ابصر سقراط النور عام 469 ق,م في اثينا، ومن الغريب الا يترك هذا الفيلسوف والمفكر الكبير اثرا مكتوبا، وانما كانت كتابات تلميذه - افلاطون - هي الوسيلة الوحيدة، التي نقلت الى العالم فيما بعد - فلسفته في الحياة - والتي قامت على استنباط الحقائق الكبرى، من الحوار مع الناس، فقد اعتاد سقراط، ان ينزل الى اسواق اثينا، ويقابل الناس من مختلف الفئات، دون تمييز بين صغير وكبير، غني وفقير، عالم وجاهل، يجادلهم جميعا، ويستخلص الحكمة من خلال احاديثه معهم.
وكان شعاره الفلسفي يتلخص في عبارة بسيطة هي:
اعرف نفسك ,, وعندما بلغ سقراط العقد السابع من العمر، وجد نفسه في مواجهة قاسية مع حكام اثينا، الذين نعتهم بالاستبداد والطغيان.
وهكذا وجّه اليه اعداؤه مجموعة تهم ابرزها، اتهامه بافساد الشباب الذين التفوا حوله، مأخوذين بسحر حديثه الفلسفي، وافكاره الجديدة والجريئة، فحوكم، وسجن ، وقضى في سجنه اسابيع، ينتظر الحكم عليه بالموت، غير مبال باغراء اصدقائه له، بالفرار من السجن وغير مبال باستعطاف القضاة للعفو عنه.
لقد دافع سقراط، عن التهم الموجّهة اليه، دفاعا مقنعا، ومثيرا، لكن ذلك لم يجده نفعا، فقضي عليه ان يموت عن طريق تجرع السم.
لم يكن سقراط، ليبالي بالثروة، والرفاهية، مما اثار نقمة زوجته عليه، وقد حفلت الاخبار عن سقراط، بمشاكسات زوجته له ، فقد كانت لا تني تصيح به وتؤنبه، وهو منصرف الى مطالعة الكتب، فلم يأبه بها، وفي احدى المرات كان بين يديها وعاء مملوء بالماء فسكبته عليه انتقاما، فقال لها ببرود: مازلت تبرقين، وترعدين، حتى امطرت .
وكثيرا ما كان يتحدث سقراط - القلق في حياته الزوجية - عن مساوىء الزواج، امام عدد من الشبان,, الا انه كان يشجعهم في نهاية كلامه، على الزواج، بقوله:
ينبغي ان يتزوج الشاب، على كل حال,, فاذا رزق بزوجة حكيمة، مخلصة ، غدا سعيدا، واذا رزق زوجة مشاكسة، غدا فيلسوفا .
وكثير من الباحثين، رأى في عدم استقرار سقراط الزوجي الهاما، حرضه - في اللاوعي - نكد زوجته له، وعلى الرغم من سعة علمه، وعمق معرفته، فقد كان لا يكف عن سؤال الناس، حول امور يجهلها، ومن اشهر ما يروى عنه، ان شخصا سأله مرة هذا السؤال: ماذا تعرف؟ .
فأجاب: انني اعرف شيئا واحدا، وهو أنني لا اعرف شيئا .
امتاز اسلوب سقراط بالسخرية والتهكم، وقد اعتمد هذا الاسلوب، في تسفيه اراء خصومه، وقد وضع فيما بعد اكثر من كتاب عن سخرية وتهكم سقراط، كما نقلت عنه قصص واحاديث ، ومواقف، ونوادر ، تبرز هذا الجانب لديه.
من ذلك - مثلا - قول سقراط: ان الموت والحياة سواء فقال له احدهم: مادام الامر كذلك، فلم لا تقتل نفسك؟ فأجاب:
قلت انهما متساويان، فاذا قتلت نفسي، فسأبدو وكأني افضل الموت على الحياة .
وسقراط كان يمتلك موهبة السخرية حتى في موته.
فمن المعروف عنه، انه كان فقيرا، معدما، ويقترض الدجاج من حين لاخر، كي يأكل.
وقبيل ان ينفذ حكمه بتجرع السم ويموت، تذكر انه قد اقترض ديكا، من احد الاشخاص، ولم يدفع ثمنه, ويحكي ان آخر عبارة، نطق بها قبل موته، هي قوله لاحد اصدقائه، ان يدفع ثمن ذلك الديك, ويقال ايضا,.
ان سقراط دعا جماعة من الناس للطعام في بيته ، فلما رأى احد اصدقائه بساطة مائدته قال له:
كان الاجدر بك ان تزيد اهتمامك بضيوفك .
فأجابه سقراط على الفور:
اذا كان ضيوفي عقلاء، فعلى المائدة ما يكفيهم ، وان لم يكونوا عقلاء، فعلى المائدة اكثر مما يستحقون,, ,,
هكذا هو سقراط باختصار بدأ عالما وفيلسوفا جاب صيته الاصقاع، وانتهى معدما، ومدينا بثمن ديك.
|