الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى اله وصحبه ومن والاه: وبعد ذكرت في حلقة ماضية شيئاً من فضل علماء هذه البلاد وشيئاً من حقهم علينا، ولا شك ان التعامل معهم يعني موالاتهم ومحبتهم.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله (فيجب على المسلمين بعد موالاة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن خصوصاً العلماء الذين هم ورثة الانبياء الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر) أ ه.
وقال ايضا: (وليس لاحد ان ينتسب الى شيخ يوالي على متابعته، ويعادى على ذلك، بل عليه ان يوالي كل من كان من اهل الايمان، ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يخص احداً لمزيد موالاة الا اذا ظهر له مزيد ايمانه وتقواه، فيقدم من قدم الله ورسوله ويفضل من فضله الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) اه,.
إذاً فموالاة العلماء ومحبتهم انما تكون على ما عندهم من الكتاب والسنة وليس لذواتهم واشخاصهم، وكذا موالاة المؤمنين عامة ليست لذواتهم واشخاصهم انما لما عندهم من الاسلام والايمان، وهذا ينفي التعصب ويقضي على التفرق، فليس لاحد ان ينصب شخصاً يوالي عليه ويعادي عليه ويتعصب لاقواله وافعاله الا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله (وليس لاحد ان ينصب للعامة شخصاً يدعو الى طريقته ويوالي ويعادي عليها غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلاماً يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما اجتمعت عليه الامة، بل هذا من فعل اهل البدعة الذين ينصبون لهم شخصاً او كلاما يفرقون به بين الامة، يوالون به على ذلك الكلام او ذلك الشيخ ويعادون) ا ه
وان من اصول التعامل مع العلماء عدم القدح والطعن فيهم، والحذر من تخطئتهم بغير علم، والتماس العذر لمن اخطأ منهم او صدرت منه هفوة.
وان من اهم ذلك ان تكون المرجعية اليهم لما عندهم من علم بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الامة ولما اتصفوا به من الحكمة والاناة والتروي في الحكم علىالامور بعد التثبت من صحتها وخاصة في الفتن كما قال الله تعالى (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً).
ومن اعظم قواعد التعامل مع العلماء ان يتثبت عنهم في النقل، فلا ينقل عنهم الا ما تلفظوا به على وجهه من غير زيادة ولا نقصان فلا يحمل كلامهم - بعد صحته - فوق محمله ولا يقصر عن معناه المراد.
وان اخذ العلم عن علماء هذه البلاد يعتر امتداداً لتاريخ تناقل العلم بين المسلمين المتمسكين بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه، منذ القرون المفضلة الى عصرنا هذا، حيث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله كما جاء في الحديث، ويتمثل هذا التلقي المتسلسل الموزون في امور:
1- دراسة العلم عليهم ونقله عنهم بامانة واخلاص, 2- ان تكون هذه الدراسة مبنية على فهم الاصول والقواعد التي بنوا عليها علمهم, 3- ان نتعامل معهم كما تعاملوا مع مشايخهم، وذلك بالآداب المرعية عند الطلب، وذكرت أهمها فيما مضى من موالاتهم على الحق ومحبتهم ورعاية مراتبهم والحذر من القدح فيهم، والحذر من تخطئتهم بغير علم، والتماس العذر لهم، والرجوع اليهم، والصدور عن رأيهم، والتثبت في نقل الاخبار عنهم، والحذر من زلاتهم.
قال ابن القيم رحمه الله: ولا بد من أمرين:
احدهما وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيههم عن الاقوال الباطلة المتناقضة لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى والبينات التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين واخراجها منه وان ادخلها من ادخلها بنوع تأويل.
والثاني: معرفة فضل ائمة الاسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وان فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح اقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، (الواجب) قصد السبيل بينهم، فلا نؤثم ولا نعصم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك مسلكهم انفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فانهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كل اقوالهم ولا يهدرونها,, ولا منافاة بين هذين الامرين لمن شرح الله صدره للاسلام وانما يتنافيان عند احد رجلين:
- جاهل بمقدار الائمة وفضلهم.
- او جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا ان الرجل الجليل الذي له في الاسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الاسلام واهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز ان يتبع فيها، ولا يجوز ان تهدر مكانته وامامته ومنزلته من قلوب المسلمين أ ه
* المدير العام لفرع وزارة الشؤون الاسلامية بمنطقة حائل