الحديث عن الشعر الشعبي او النبطي او العامي حديث ذو شجون وهذا الشعر وان اختلفت مسمياته سواء في القطر الواحد او عدة اقطار او اختلف علماء الاختصاص في تسميته لا تهم التسمية لاننا لسنا بصدد تفضيل مسمى عن مسمى آخر ولكن اود ان اخوض في سير الشعر ذاته كشعر فلا يغرب عن البال ان اللغة العربية لم تولد كما هي الآن بل جاءت من عدة لغات بمعنى انها لم تكن بالصورة الموجودة الآن وهي لغة القرآن الكريم فقد كانت ركيكة من عدة لغات وبدأ العرب يتبارون فيما بينهم بغية الارتقاء بها والدليل القاطع هو إنشاء الاسواق العربية التي انشأها العرب فهذا شاعر بقصيدته وهذا اعرابي يخطب في عشيرته مؤملا ان يكون فصيحا في لسانه يهز المشاعر ولم يصلنا من تلك الامسيات الا النزر اليسير من معلقات وخطب والمختص في علم اللغة يجد الهفوات في اشعارهم وخطبهم إلا ان تلك الهفوات لا تعد من المساوئ فهي نادرة وقديما قيل النادر لا حكم له.
وتلك الاشعار والخطب التي وصلت الينا ضاع منها الكثير والكثير لأسباب لا تغرب عن بال احد وما نحن بصدده هو الشعر الشعبي ا لذي اصبح على كل لسان وكثر الشعراء فأصبحوا اكثر من القراء وكل يدعي بأنه شاعر يشار له بالبنان البعض ذو منصب او جاه والبعض خدمته وسائل الاعلام من صحافة او مجلات او اذاعة او تلفاز ولو تمعنت بإنتاجه تجده لا يمت للشعر الشعبي بصلة وبمقدوري ان اضرب امثلة حية من اشعار هؤلاء ولكن اود ان اكتفي بالتلميح لأنه في هذا المجال افضل من التصريح حتى لا اقع فريسة لألسنتهم الذربة، يقول الشيخ الأديب عبدالله بن محمد بن خميس ان الشعر الشعبي امتداد للفصيح واجزم بأنه يعني الشعر المعاصر ولكن لا يمنع ان يكون اقدم من الفصيح قبل تبلور اللغة ونضوجها ولم تبلغ ذروتها الا مع نزول القرآن الكريم والذي هالهم وكان كلام الله اعجازا لهم حتى ان البعض آمن بالرسالة من هول فصاحة القرآن واعجازه لأنه جزم جزما قاطعا ان هذا القرآن لا يمكن أن يكون كلام لبشر بل من خالق هذا البشر، قد اكون قد استطردت في الحديث ولكن اجد انه لا مناص من ذلك فليعذرني القارئ الكريم.
ان الشعر الشعبي لم يصلنا منه الا القليل، القليل الذي تهيأت له الظروف ليبقى لأسباب عديدة يصعب حصرها ولم يصل منه الا القوي من جزالة ألفاظه وقوة معانيه مثل قصائد ابن سبيل والقاضي وابن لعبون والعوني والشويعر وبركات الشريف والخلاوي وانا متأكد بأن هناك شعراء غيرهم لم يصلنا من شعرهم شيء يذكر لرداءته ولو قمت باستعراض اشعار هؤلاء لوجدنا كما ذكر الشيخ عبدالله بن خميس امتدادا للشعر الفصيح من حيث الوزن يقول ابن خلدون في تعريفه للشعر بأنه هو الكلام الموزون المقفى الشعراء الذين سبق ذكرهم التزموا بالاوزان العربية المعروفة او بمعنى اصح التزموا ببحور الشعر التي اوجدها الخليل بن احمد وعلى سبيل المثال:
يقول العوني في قصيدته المشهورة:
خلوج تجض القلب باتلي اعوالها تكسر بعبرات يحطمن سلالها |
فهذا البيت في نظر شعراء النبط من الطاروق الهلالي او الوزن الهلالي ويقابله في الفصيح البحر الطويل ونستطيع تقطيع البيت على هذا البحر فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
إذا فالشاعر التزم بالتفعيلة والقصيدة التالية المشهورة وهي هجينية حسب البحر الشعبي التي تقول:
هبت هبوب الشمال وبردها شيني ما يطفي النار لو حنا شعلناها |
لو قمنا بتقطيع هذا البيت لوجدناه من البحر البسيط:
مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن
والشاعر حميدان الشويعر في قصيدته التي مطلعها:
ظهرت من الحزم اللي به سيد السادات من العشرة لو قمنا بتقطيع البيت لوجدناه فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن او فعلن فعلن فعلن فعلن |
وهو من البحر المتدارك والذي يقابله الرجد في الشعر الشعبي:
ولنأخذ شاعر حديث وهو خلف بن هذال يقول:
يا وطنا يا وطنا عمت عين الحسود ما تهزك زوابع ولا غدر اعملا |
وكأنه يقول فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن وهو تقطيع لبحر المديد.
علما بان هؤلاء الشعراء اجزم بأنهم لا يعرفون تلك الاوزان العربية او تلك التفعيلة او تقطيع البيت كما درسناه في علم العروض بل جاء على السليقة حتى ان بعض من الشعراء الشعبيين القدامى لهم من الاشعار النبطية تستطيع ان تقرأها قراءة عربية سليمة من حيث المفردة والمعنى والوزن والقافية خاضعة للتفعيلة وعلى سبيل المثال لا الحصر,.
يقول الشاعر المشهور عامر السين صاحب القصيدة المسماة بالذهبية التي اسندها الى بركات الشريف التي مطلعها:
لمن طلل بين الخمائل والخالي خلا وخوى واختلا منزل الخالي |
الى ان يقول:
فلا تعذلاني عن وقوفي بربعها فما قبلكم خلفت بالنصح عذالي |
تأملوا هذا البيت النبطي انه بيت من الشعر العربي الموزون المقفى الذي التزم بقواعد علم العروض، وننتقل الى شاعر ذائع الصيت الفلكي راشد الخلاوي يقول في قصيدة مطلعها:
يقول الخلاوي الذي ما يكوده جديد النبا من غاليات القصايد |
إلى أن يقول
فلي من قديم العمر نفس رفيعة أعظ على عصيانها بالنواجد ومن عود العين المنام تعودت ومن عود العين المساري تعاود |
كأنها من عيون الشعر الجاهلي وهي اشعار نبطية ومثالنا الاخير الشاعر رميزان بن غشام وهو امير وشاعر له قصيدة نبطية ورد فيها هذان البيتان وكأنه شاعر عربي لا شاعر شعبي او نبطي قال
مع طفلة تسبي الفؤاد بضحكها مثل ابتسام البرق في ديجورها محموصة الاقدام ناعمة الحشا كتف وردف والهنا بحضورها |
تستطيع ان تؤكد بان شعراء الجزيرة الشعبيين او النبطيين القدامى التزموا بالاوزان حتى ان بعضهم التزم بلغة عربية فصحى كما اسلفنا في الامثلة السابقة.
نأتي الى شعراء هذا الوقت لو قمنا بدراسة تلك الاشعار لوجدنا التباين فيها فالبعض لا يلتزم بالاوزان المعروفة البتة والبعض التزم بالوزن ولكن زاد تفعيلة او تفعيلتين ولست اعرف كيف اجاز لنفسه تلك الزيادة واصبح شعره له بحر خاص, وعندما تحاور هذا الشخص يجيبك انه ليس من الضرورة الالتزام بالتفعيلة التي وضعها الخليل بن احمد ويضرب مثالا ما حصل في بلاد الاندلس مثل الموشحات والمسمطات والمخمسات,, الخ, ولا أملك الرد على اجاباتهم واترك الامر للمختصين بالشعر الشعبي للإجابة على تلك التساؤلات اما البعض وهم قلة يجب الا نبخس حقهم فهم لا زالوا يلتزمون بتلك البحور والتي توافق بحور الشعر الفصيح من حيث المعنى فالبحر الطويل يقابله الهلالي والهزج ياقبله الشيباني والبحر و المتدارك يقابله الرجد والمتدارك يقابله السامري والبحر البسيط يقابله الهجيني والوافر ويسمونه الصخري وهكذا.
عبدالله محمد العطني