صدرت مؤخرا العديد من التقارير في كثير من الصحف والمجلات والدوريات الاكاديمية المتخصصة التي تبين فشل ادارة الجودة الكلية, وكانت هذه المجلات والدوريات نفسها قد سبق ان اشادت بدور ادارة الجودة الكلية كمورد مهم يعزز ويدعم الميزة التنافسية.
ففي حين اظهرت العديد من الشركات تطورا في احراز جودة عالية وكفاءة ملحوظة في اداء اعمالها الا ان هناك شركات اخرى تخلت او قللت من مجهوداتها نحو برامج ادارة الجودة الكلية , وقد ادت قلة التحسينات الملموسة، والنتائج غير المقنعة، والتقارير التي تبين عدم نجاح جهود ادارة الجودة الكلية، الى خيبة امل بعض المنظمات ودفعها الى التساؤل عن مدى جدوى ادارة الجودة الكلية واعتبارها مضيعة للوقت.
فهل ترى انتهى عهد ادارة الجودة الكلية؟ وهل هي اتجاه اداري بال؟ ام انها مفهوم حديث يسهم بفعالية في الارتقاء بالجودة وانجاز الاعمال؟ فبالرغم من ان خبراء الجودة والمستشارين اوضحوا الفوائد المحتملة من ادارة الجودة الكلية وبرغم ما يتردد من احاديث عن نجاحها الا ان نسبة الفشل العالية المذكورة في الادبيات والتي تتراوح ما بين 60 - 67% قد جعلت الكثير من الشركات تعتقد ان ادارة الجودة الكلية لم تف بوعودها او تحقق ماهو مأمول منها.
والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا فشلت ادارة الجودة الكلية؟ فرغم ان بعض النقاد يعتبرونها مفهوما مبتدعا تم احداثه على اسس هشة الا ان التقارير المنشورة اثبتت خلاف ذلك ولم يكن التسليم بفشل ادارة الجودة الكلية عائدا الى خلل اساسي في مبادئها بقدر ماهو نتيجة لغياب نظام فعال يتم في ضوئه تطبيق اسس ادارة الجودة الكلية بطريقة صحيحة وحيث ان هذا التطبيق يتطلب من المنظمات التزاما صارما بأسس الجودة وبالوقت والجهد الكافيين مع ادخال تغييرات جذرية في ثقافة وممارسات المنظمة فمن المهم ان تتفهم الشركات ماهو مطلوب منها للنجاح في تحقيق الانجازات بجودة عالية وتهدف هذه الورقة الى دراسة الاجابات المحتملة لما تم طرحه من تساؤلات هنا وتزويد المديرين بالارشادات اللازمة لتنفيذ ادارة الجودة الكلية بنجاح.
مبادىء رئيسة في إدارة الجودة الكلية
تم اجراء العديد من الدراسات لمعرفة اصل ادارة الجودة الكلية ونوعية نشاطات الجودة التي تؤثر مباشرة على اداء الاعمال والعوائق التي تعترض تنفيذها بالاضافة الى العوامل الاساسية لنجاحها وقد اعتمد معظم هذه الدراسات على استطلاع اراء رؤساء الشركات التنفيذيين ومديري الادارات الوسطى والموظفين واخصائيي الجودة والفائزين بجائزة بولدريج Baldrige وقد عكست هذه الدراسات رؤية مشتركة واقعية عن ادارة الجودة الكلية ورغم ان نتائج هذه الدراسات كانت متباينة الى حد ما فقد ظهرت في ثناياها بعض الامور الهامة والمشتركة ففي سعيها إلى تقرير ما اذا كانت الجودة تؤدي الى تطور في أداء المنظمات، وكذلك الى تحديد العوامل الاساسية في نجاح ادارة الجودة الكلية، حددت هذه الدراسات مجموعة من المفاهيم المشتركة، واعتبرتها اساسية في نجاح برنامج إدارة الجودة الكلية بشكل عام.
وكما يتردد في أدبيات ادارة الجودة الكلية فإن المبادئ التالية تعتبر حاسمة في تنفيذ ادارة الجودة الكلية بنجاح:
- وجود قيادة إدارية عليا قوية وملتزمة.
- التركيز على العملاء.
- تمكين الموظفين من المشاركة في اتخاذ القرارات.
- التركيز على التطوير المستمر.
- اشراك الموردين بأخذ وجهات نظرهم في عملية التطوير.
- إدراك ان الجودة هدف استراتيجي للتخطيط للأعمال.
- استخدام الاساليب والادوات الإحصائية.
- الحرص على جودة الانتاج والخدمة المقدمة.
- الالتزام بالمعايير الخاصة بالاداء والقائمة على الجودة.
- الاعتماد على حقائق ملموسة عند اتخاذ القرارات.
- الاهتمام بالدور الجديد لاقسام واخصائيي الجودة.
وتنطبق هذه الاسس على اي منظمة بصورة عامة، حيث انها تشكل في مجموعها العوامل الرئيسية التي تحدد نجاح برنامج ادارة الجودة الكلية, وعلى الرغم من عمومية هذه الاسس في معظم البرامج التي تعنى بتحسين الجودة، الا ان مجرد تبنيها لا يضمن النجاح، لانه إذا لم يتم تنفيذها بشكل صحيح فإنها قد تتسبب في خلق نوع من الخلط والارباك, وفي حين تبدو هذه الاسس بديهية، الا ان العديد من المنظمات وجدت صعوبة في تنفيذها، بسبب ما يتطلبه ذلك من جهد، واستغراق للوقت، وعدم تركيز في كثير من الاحيان على المحور الذي تدور حوله الجودة، ويعتقد بعض منتقدي الجودة ان اسسها غارقة في الجانب النظري، وواسعة بحيث يصعب تنفيذها عملياً، جدير بالملاحظة أنه لا يمكن لطريقة بمفردها ان تحوي جميع مفاتيح النجاح للجودة، كما انه لا توجد قاعدة ثابتة صالحة للتطبيق لكل حالات الشركة وثقافاتها، لذلك فإن نجاح او فشل برامج ادارة الجودة الكلية يتحقق عن طريق تظافر عوامل مختلفة، كثافة المنظمات التي تؤدي بدورها الى تحقيق الجودة الكلية، والبنية التحتية المناسبة للجودة، ومدى استعداد النظام لتنفيذها.
ولسنا في هذه الورقة بصدد الرجوع الى تعريف ادارة الجودة الكلية ومبادئها الاساسية، حيث سبق ان قامت دراسات كثيرة بهذا الامر، ولكننا سوف نركز على قضايا تنفيذية في غاية الاهمية لنجاح ادارة الجودة الكلية لم تسبق مناقشتها، كما نهدف ايضا الى تزويد المديرين بإرشادات إضافية في حالة تنفيذ او مراجعة برامج الجودة، وفي الجزء التالي سوف نستعرض عددا من الدروس التي تم تحديدها من خلال الاطلاع على ادبيات ادارة الجودة الكلية، وفي اعتقادنا أنه يمكننا التعلم من دروس الفشل والنجاح، وان نستفيد من التجارب القيمة لتنفيذ إدارة الجودة الكلية بنجاح.
(*) المصدر: الادارة العامة المجلد 39 العدد الاول
|