هناك حقيقة جذرها دائم الخضرة تأخذنا من الظلمات وتقول لنا يوميا: إن هدم أي بيت على هذه الأرض التي نسكن، مهما تعددت صور هذا الهدم، عملية بسيطة جدا لا تحتاج غير معول قوي يستطيع انجاز المهمة في أسرع وقت ممكن، وقد لا يستغرق أكثر من ثوان قليلة، كما نرى ذلك واضحا في عمليات هدم العمارات والمباني الكبيرة عن طريق تلغيمها بالمواد المفجرة ولكن عملية البناء المتأسس على قواعد قد يستغرق عدة أعوام.
هذه الحقيقة تنطبق، بكل معانيها، في أيامنا هذه على ما يجري من أحداث تراجيدو كوميدية وميلودرامية في كوسوفو بعد دخول قوات حفظ السلام المدعومة من الأمم المتحدة وانتشارها في الاقليم المنكوب تحت قيادة حلف الناتو.
بين التدمير والتعمير مسافة أكبر مما يتصورها عقل أدق الكمبيوترات المعروفة لنا واذا كانت حملة تهيئة الأرض للعودة قد كلفت مئات المليارات من الدولارات فإن العودة والقيام بعملية البناء من جديد، ليس في كوسوفو فقط، إنما في سائر بلدان البلقان في حاجة الى آلاف المليارات من العملة الصعبة التي على دول العالم ان توفرها من ميزانياتها العامة، أو ان تسحبها من مخزونها الاحتياطي أو ربما تقوم بفرض ضرائب جديدة على مواطنيها اضافة الى مجموعة من الأسئلة الصعبة التي تصفع وجه أي مراقب محايد قد يحصل على أجوبة شافية عليها وقد لا يحصل.
كيف سيعود الكوسوفيون الهاربون من الموت الى ديارهم؟, وماهي الاجراءات القانونية الواجب على أهالي كوسوفو اتخاذها للتمكن من العودة الى بلادهم خاصة وان القوات الصربية ذات الروح الشيطانية قد قامت باتلاف وثائق مئات الآلاف منهم واحراق ملكياتهم العقارية بصورة منظمة من أجل تجريدهم من أي دليل قانوني يثبت هوياتهم التي تؤكد انهم من سكان هذا الاقليم, وكم عدد الحواجز التي سترفع أمامهم في طريق العودة بعد نزع الألغام؟
واذا عادوا كيف سيتمكنون من اعمارها وهم لا يملكون غير فراش الأرض ولحاف السماء والقليل القليل من الوجبات التي لا تسكت صرخات الجوع؟ سهل هو الهدم وصعب هو البناء, أي علاقة ستكون بين الصرب المنتمية أصولهم الى تراب كوسوفو والتي بقوا فيها بعيدين عن المشاركة في عملية التطهير التي قامت بها حكومة بلغراد ضد مسلمي كوسوفو وبين مليون غاضب عائد من مخيمات النزوح والتشرد؟ والى اين ستصل العلاقة بين جيش تحرير كوسوفو وحلف الناتو بعد شهري عسل فرضتهما طبيعة حكومة بلغراد؟
وما مصير حكومة المنفى التي تشكلت بقيادة ابراهيم روغوفا وهل سيرضى جيش تحرير كوسوفو به كزعيم لهذا الاقليم؟.
وكيف ستتمكن وكالة غوث اللاجئين من القيام بمهماتها الانسانية وهي لا تمتلك الامكانيات المالية الضخمة التي تحتاجها لتنفيذ مثل هذه المهام الصعبة؟.
هل عرفنا الآن الفرق بين سهولة الهدم وصعوبة البناء, أرجو ذلك.
|