الذكاء العاطفي كتاب جديد لصياغة وجدان أكثر إنسانية كيف تبدلت عبارة أتمنى لك يوماً سعيداً بعبارة احترس ,, ! |
القوى المحيطة بنا تعيد تشكيل حياتنا.
الجيل الحاضر من الأطفال أكثر اضطراباً وأشد عزلة .
تأليف : دانيل جولمان
ترجمة وإعداد : عادل عبدالجواد
* *
تحدي أرسطو
ان يغضب الانسان,, امر بسيط,, ولكن الغضب مع الشخص المناسب وبالدرجة المعقولة وفي الوقت المناسب وللهدف الواضح وبالطريقة المناسبة امر ليس سهلاً.
ارسطو - كتاب الاخلاق.
في عصر احد الايام من شهر اغسطس ,, الجو حار مشبع بالرطوبة في مدينة نيويورك,, الجويثير ضجر الناس ,, بينما كنت متجها الى الفندق,, ركبت الباص من ضاحية ماديسون,, لفت انتباهي تصرف السائق,, استقبلني بابتسامة ودودة,, وكذلك كان يوزع ابتساماته وكلماته المليئة بالترحيب والمودة لكل من يركب الباص,, اهلاً,, كيف حالك,, وكيف حال الدنيا معك
الباص يشق طريقه في زحام المدينة ,, اندهشت - كما اندهش كل راكب مع الاستقبال الحافل لهذا السائق ,, كان الاحساس بالقرف والزهق من الجو الحار والزحام,, عدد قليل من الركاب الذي يرد علىتحية السائق.
اتجه الباص في طريقه,, وسط زحام الشوارع,, لاحظنا تطورا غريبا وبطيئا,, سمعنا السائق وكانه يحدث نفسه في تعليق اثار انتباهنا عندما مررنا على محل قال بصوت مسموع كان هناك تحفيضات كبرى في ذلك المحل,, معرض رائع , هل سمعتم عن الفيلم الجديد الذي عرضته تلك السينما,,
الاحساس بالبهجة واحتمالاتها الكثيرة تنتقل بالعدوى بين الناس,, مع مرور الوقت والباص يقف على المحطات ,,, ينزل الركاب واحداً وراء الاخر,, يشعرون انهم نفضوا عن انفسهم احساس الكآبة الذي ركبوا به الباص,, عندما ينزلون في محطاتهم كان السائق يودع كل راكب بعبارة غريبة الى اللقاء اتمنى لك يوما سعيداً .
كل راكب يرد على أمنية السائق بابتسامة عريضة,.
ظل هذا اليوم عالقاً في ذاكرتي قرابة عشرين سنة,, يوم ركبت الباص من ضاحية ماديسون,, كنت قد انتهيت من اعداد رسالة الدكتوراه في علم النفس.
طرحت علىنفسي هذا التساؤل لِمَ يهتم علم النفس بهذه التحولات في نفوس البشر,, فعالم النفس لايعرف الا القليل او يجهل الكثير عن ميكانيكا العواطف والانفعالات,.
لك ان تتخيل انتشار فيروس العواطف والانفعالات الحميدة,, وقد اجتاح المدينة بدءاً من ركاب الباص - الذي قاده السائق - وهو في ذلك اليوم اشبه بصانع السلام,, قادر علىتحويل الكآبة في نفوس الركاب التي تثير غضبهم ,, استطاع هذا السائق بقدراته البسيطة ان يخفف حدة الكآبة ويفتح قلوبهم قليلاً.
وعلى نقيض ذلك تقرأ في الجرائد هذه الجرائم.
- طفل في التاسعة يتعمد صب الطلاء والبوية فوق ادراج الفصل يخرّب الكمبيوتر والطابعات ,, يخدش السيارات في فناء المدرسة والسبب لهذا التصرف العدواني ان بعضا من زملائه الاكبر منه سنا,, ينادونه انه مازال طفلاً صغيراً,, وقداراد بتصرفاته غير العادية ان يظهر لهم عكس مايقولون.
- شاب يطلق النار على جمهور في احد النوادي الرياضية بعد نهاية المباراة ويصيب ثمانية بجروح خطيرة ,, يقول التقرير ان هذه الرصاصات تعبر عن الاحساس بالازدراء التي ساءت في البلاد في السنوات الاخيرة.
- تقارير اخبارية تتحدث عن ضحايا القتل من الاطفال - تحت سن الثانية عشرة ونسبة 57% من هؤلاء الضحايا نتيجة ضرب احد الابوين او ضرب زوج الأم أو زوجة الاب مبررات القتل كما يشرحها الآباء انهم كانوا يؤدبون اطفالهم، ضرب مبرح افضى الى القتل,, والسبب اخلال بالنظام,, كأن صراخ الطفل,, او يقفل التلفزيون امام احد الابوين,, او توسيخ ملابسه,.
- خبر آخر يتحدث عن محاكمة شاب بتهمة قتل خمس سيدات وفتاة,, اضرم النار فيهم ليلاً,, ينتمي الشاب لجماعات النازية الجديدة ,,ويقول الشاب انه فشل في الاحتفاظ بعمل او وظيفة وقد ادمن الشراب,, ثم القى بحظه العاثر على آلاف الاجانب,, في صراحة واضحة يقول الشاب انه نادم علىمافعل,.
ثم تتوالى الاخبار يومياً حافلة بهذه التقارير التي تظهر تفسخ المدنية وانعدام الامن,, هجوم ضار لنفوس وضيعة تندفع بجنون في الشوارع,.
ولكن تفسير مثل هذا العدوانيات الىتسلل احساس بالعواطف والانفعالات الجامحة في حياتنا وفي قلوب الناس المحيطين,, لم يتعرض احد لمثل هذا المد الغريب من الغضب والانفعالات الطائشة الذي اخترق حياتنا باشكال عديدة.
في العقد الماضي انهالت تقارير توضح صعود العواطف والانفعالات السخيفة يأس,, تهور,, تسود في حياتنا الاسرية ومجتمعنا,, تزامنت تلك السنوات مع ازدياد الغضب واليأس,, سواء بين الاطفال الوحيدين في بيوتهم ساعات طويلة - في غياب الابوين,, يقضون الساعات الطويلة مع التلفزيون او مع احزان اطفال مهجورين مهملين ,, او يتعرضون للمهانة وسوء المعاملة او من العلاقات البذيئة للعنف الاسري,, ونستدل من انتشار الامراض النفسية,, من خلال ازدياد انتشار الاحساس بالاحباط العام علىمستوى العالم,, نقرأ في المذكرات واليوميات ازدياد اعتداء المراهقين بالمسدسات في المدارس ,, ,حوادث الطرق النائية,, والتي تنتهي بالقتل العمد، عمال عاطلون يذبحون عمالا على رأس العمل,, الاساءة العاطفية تدفع للقتل المجنون,, بعد الاحساس بالتوتر.
هذه العواطف الهائجة باتت مألوفة وشائعة في السنوات الماضية,.
وتبدلت عبارة اتمنى لك يوماً سعيداً بعبارة اخرى احترس والكتاب الذي بين يديك هو محاولة لفهم اللاوعي,, وانا كطبيب نفسي عملت سنوات طويلة صحفيا في جريدة نيويورك تايمز,, اتاحت لى الفرصة ان اتتبع بشغف علمي بمملكة العقل,, فوجدت نفسي بين اتجاهين:
اتجاه يرسم نمو وتزايد الاحساس بالبؤس والتعاسة في حياتنا الوجدانية واتجاه اخر يقدم علاجات واقتراحات مفعمة بالامل,.
لماذا الاهتمام بالعواطف الآن
في السنوات الاخيرة رغم انتشار اخبار الجرائم الفظيعة,, فقد لوحظ ايضا ظهور دراسات علمية جديدة للعواطف والانفعالات,.
اكثر هذه الدراسات اثارة هي استكشاف مملكة المخ اثناء العمل من خلال سبل مبتكرة مثل تكنولوجيا تصوير المخ، بهذه التكنولوجيا المتقدمة استطاع الانسان لاول مرة في تاريخه رؤيةالمخ,, الذي كان غامضاً لعصور طويلة,, من خلال تصوير المخ,, استطاع الانسان ان يفسر كيف تعمل هذه الكتلة المعقدة من الخلايا في المخ,, اثناء التفكير والاحساس والتخيل وحتى أثناء الحلم النوم .
وهذا الفيض الهائل من المعلومات بيولوجيا الاعصاب,, سهل علينا الفهم بشكل واضح ان مراكز المخ للعواطف هي التي تحركنا نحو الغضب او الى البكاء,, وكيف ان اجزاء قديمة من المخ تثيرنا لنقوم بالقتال كما تدفعنا لممارسة الحب,, فهذه المراكز توجهنا نحو الافضل او للاسوأ وهذا التفسير والكشف عن عمل العواطف وفشلها يضع في الاولويات بعض السبل الجديدة لعلاج ازماتنا العاطفية.
كان لزاما عليّ ان انتظر طويلاً حتى يكتمل الحصاد العلمي لاعداد هذا الكتاب فقد تأخرت هذه الاستنتاجات في ظهورها علىنطاق واسع,, لان مكانة المشاعر في الحياة العقلية للانسان,, قد اغفلتها الابحاث العلمية سنوات طويلة تاركة القارة المجهولة من العواطف للابحاث العلمية النفسية.
في هذا الفراغ الشديد ظهرت فوضى الكتب والاجتهادات الفردية التي تتضمن نصائح طبية تعتمد علىملاحظات إكلينيكية,, ولكن تفتقر في كثير من الاحيان إلى أسس علمية استطاع العلم اخيراً ان يتحدث بكل ثقة عن هذه القضايا الملحة والمحيرة للنفس البشرية بانها غير عقلانية,, بل يصنفها بشيء من الدقة من ناحية القلب البشري.
وقد اتاح هذا التصنيف الجديد للعواطف تحدياً لاولئك الذين يميلون الىالرأي القائل بان الذكاء العقلي فطري محدود ولايمكن تغييره من خلال تجارب الحياة وان مصيرنا في هذه الدنيا معقود بشكل كبير علىهذه الاستعدادات الفطرية للقدرات العقلية,, وقد تجاهل هذا الرأي قضية مثيرة للجدل وهي:
ماذا نفعل لنساعد اطفالنا من اجل حياة افضل؟
ماهي العوامل التي تجعل اناسا يتمتعون بذكاء عقلي كبير يتخبطون في حياتهم بينما اخرين يتمتعون بذكاء اقل يمارسون حياتهم بشكل مدهش وناجح.
يمكن ان نبرهن ببساطة بان الاختلاف بين الفريقين يقع غالباً في القدرات التي تسميها الذكاء الانفعالي والتي تتضمن ضبط الذات,, الحماس
الاصرار والقدرة علىتحفيز الذات ,, كل هذه المهارات كما سنرى يمكن تعليمها للاطفال - لنتيح لهم فرصة افضل لاستغلال قدراتهم العقليةالموروثة.
وراء هذا الاحتمال,, يلوح في الافق واجبات اخلاقية ملحة,, في هذا الزمن الذي تنهار فيه القيم الاخلاقية من المجتمع,, وتسود الانانية ويزداد العنف ووضاعة النفس البشرية,, كل هذه المتغيرات تؤثر في سلامة حياتنا المشتركة ومن هنا يزداد الجدل حول اهمية الذكاء العاطفي المتوقف على العلاقة بين الوجدان الشخصي والاخلاق الغريزية, فهناك دليل متزايد بان المواقف الاخلاقية الرئيسية في الحياة تنشأ من خلال القدرات الانفعالية المعروفة ضمنياً فالاندفاع هو وسيط الانفعال وبذور كل تهور كما انه احساس يتفجر تعبيرا عن نفسه من خلال التصرف والعمل أولئك الذين يعيشون تحت رحمة النزوة ويفتقرون الى ضبط الذات يعانون في الاساس من نقص اخلاقي,, فالقدرة على ضبط التهور والاندفاع هو اساس الارادة والشخصية,, وللسبب نفسه فان جذور حب الغير وتقديم الاخرين علىالنفس يبدأ من التقمص الوجداني,, والقدرة على قراءة انفعالات الاخرين,, اما الافتقار الى الشعور بحاجة الاخرين او اليأس فانه يؤدي الى عدم المبالاة.
يشيع في عصرنا الحالي اتجاهان اخلاقيان هما باختصار شديد:كبح النفس والشفقة.
رحلتنا:
اقدم في هذا الكتاب - من خلال الاراءالعلمية ماهية العواطف والانفعالات وهي نزهة تهدف الىفهم اعمق لبعض اللحظات التي تسبب لنا اضطرابات في حياتنا وعالمنا,, وفي نهاية الرحلة نفهم ماذا يعني الذكاء الانفعالي,.
وكيف يتولد من خلال فهمنا لهذه المشاعر من الناحية العلمية, الفهم العميق لهذه المشاعر يساعدنا الىدرجة كبيرة في ادراك مملكة الوجدان التي لها تأثير كبير على حياتنا اليومية.
تبدأرحلتنا مع اكتشافات جديدة للتكوين العاطفي في المخ الذي يفسر معظم اللحظات الحرجة في حياتنا,, عندما يصبح الانفعال متفوقاً على العقل والمنطق,.
وفهم تفاعل هذه التركيبات في المخ والتي تتحكم في لحظات الغضب والخوف او في اظهار لحظات الحب والسعادة,, تكشف عن طريقة تعلم العادات الوجدانية التي تعوض مفاهيمنا وعزمنا, كما تكتشف ايضا - ماذا نفعل لنروض نزواتنا العاطفية المدمرة او العواطف الانهزامية.
ابرز هذه الاكتشافات هي المعرفة المتعلقة بالاعصاب,, والتي توحي بان الفرصة مازالت قائمة لتشكيل وتكوين العادات الوجدانية لاطفالنا.
الجزء الثاني من هذا الكتاب هو في النظر للافتراضات لعلم الاعصاب التي يطلق عليها الذكاء الوجداني.
وهو ان يكون قادراً على كبح جماح التهور والاندفاع الانفعالي, وان يكون قادراً على قراءة المشاعر الدفينة للاخرين.
وان تكون علاقاته معهم سهلة سلسة,, وكما وصفها ارسطو انها قدرة ومهارة نادرة ان تغضب مع الشخص المناسب وبالدرجة المناسبة وفي الوقت المناسب وللسبب المطلوب وبالطريقة المقبولة امر ليس يسيراً.
هذا النموذج المتسع لما نقصد به ان تكون ذكيا يضع المشاعر في مركز قابلية الحياة
اما الجزء الثالث من الكتاب فانه يتحرى بعض الاختلافات الجوهرية التي تسببها ارادة قبول الحياة,, وكيف ان هذه القدرات تحفظ علاقتنا الجوهرية او افتقارها.
كيف ان القوى المحيطة بنا - تعيد تشكيل حياتنا وتضع حافزاً جديداً للذكاء العاطفي للنجاح في الحياة, وكيف ان العواطف السلبية السامة - تعرض حياتنا البدنية لخطر مثل حلقات الدخان,, ويمكن القول ان التوازن العاطفي يحمينا من امراض عديدةويضفي السعادة على حياتنا.
والجينات الوراثية في كل انسان تقدم مجموعة نقاط عاطفية تحدد ميولنا نحو التمرد أو الطاعة ,, والتي يشملها دائرة المخ وهي طبقة كبيرة,, فالمزاج والحالة النفسية ليست قدراً مكتوباً علينا.
ويظهر في الجزء الرابع دروس وجدانية - نتعلمها في البيت او المدرسة وهي تشكل ذكاءنا العاطفي وتجعلنا أكثر خبرة وادق وعياً وفهما للحياة وهذا يعني ان الطفولة والمراهقة هي مراحل خطرة لتشكيل وتدوين العادات الانفعالية والوجدانية الاساسية التي تتحكم في حياتنا.
الجزء الخامس من الكتاب يستكشف مخاطر تنتظر اولئك الذين في مراحل نموهم ويخفقون في السيطرة على مملكة المشاعر - وكيف ان جانب النقص في الذكاء الانفعالي يزيد من حدة هذه المخاطر,, بدءاً من الاكتئاب والاضطرابات في الحياة واضطرابات في الاكل او الافراط في استخدام المسكنات والادوية كما يسجل الجزء الخامس ايضا كيف يتعلم الاطفال المهارات الاجتماعية والوجدانية التي يحتاجونها حتى تستقيم حياتهم على الطريق السوي.
الشيء المثير للقلق في هذا الكتاب - الذي يظهر من خلال مسح شامل للاباء والمعلمين وان الجيل الحاضر من الاطفال اكثر اضطرابا من النواحي العاطفية عن الجيل السابق، فالاطفال في الوقت الحاضر اكثر عزلة واشد اكتئابا وغضبا وعناداً واكثر عصبية وعرضة للقلق والتهور والعدوانية الشديدة.
واذا كان هناك اي علاج فانني اشعر بضرورة التركيز في كيفية اعداد هؤلاء الاطفال للحياة,, فمناهج التعليم للصغار لاتهتم بالتعليم الوجداني بل تتركه للصدفة وحدها,, مع انتظار نتائج اخطر.
ولعل احد الحلول التربوية هي الرؤية الجديدة لما يمكن ان تفعله المدرسة في تربية الطفل لتجمع بين جوانب العقل والقلب معاً ، وتنتهي رحلتنا في الكتاب الى افكار مبتكرة تهدف لاعطاء الطفل خلفية عن اسس الذكاء الوجداني واستطيع ان اتنبأ بيوم تكون فيه التربية تهتم بغرس القدرات الانسانية الاساسية مثل الوعي بالذات والتحكم في النفس وحب الايثار ، كما تهتم بغرس فن الاستماع الجيد للاخرين,, وتقليل النزاعات والحث علىالتعاون.
وقد اثار ارسطو في كتابه الاخلاق قضية حول الفضيلة والشخصية والحياة السوية.
اما التحدي هو قدرتنا علىادارة دفة حياتنا الوجدانية بشيء من الوجدان.
فعواطفنا وانفعالاتنا - عندما ندربها بشكل جيد فاننا نكتسب الحكمة,, فهي ترشد تفكيرنا وقيمنا وطريقة حياتنا,, ولكنها تنحرف بسهولة ,, وكما يرىارسطو - ان المشكلة ليست في العاطفة او الانفعال ولكن في موافقة العاطفة وكيفية التعبير عنها.
فالقضية في الاساس هي كيف نوائم بين العقل والقلب,, نهتم بالاثنين معاً.
الفصل الاول
ماهي العواطف
يرى الإنسان بقلبه مالايراه بعينه
انطوان دي سانت
دعنا نتأمل هذه القصة - اللحظات الاخيرة في حياة عائلة جاري وزوجته وابنتهما المعوقة اندريا 11 سنة-
طفلة مصابة بشلل دماغي مقعدة على كرسي متحرك,, ذات يوم سافرت الاسرة في قطار ,, اصطدم القطار بشاحنة.
انحرف القطار عن مساره واندفع صوب النهر,, انحصر تفكير الابوين في انقاذ طفلتهما وعربة القطار تغوص في اعماق النهر,, استطاع الابوان بعد اعياء وجهد كبير دفع ابنتهما الى فريق الانقاذ,.
تضحية ابوية وعمل بطولي خارق,, تكررت مثل هذه الاعمال علىمر التاريخ البشري مثل هذه التضحية حافظت علىالتناسل البشري ونقلت جينات وراثية للاجيال المتعاقبة,, اما من وجهة نظر الابوين,,, فهو قرار يائس في لحظة حالكة,, يسمونه الحب
مع وجود الهدف وقدرة العواطف - يشهد هذا العمل البطولي للابوين على مر التاريخ بدور حب الايثار كما يشهد بكل عاطفة اخرى نشعر بها في حياتنا الانسانية.
هذه القدرات الكامنة في نفوسنا توحي بان مشاعرنا وعواطفنا وانفعالاتنا موجهات رئيسية في حياتنا وان بقاء الجنس البشري على هذه الحياة مدين لهذه القوى الموجودة في الجوانب الانسانية,, تلك القوى الخارقة هي الحب الشديد.
الذي يدفع الابوين لتجاهل عواقب اندفاعهما على حياتهما - من وجهة نظر العقل المحض - وذلك من اجل التضحية بالنفس,, هذه التضحية الغريبة اثارت جدلاً عقلياً بين العلماء,.
من الناحية الوجدانية كان اندفاع الابوين مجرد اختيار يقومان به.
بينما يشير علماء الاجتماع الىتفوق القلب على العقل في مثل هذه اللحظات الحاسمة.
عندما يفكرون في سبب ارتقاء البشر - فانهم يضعون العاطفة في المقام الاول اذ قامت بدور أساسي في النفس البشرية ,, ويقولون ان عواطفنا ترشدنا لمواجهة حالات ومهام ضرورية ,, ومن المهم جداً ان يبتعد العقل قليلاً,, الاحساس بالخطر,, مرارة الفقدان,, الاصرار والمثابرة على تحقيق الهدف - رغم المحاولات المتكررة والفشل.
فكل عاطفة تقدم استعداداً متميزاً للتصرف وكل استعدادا يشير علينا بالاتجاه الذي تم تحقيقه بشكل مقبول لمواجهة التحديات المتكررة في الحياة الانسانية.
وتكرار هذه المواقف الخالدة على مدار التاريخ البشري يشهد على قوة الزخم العاطفي الذي بات محفوراً في اعصابنا.
وللاسف الشديد ان التاريخ البشري في تجاهله لقوة العواطف يعد قصوراً شديداً في تقديرها.
فمن خلال تجاربنا - عندما نضع اهدافنا وقراراتنا وتصرفاتنا ,, فان مشاعرنا تزن كل شيء صغيراً كان ام كبيراً,, وربما تفوق العقل كثيراً في مواقف عديدة لقد ابتعدنا كثيرا في تقدير قيمة العقل الصرف - في قياس الذكاء في الحياة البشرية.
ولكن الذكاء لايصل الى نتيجة واضحة عندما تترسخ العواطف.
|
|
|