Wednesday 23rd June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الاربعاء 9 ربيع الاول


يارا
عالم الخرافات والخزعبلات
عبدالله بن بخيت

يصدر في الغرب عدد من المجلات الغريبة التي تروج لكافة أشكال وأنواع الإشاعات والخزعبلات وعوالم المجهول التي تقلق الإنسان منذ فجر التاريخ، وهناك قليل من الغربيين يحتفل بالخزعبلات التقليدية المتصلة بالجن والعفاريت والأشباح وعودة الأرواح وتحضير الموتى والسحر وبالاضافة الى هذه الخزعبلات العالمية هناك خزعبلات خاصة بالغرب نفسه لا يشترك معه فيها أي من الشعوب وهي الخرافات الممتدة ناحية المستقبل, فتقرأ (إذا شئت) مجلات تختص بالخزعبلات المرتبطة بالعلم, مثل متابعة هبوط كائنات من كواكب اخرى أو مشاهدة الأطباق الفضائية,, ويصل الأمر الى نشر حوارات مع كائنات ليست بشرية تتخفى في صورة بشر وهذه الحوارات تتم أحيانا عن معرفة علمية جيدة بالفضاء وأهل الفضاء (إذا كان له أهل).
دخلت في هذا العالم مرة عندما التقيت برجل انجليزي من المهووسين بهذه العوالم, وطالما أنني من الشرق لم يتردد معي، بل فتح صدره وقلبه لي على أساس أن الشرقيين (هم في الواقع خزعبلاويون من أساسهم) ومهما تعلم الإنسان في الشرق فلا بد أن يحمل في عقله شيئا من التناقض, فبدأ الرجل يحدثني عن علاقة الجسد بالكون وأن هناك انسجاما بين الأحياء وبين الجمادات ويمكن بقليل من التأمل السيطرة على الوضع، ثم بدأ يسرد فلسفته الأساسية التي يرى ان الكون يقوم عليها وهي ما يعرف في الماضي بالألكمي وهي الفلسفة التي قامت على فكرة تحويل المعادن الخسيسة الى ذهب, وهذه الفلسفة تقود الإنسان الى الخلود, وبعد عدد من الجلسات اكتشفت ان الرجل كان يعاني من رهاب لم أشهد مثله من قبل, كان لا يقبل ان يمس أي شيء أملس وناعم وخصوصا المجلات والأشياء المنقولة؛ فإذا وقعت يده على مجلة من تلك المجلات الملساء يضطر ان يشتريها حتى ولو لم يكن في حاجة إليها, وقد شرح لي انه يخشى ان يشتريها مجرم ثم يرتكب جريمة ثم تلتقط البصمات من عليها فيكتشفون بصماته, ولم افهم هذا حتى تعرفت على صديقه ورفيقه في عالم الخرافات واكتشفت ان الآخر يعاني من رهاب القطط، فهو لا يمكن ان يقترب من قطة، فالقطط في نظره كائنات وافدة على كوكب الأرض وتحمل معها فيروسا خطيرا وهي المتسببة في موت آلاف البشر, ولكن الناس رفضت ان تتعلم -على حد قوله- وكلما اقتربت من هذا العالم اكتشف ان الخزعبلاويين في الغرب هم في الأساس ممن يعانون من أمراض نفسية تتصل بالقهرية، وعندما أتأمل اصحاب الخرافات في بلادنا لا أجد ان هناك فرقا كبيرا، إلا ان الفرق ان قيم العلم متدنية في المجتمعات الشرقية مما يغيّب صورة الأمراض, ويؤدي هذا الى إعطاء الامراض النفسية معاني اجتماعية تتخفى تحتها, ثم ترتبط هذه الأمراض بمصالح معينة يستفيد منها بعض الناس.
ففي احدى المرات قُدّر لي ان أزور احد المعالجين لإجراء حوار معه، وشاهدت عددا من المشاهد العجيبة التي تقع بين الصدق والتزييف, فهناك مرضى حقيقيون وهناك مرضى مزيّفون يعملون لمصلحة المعالج والتمثيل امام المرضى الحقيقيين, وهذا المعالج لا يعمل في اطار من قيم معزولة كما يحدث في الغرب بحيث يشكل هو والشاذّون مجتمعهم الخاص، وإنما هو مفتوح على مناطق واسعة من الخرافات الشاملة التي تنتظم المجتمع, ويمكن ان تقرأ هذا من الأخبار والإشاعات التي يأخذها كثير من الناس كأمر مسلم به مثل الطفل السنغالي الذي تقول عنه الصحف إنه حفظ القرآن في الخامسة وولد وهو يتكلم العربية ونطق بها في المهد, وهو الآن يخطب في المساجد ويقدم الفتاوى الدينية, ولا ننسى الخرافات التي راجت أيام الحرب الأهلية الأفغانية في الثمانينات حول الرجل الذي مشت على جسده دبابة ثم نهض وكأن الذي مشى على جسده دجاجة, والرجل الذي وجدت جثته تتضوع بالمسك والعنبر بعد أيام من موته.
وهناك كثير من الخرافات المفتوحة التي تسيّر الناس, فاذا كانت خرافات الغرب لها علاقة بالمستقبل وتقود إليه، فخرافات الشرق لها علاقة بالماضي وتقود إليه بقوة أكبر.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
المحرر الأمني
الرياضية
تحقيقات
تغطيات
مدارات شعبية
وطن ومواطن
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved