الاستغراب على وجهه، وقال: كيف أرى الشيخ ابن باز؟, وهو سؤال من لم يصدق، أن الشيخ هو الماثل أمامه بهذه البساطة.
فقلت له: هو هذا؟ قال: سبحان الله هذا الشيخ ابن باز، الذي نسمع عنه، ونتمنى رؤيته، جالس أمامنا بدون حجّاب ولا حرّاس.
قلت له: الحارس هو الله سبحانه، وما عليك إلا أن تتقدم نحوه، وتسأل عما تريد.
فتقدّم الشيخ بأدب، وسلّم وقبّل رأس الشيخ، وسأل عما يريد من شؤون حجه,, فأجابه -رحمه الله - ببساطته المعتادة، وسهّل الأمر عليه، وعلى زوجته التي ولدت منذ أيام، ولا تعرف كيف تقضي حجّها، حيث أخبر الشيخ: بأن بعض العلماء من بلادهم، هوّلوا الأمر له، وصعّبوه عليه, ثم طلب من الشيخ منسكاً للحج، ورمى ما كان في يده، مما أعدّ في بلاده، وفيه تشديد على الحجاج، بغير ما أنزل الله، وما لم يرد عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأعطاهم الشيخ كتابه الصغير: التحقيق والإيضاح,, ووضح لهم بفتوى مكتوبة من أين يحرمون، حيث بان لسماحته بعد الاستقصاء أنهم أنشأوا النية من جدة.
أما إذا كان السائل متعنّتاً ويريد جوابا على مزاجه، فإن الشيخ أولا يعطيه الجواب الصحيح، فإن آنس منه مراجعة ذات هوى، فإنه يزجره، ويغضب لله، وحميّة لشرعه الذي شرع لعباده، ففي أحد الأيام من شهر رجب عام 1409ه، ونحن مع سماحته في مكة: جاء إليه أحد الشباب الملتحين ليسأل سماحته، عن بعض المسائل كالمعتاد، وقد أجابه،لكن الشاب اشتدَّ في النقاش مع سماحته، ولم يراع أدب مجلس العلم، في إحدى المسائل,, فقال له سماحته: يسعنا ما يسع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقف حيث وقفوا,, فقال الشاب: ولكن ظروف الصحابة غير ظروفنا، وزمانهم غير زماننا، ومتطلباتهم غير متطلباتنا,.
فلما سمع سماحته مقالته هذه، أدرك بفطنته مغزاها، فغضب عليه، لأول مرة أراه غضب غضباً شديداً، وقال له: قم, قم,, هل تريد حكماً شرعياً، غير ما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم خير القرون في هذه الأمة، ولن نبلغ مدَّ أحدهم، ولا نصيفه.
وفي يوم السبت 16/4/1411ه، وكنا في مكتب سماحته بالرياض، بعد صلاة الظهر، جاء شاب فسأل سماحة الشيخ قائلاً: كنت مع مجموعة من الشباب، عند أحد الأسواق التجارية بالرياض، وجاء صاحب سيارة فيها مجموعة من الغربيين: لا ندري هل هم أمريكان أو إنجليز أو غيرهما، وعملاً بالأثر: إذا رأيتم الكفار، فحدّوهم على أضيق الطريق، فقد عملنا ذلك بسيارتهم، فهل نؤجر على هذا؟
فأجابه الشيخ بقوله: إن هذا لا يجوز، بل يعتبر من الهبال ويسيء للإسلام أكثر، لما فيه من المخاطر، والاضرار بكم وبهم,, والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا ضرر ولا ضرار , ولا ينبغي مثل هذا الفهم لنصوص الشرع.
ثم سأله الشاب قائلاً: ما رأيكم في عدم بيعهم، أو شرائهم، أو التعامل معهم؟
قال الشيخ: بل ينبغي التقرّب إليهم، وتعريفهم بالإسلام، وأخلاق المسلمين، ليكون في ذلك دعوتهم وتأليف قلوبهم,, أما الذين يهجرون، ويقاطعون في البيع والشراء، فهم من أظهر معاداة للإسلام، وأهله ومعاندة في ذلك,, وكان سماحته عند مثل هذه الحالة يقول: نعوذ بالله من الغلو في الدين.
في يوم من الأيام، في حج عام 1407ه، لاحظت أحد الاخوة الحجاج من مصر، ممن كان في مخيم سماحة الشيخ في منى، يأتي عند الشيخ، وهو يغسل يديه بعد العشاء، فيأخذ بقية الماء الذي غسل به الشيخ يديه، ليغسل هذا به وجهه، ولما قلت له في ذلك أخبرني بأنه قاصد ومتعمّد لهذا العمل، لما يرى فيه من البركة,, فأخبرت الشيخ بينه وبيني، فقال للرجل: هذا لا يجوز، وإنما تبرك الصحابة من الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته,, أما نحن فالله يعاملنا بعفوه,, وعليك أن تعتمد على الله وتدعوه، وتشرب من زمزم، الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم، أما الناس فهم بشر مثلك يخطئون ويذنبون,.
فكان رحمه الله، لا يحب أن يتبرك به أحد، من باب التواضع، وخوفاً من الفتنة، ومثل هذا ما لاحظته في رمضانات متعددة، حيث يأخذ بعضهم اللقمة من يده، والتمرة من يده، وقد أهوى بها إلى فمه,, فينهاهم عن ذلك، ويجدها فرصة ليعطيهم درساً في حقيقة التوحيد، والتوسل والوسيلة.
وفي حج عام 1406ه قدم للمملكة أول وفد رسمي من حجاج الصين الشعبية، بعد الانفتاح والقضاء على الحكومة الخماسية، ويتقدم هذا الوفد بعض العلماء، فجاؤوا للسلام على سماحته، وكان رئيس الوفد شيخاً طاعناً في السن، قد درس في الأزهر، وهو يتقدمهم في المقابلة، وعددهم سبعة,, فقال لي بعد أن سلموا: أين الشيخ عبدالعزيز بن باز؟, ومتى يحضر؟
فقلت له: ها هو ذا الذي سلمت عليه قبل قليل, فلم يصدق,, وكان يتحدث العربية بطلاقة.
فقال: أريد أن أراه في سفرتي هذه؟ وكأنه لم يصدقني, فقلت له: ها هو ذا, ثم أكّدت له ذلك, فقام من مجلسه، وتقدم للمرة الثانية، ليسلِّم على الشيخ,, فأخبرت الشيخ عن رغبته هذه, فقام إليه وتعانقا، ورأيت هذا الشيخ الصيني، يضم الشيخ إلى صدره بحنو ويبكي,, ويقول: الحمد الله الذي أرانيك، فكنا نسمع عنك، ونعتبرك لمواقفك، ونحن في الصين، وخلف الستار الذي ضرب علينا، بأنك أمل المسلمين، ومنقذهم والمدافع عنهم, ثم قال أحد مرافقيه ممن هو في نصف العمر تقريبا: أدعو الله يا شيخ أن تأخذ من عمري عشر سنين، لما لك من نفع للإسلام وأهله، أما أنا فإنسان عادي كغيري من أبناء الإسلام.
ثم زاد الشيخ في البكاء ومعاودة السلام والمعانقة، فما ملكت العبرات الدموع، الإفصاح عن نفسها في هذا الموقف المثير والشيخ الصيني يردد الحمد لله، الذي أرانيك قبل موتي، فقد كنت أتمنى ذلك طوال عمري بعدما وصلتنا أخبارك.
] للحديث صلة[
***
أمنية غريبة
حكى محمد بن الحسن بن المظفّر، قال: حضرت العرض في مجلس الجانب الشرقي ببغداد، في مجلس الشرطة، أيام نازوك فأخرج خليفة نازوك وهو غلامه عجيب، على المجلس جماعة فقتل بعضهم - ومن العجائب أن نازوك وعجيب قتلا سوياً في عام 317ه لما هاجم الجند دار الخلافة وخلعوا القاهر وأعادوا المقتدر للخلافة كما جاء في الكامل - .
ثم أخرج غلاماً حدث السنّ، مليح المنظر فرآه محمد، لما وقف بين يدي خليفته نازوك تبسّم, فقلت: يا هذا، أحسبك رابط الجأش، لأني أراك تضحك، في مقام يوجب البكاء، فهل في نفسك شيء تشتهيه؟
فقال: نعم، أريد رأس خروف حاراً، وخبز رقاق.
فسألت صاحب المجلس، أن يؤخر قتله إلى أن اطعمه ذلك، ولم أزل الطف به، إلى أن أجاب وهو يضحك أيضاً مني ويقول: أي شيء ينفع هذا، وهو يقتل؟
قال: وأنفذت من أحضر الجميع بسرعة، واستدعيت الفتى، فجلس يأكل غير مكترث بالحال، والسيّاف قائم، والقوم يقدّمون فتضرب أعناقهم.
فقلت: يا فتى أراك تأكل بسكون وقِلة فكر.
فأخذ قشّة من الأرض، فرمى بها رافعاً يده، وقال وهو يضحك: يا هذا إلى أن تسقط هذه إلى الأرض، مائة فرج.
قال: فوالله ما استتم كلامه، حتى وقعت صيحة عظيمة، وقيل: قد قتل نازوك.
وأغارت العامة على الموضع، فوثبوا بصاحب المجلس، وكسروا باب الحبس، وخرج جميع من كان فيه.
فاشتغلت أنا عن الفتى، وجميع الأشياء من حولي، بنفسي، حتى ركبت دابتي مهرولاً، وصرت إلى الجسر، أريد منزلي، فوالله ما توسّطت الطريق حتى أحسست بإنسان قد قبض على أصبعي برفق، وقال: يا هذا، ظنّنا بالله - عز وجل - أجمل من ظنك، فكيف رأيت لطيف صنعه.
فالتفتّ، فإذا الفتى بعينه، فهنأته بالسلامة، فأخذ يشكرني على ما فعلته، وحال الزحام والناس بيننا، وكان آخر عهدي به, ]الفرج بعد الشدة 5:92-93[.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved