** في الثلاثين من هذا الشهر يونيو حزيران من عامنا الحالي 1999م سيتخذ رائدا الفضاء الروسيان ديمتري وتانيا، مكانهما على متن المحطة مير، لانجاز مهمة ممتعة وخاصة جدا، وهي لاتتضمن القيام بتجارب علمية، ولا إجراء تحاليل جيو فيزيائية، وإنما تقتصر على انجاب مولود في الفضاء.
فهل سيكون طفل الفضاء القادم، مثل سائر أطفال الارض، ام انه سيختلف عنهم؟!,.
بداية الرحلة,.
لم يكن فيتالي دوبرتيش - مدير اكبر بنك خاص في روسيا - ليفوت عليه ابداً، متابعة انطلاق آخر الرحلات الفضائية نحو المركبة العجوز - مير - ففي الثاني والعشرين من شباط، في عامنا الحالي 1999م ومن مكتبه في موسكو الواقع على بعد ألفين، وثلاثمائة كيلومتر عن مدينة بايكونور وهي مدينة تقع في كازاخستان وتحوي محطات اطلاق الصواريخ الفضائية، سينتظر فيتالي، ليشاهد آخر طاقم زار المركبة مير، وهو مدرك تماما، ان هذه الرحلة، تعلن نهاية عصر فضائي حافل، لكن السؤال المطروح الآن:
* لماذا تهجر المركبة - مير - هكذا؟!,.
ويتساءل فيتالي:
* لماذا لا نستفيد منها في انجاز عمل مثير ,,,,؟
عمل يعد الاول من نوعه، ويذكرنا بأمجاد وعظمة شمس ترسانة الفضاء السوفيتية الآخذة في الافول سبوتنيك، لايكا، غاغارين، فالنتينا تيرشكوفا، التي استطاع الاتحاد السوفيتي بفضلها إرسال اول امرأة في تاريخ الفضاء، برحلة حول الارض، وبزواج فالنتينا من آندريان نيكولاييف، الذي يعمل في الفضاء هو الآخر، شكلت اول زواج فضائي في العالم,.
ويذكر فيتالي، ان زواج فالنتينا من آندريان، قد أثمر طفلا سنة 1964م لكن الحمل به، قد تم على الارض بعد قيام الزوجين برحلة فضائية معا, لكن,, ماذا لو تم الحمل في الفضاء، وضمن ظروف انعدام الجاذبية ,,,؟!,.
كان هذا السؤال - بداية المشروع - وقد تمكن فيتالي - خلافا لكل التوقعات - من اقناع رئيس الوكالة الوطنية بهذا المشروع، وتعهد بدفع كافة نفقات المركبتين اللازمتين لانجازه (سيوزو، وسيمبوركا) والبالغة ثمانمائة مليون روبل.
ولم يشك فيتالي قط، بأن مشروعه هذا يشكل استثمارا مربحا جدا.
وقبل طرحه لفكرة مشروعه هذا، كان فيتالي قد عثر على طاقم مناسب لرحلته، من بين رواد الفضاء، الذين يستعدون للمشاركة في انجاز المحطة الفضائية الدولية، التي بدئ العمل بها مؤخرا، والطاقم مؤلف من شاب وشابة، هما ديمتري، وكاتيا، ولهما العمر نفسه (28 سنة).
والطريف في هذا المشروع حقا، انه لن تتضمن مهمة ديمتري وكاتيا، القيام بأية تجربة علمية من نوع خاص، ولا ينتظر القائمون على المشروع منهما، اكثر مما ينتظر من اي زوجين تتوفر لهما ظروف الانجاب، ففي الثلاثين من حزيران من العام الحالي 1999م، ستصل المركبة (سيوز 1) في مرحلتها الاخيرة، إلى المحطة مير، حاملة على متناها رائدي الفضاء (ديمتري، وكاتيا) ولا يتوقع ان يحدث شيء في الليلة الاولى، لسبب اول، هو ان رواد فضاء الطاقم السابق - الذي كان من المفترض ان يكون الاخير، سيكون حينئذ - لايزال على متن المركبة مير-.
والسبب الثاني الاهم هو: تأثير ظروف انعدام الجاذبية، على قوى الزوجين الجنسية,.
ويشرح رئيس الاطباء، في مركز التدريب التابع لمدينة النجوم ذلك بقوله:
ان الدم في الايام الاولى، في ظروف انعدام الجاذبية، يتدفق نحو الدماغ، فالقلب على الارض يضخ الدم نحو الدماغ، بقوة اكبر من القوة التي يضخ بها الدم، إلى اجزاء الجسم السفلي، وذلك لمقاومة الجاذبية الارضية، لكن عندما تغيب الجاذبية الارضية، لا يتوقف القلب عن هذا العمل، كما لو ان شيئا لم يحدث، الامر الذي يؤدي، الى زيادة في ضخ الدم نحو الاعلى، وبالتالي يفضي إلى ضعف في اداء القسم السفلي من الجسم, ولحسن الحظ، فإن الامور تعود الى طبيعتها بعد مضي نحو ثلاثة ايام، في ظروف انعدام الجاذبية.
ويقول - فيتالي - مؤكداً أهمية مشروعة:
ان تجارب التناسل في ظروف انعدام الجاذبية اقتصرت حتى اليوم، على الضفادع المخصبة مسبقا، ولم يسبق ان جرت تجربة على التوالد البشري في الفضاء.
اما ديمتري، وهو بطل هذه التجربة - ان صح التعبير - فيعتقد انه بفضل غياب الوزن في الفضاء، يمكن القيام بأمور لايمكن القيام بها على الارض ويؤكد أن ضيوفا كثيرين، سيقصدون الفضاء في العقود القادمة، وهم ينشدون البحث عن لذات جديدة في الفضاء.
لكن السؤال - الاهم - الذي يطرح نفسه هنا، هو:
* ماذا نعرف عن التوالد في الفضاء؟!
حتى يومنا هذا، إن الكائنات الحية الوحيدة، التي رأت النور في الفضاء، هي عبارة عن حيوانات صغيرة, (ذباب - أسماك - ضفادع - فئران).
ويؤكد علماء الاحياء، انطلاقا من المعلومات المتوفرة لديهم، استناداً للتجارب التي اجريت على هذه النماذج في الفضاء، بأن افق التوالد في الفضاء يبدو مظلما,, إذ إن التجارب التي اجريت على بيوض الضفادع مثلا، بينت حدوث تشوهات في النمو عند الاجنة، بعد دخول النطاف الى البويضات مباشرة، ويرجح هؤلاء العلماء، ان ثمة مرحلة حاسمة مدتها - ثلاث ساعات - يكون دور الجاذبية فيها اساسيا، فإذا غابت هذه الجاذبية، توضعت عناصر معينة داخل الخلية، وأدت إلى حدوث خلل في التناظر الثنائي، والتجارب التي جدت خلال الرحلة الفضائية الفرنسية الروسية (انتارسي بيفاس) كانت مهمة جداً.
إذ اجريت تحارب على بيوض احد البرمائيات - خضّبت، وفقست - في الفضاء، وبينت نتائجها حدوث تشوهات في بعض مراحل النمو الجنيني، وفي مراحل تلقيح البويضات اثناء الانقسام الخليوي، وخلال انغلاق الانبوب العصبي.
ويذكر رائد الفضاء الروسي ديمتري ايضا، انه في ربيع عام 1998م، حمل رواد فضاء امريكيين، على متن المكوك الذي يقلهم - فئرانا - لدراسة نمو صغارها في الفضاء، ولسوء الحظ مات نصف هذه الفئران، لعدم عناية أمهاتها بها، وما يبعث على الاستغراب في هذه التجربة، ان عدة امهات من الفئران المحمولة على متن المكوك الامريكي الى الفضاء، قد توقفت عن العناية بصغارها في الفضاء فعلا.
واذن,, انعدام الجاذبية ليس عاملا مهملا في توالد الكائنات الحية الفقارية، بل على النقيض من ذلك، هو يقوم بدور مهم جدا، لاسيما في لحظة حدوث الالقاح، وفي بداية نمو البويضة ايضا.
أطفال مريخيون
وأخيراً يقول ديمتري حول مستقبل الاطفال المولودين في الفضاء:
* سيكون لزاما على الاطفال المنحدرين من آباء ولدوا في الفضاء، ان يبقوا في مدارات لهم حول الارض، إذ إنهم لن يكونوا قادرين على العيش ضمن ظروف الجاذبية الارضية.
وهنا يجدر طرح السؤال:
* ماذا لو تمت ولادة اطفال في المحطات التي ستقام على كوكب المريخ بين عامي 2020 و2030م او بعد ذلك؟
يرى علماء الفضاء، أن ذلك سيكون مختلفا، لان هناك جاذبية على المريخ، وهي ليست جاذبية قوية جدا، وتعادل - ثلث جاذبية الارض - تقريبا, لكنها تكفي - كما يعتقدون - لتجنيبنا التعرض لاخطار، كتلك التي نتعرض لها، ضمن الجاذبية الارضية.
وبالمقابل، فإن جميع الدارسين، والمهتمين، في هذا المجال، متفقين، على انه من اجل اسباب تتعلق بالتوازن النفسي، ينبغي وضع ازواج من الرجال والنساء ليعيشوا في المستعمرات الفضائية المستقبلية.
ومن الطبيعي ان يكون لهؤلاء الازواج، بعض الاطفال,, فهل سيكون هؤلاء الاطفال مريخيين ,,؟!,.
لنأمل على لاقل، ألا يكونوا ضئيلي الحجم، وبلون ضارب الى الخضرة,.
* مترجمة عن العلم والحياة الفرنسية.