Friday 18th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 4 ربيع الاول


وقفات مع إطلالة عام جديد
الشيخ/ محمد بن صالح العبيد*

الحمد لله وحده والصلاة على من لا نبي بعده وبعد:
فهذه وقفات ينبغي لكل مسلم ان يقفها مع إطلالة كل عام جديد.
وما هذه الوقفات مع كل إطلالة إلا ذكرى لاولي الالباب وموعظة ونصيحة لمن كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد فأقول مستعينا بالله:
الوقفة الاولى: نظرة في النفس:
لقد رأينا في العام الذي مضى وانصرم اقواماً ذلت بعد عز، وأقواماً عزت بعد ذلة، وافتقرت بعد غنى، أو اغتنت بعد فقر، او هانت بعد كرامة او اصبحت في كرامة بعد هوان، وانقلبت في خوف بعد امن وانقلبت في أمن بعد فزع.
( يقلب الله الليل والنهار ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار)، (وتلك الايام نداولها بين الناس)، ولا يدوم شيء على حال في هذه الدنيا، فسبحان الذي يغير ولا يتغير، وسبحان من بيده مقاليد الامور كلها.
ان اعمارنا,, وأيامنا,, وسنواتنا,, هي رأس مالنا في هذه الدنيا، بل هي خلفة نتقلب فيها بين ليل ونهار، وظلام وضياء، وصباح ومساء,, ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن اراد ان يذكر او اراد شكوراً)
قال الحافظ ابن كثير: جعل الليل والنهار يتعاقبان توقيتاً لعبادات عباده له عز وجل، فمن فاته عمل بالليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل بالنهار استدركه بالليل.
وقال قتادة: فأروا الله من اعمالكم خيراً في هذا الليل والنهار فانهما مطيتان تحملان الناس إلى آجالهم تقربان كل بعيد وتبليان كل جديد، وتجيئان بكل موعود إلى يوم القيامة, ان كل يوم يمر وكل ساعة تمضي تدنيان من الاجل.
يسر المرء ما ذهب من الليالي
وإن ذهابهن له ذهابُ
العقلاء يتبصرون في مضي الساعات والدقائق والليالي والايام يرون انها مراحل يقطعونها إلى الدار الآخرة حتى يبلغوا آخر نفس يتنفسونه، وآخر لقمة يأكلونها، وآخر حال يكونون عليه.
ان مضي الليل والنهار يباعدنا من الدنيا ويقربنا من الآخرة، فطوبى لعبد اغتنم حياته بما يقربه إلى مولاه، وطوبى لعبد شغل الليل والنهار اللذين مضيا فيما يرفعه في الدرجات ويجنبه المعاصي والسيئات، وطوبى لعبد اتعظ في هذه الاحوال.
طوبى لعبد استدل بتقلب الليل والنهار على ما في ذلك من الحكم البالغة لاولي الالباب, والابصار.
قال تعالى: (يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) الم تر هذه الشمس كل يوم تطلع من مشرقها وتغرب من مغربها، ان طلوعها ثم مغيبها ايذان بأن هذه الدنيا ليست بدار قرار وانما الدنيا طلوع وبدو ثم زوال وانقضاء.
ألم تر هذه الشهور: نرى الهلال صغيراً يولد كما يولد الطفل صغيراً ثم ينمو الهلال رويداً رويداًكما تتكامل الاجسام حتى تكون بدراً تاماً فاذا تكامل البدر واستكمل القمر اخذ بالنقص والاضمحلال، وهكذا الانسان ينمو صغيراً ويشب في كبر الى ان يبلغ اوجه، ثم يرجع الى ضعف وشيبة، ثم ربما يبلغ حال من لا يعلم بعد علم شيئا.
فان كنت تبغي العز تبغي توسطاً
فعند التناهي يقصر المتطاول
توقى البدور النقص وهي أهلة
ويدركها النقصان وهي كوامل
ربما يؤمل الانسان بطول العمر، ويتسلى بأنواع الاماني، فاذا بحبل الامل قد انصرم، وبناء الاماني قد انهدم، ومع إطلالة عام جديد ينظر المرء في بدايته الى ان هناك مضماراً بعيداً في هذه السنة ومجالاً وشوطاً بعيداً في اشهرها وايامها وساعاتها,, ولياليها لكنه اذا دخل العام الجديد - وان كنا ننظر اليه نظرة بعيدة - سرعان ما تمر الايام فيه فينصرم العام كلمح البصر فاذا نحن في آخر العام، وهكذا عمر الانسان يتطلع الى آخره تطلع البعيد فاذا به قد هجم عليه الموت قبل ان يعد للامر عدته.
زيادة المرء في دنياه نقصان
وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حض لاثبات له
فان معناه في التحقيق خسران
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً
بالله هل لخراب الدهر عمران
ويا حريصاً على الاموال يجمعها
انسيت ان سرور المال احزان
اقبل على النفس فاستكمل محاسنها
فانت بالنفس لا بالجسم إنسان
ومع إطلالة هذا العام الهجري الجديد هل ينظر المرء الى نفسه ويستكمل محاسنها، وهل يلمس الداء فيها ويطلب الدواء لها ويعالجها,,؟؟!
الوقفة الثانية: عوامل وحدة الامة:
لقد عاشت امة الاسلام حقبة من الزمان في ظل وحدة تلم شتاتها وتوحد صفها وكلمتها وتحوط الامور برعايتها وعنايتها وتحقيق ما يصلح شأنها، وما زال الحال بالمسلمين من نقص الى مثله ومن انحدار الى اسفل منه حتى انتهى الامر اليوم الى ما ترون وتسمعون، وقد مر بالمسلمين في فترات ماضية انواع والوان مما حل بهم اليوم ولكن لا اظن منصفاً او عاقلاً متأملاً - بنظرة شاملة - يقول انه مر بالمسلمين فيما مضى مثل ما حل بهم في هذا الزمان، او مثل ما حل بهم في مثل هذه الحقبة او هذا العصر، ولستم بحاجة ان نفصل لكم ما نعنيه بما اصاب المسلمين، فترى كثيراً من المسلمين يجهلون الاسلام جهلاً مطبقاً ، ولا يعرفون عن الاسلام الا اسمه، والانحراف عن العقيدة السوية امر منتشر عند كثير من المسلمين ايضاً، وفشو البدع وغزو المسلمين في اخلاق شبابهم وعفاف نسائهم ناهيك عما حل بأعراضهم من استباحة، وما حل بأراضيهم من سلب وما حل بأموالهم من نهب، وما حل بدمائهم من نزيف، وما حل بجروحهم من تغور، ثم اصبح اجتماعهم فرقة وبات حال الواحد منهم يرى ان الموت بات امنية والفراق من الدنيا اجل اغنية,
كفى بك داء ان ترى الموت شافياً
وان المنايا قد غدون امانيا
او كما قال بعضهم
ألا موت يباع فنشتريه
وهذا العيش ما لا خير فيه
ألا رحم المهيمن نفس حر
تصدق بالوفاة على اخيه
وهل يلام من قال اليوم ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً ؟!
وهو يرى تسلط ابناء القردة والخنازير - اليهود- الحفنة القليلة: يرى تسلطهم على الامة العظيمة وهو يرى ويبصر حروباً وقودها جماجم المسلمين وحصادها اعراضهم وارواحهم، وهل يلام على ذلك وهو يرى الذين تدخلوا في شؤون المسلمين باسم حقوق الانسان يراهم لا يعتبرون لمسلم قدراً ولا يحسبون له حساباً،حتى ولو وطئت المجنزرات والدبابات اشلاءهم او سورته المدافع من حوله واضلته القاصفات السابحات من فوقه او ضل في الجبال والادغال يطالب بادنى حقوقه ويفنى ويضيع ويذهب كثير منهم فهل تحس منهم من احد او تسمع لهم ركزاً كل هذا فهل يلام من يرى ما حل بالمسلمين وهو عاجز ان يتمنى ان قد مات قبل هذا وكان نسياً منسياً.
ان ما مضى بمجموعه لا يساوي اشد طعنة طعن بها المسلمون وهي ضرب المسلمين في وحدتهم، وتفجير العصبيات والقبليات في اوساطهم، وتشجيع التحزب على الضلالات والشعارات، حتى اصبح الحديث عن وحدة المسلمين عند القوميين جريمة وعند العلمانيين خرافة، وعند المنهزمين اضغاث احلام.
* إمام مسجد الرصيص الثاني بالرياض


رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المتابعة
أفاق اسلامية
شعر
عزيزتي
الرياضية
تحقيق
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved