انتصف الليل واعلنت ساعة الحائط بنغمات هادئة كهدوء الليل وسكونه الساعة الثالثة صباحا, تحركت آمال من وحدتها نظرت للساعة المتكئة على المنضدة الصغيرة القريبة الى سريرها للتأكد من حقيقة تلك النغمات المنبعثة التي حركت سكون غرفتها نهضت من سريرها وهي تشعر بألم في رأسها ونبضات متلاحقة في قلبها كل واحدة تريد ان تسبق الاخرى وعلى الفور القت بجسدها المنهك بين راحتي تلك الكنبة الوثيرة المليئة بالنقوش المتناسقة وضعت رأسها على رأس الكنبة تهمس بصمت يا ترى كم تبقى في هذه الليلة كم مضت من ليلة وانا أسامر القمر كم من الايام وأكملت السنوات وأنا في هذه الدائرة المغلقة التي كل يوم تتقوى بحلقة من حديد أغمضت جفنيها الذابلين بتثاقل لتستمع الى الصوت المنبعث من النافذة المقابلة انه صوت المطر ينقر على سطح النافذة قالت ما اجمل صوت المطر انني احبه كثيرا أتأمل قدرة الله في نزوله من السماء بالتأكيد ان السماء الآن ملبدة بالغيوم وان هذه الليلة تختلف ربما قليلا عن الايام السابقة إذ انني لن ارى القمر اوالنجوم المتوهجة ثم نظرت للشموع القابعة في زاوية الغرفة اقتربت إليها وبيدها عود الثقاب اشعلتها وأخذت ترسل وميضها المتقطع القت بنظرة ثانية للطاولة القابعة في الركن الآخر من الغرفة المزينة بمفروش وردي صغير مليء بالنقوش المطرزة وفوقه شموع منطفئة اشعلت عود الثقاب لتضيء الاولى والثانية لينعكس ضوء الشموع على سطح النافذة لتتضح عليها حبيبات المطر ترقب ببصرها كل حبة تستقر على النافذة البيضاء فيتضح لمعانها وبريقها تهمس مرة اخرى بصمت مع نفسها هل اخرج لأرى الارض وهي تغتسل بالامطار أم أظل هنا فقط استمع إذا خرجت هل احمل الشموع, لا كيف احملها بالتأكيد ستنطفئ بمجرد نزول قطرة من المطر عليها او حتى بمجرد نسمة هواء عابرة لا سأبقى في مكاني نظرت للضوء المنعكس من الشموع المضيئة على سطح اوراق صغيرة هي بين احضان الشموع المضيئة والمفروش الوردي أخرجته من حضنه الصامت احست بحرارة على اغلفته ربما من الشموع التي ترسل حرارتها او ربما انني تذكرته وايقظته من الصمت الذي ران عليه طويلا بالتأكيد هو كذلك فالآن هو يشعر بالاستقرار لأنه بين يدي المتهلفتين لأوراقه الجميلة الندية ومن اول ورقة تحول كل شيء حولها الى حديقة صغيرة تضم الورود الوردية الندية قطفت واحدة منها ثم بدأت تسطر عليها حرارة الكلمات التي بين احضان فؤادها الصغير المتوهج بحرارة الآهات التي فرت هاربة منذ اقتراب الكلمات الى ارض الورقة الوردية الدافئة التي تحمل الاحاسيس الرومانسية الشفافة فتقاذفت كالمطر الذي بدأ بقطرة صغيرة ثم تحول إلى الامطار المنهمرة وبغزارة أخذت آمال تتحسس ما بين يديها ينساب بين أناملها كالحرير وينعشها بشذاه كالارض الندية في رائحته المنبعثة من تربته التي تخفي الجذور القوية المتمكنة منها بصلابة وتظهر الاشجار الراقصة مع انسام الربيع المنعشة بكل فخر وزهو ترفع رأسها تنظر الى النافذة بعد توقف المطر الشموع ايضا تقترب من الانتهاء لا بل هي تنصهر رويداً رويداً من حرارة اللهب ولم يتبق منها شيء ثم عادت ساعة الحائط ترسل نغماتها في سكون وطمأنينة معلنة الساعة الرابعة فجراً لتبدأ المآذن بالنداء لصلاة الفجر قالت آه لقد انتهى الليل وانا لم انته بعد لكن ثمة شعاع يتسلل من النافذة.
إذاً لي عودة مرة أخرى إلى حديقتي الصغيرة وقبل خروجها منها حملت بيدها الوردة الوردية المزينة اوراقها بأحلى التعابير ثم وضعتها في جوف حوض رملي صغير قربته إلى النافذة وسقتها بقليل من الماء وأخذ الهواء النقي يداعب اوراقها ويرسل شذاها في كل مكان واعادت الدفتر الصغير الى الطاولة بعد ان دفنت بأناملها المضيئة ورقة بعنوان شموع لن تنطفئ.
صدى الذكريات
سدير
** انتبهت صديقة الصفحة صدى الذكريات إلى تشديدنا المتكرر على مراعاة الزمن الفني للقصة ، تلك اللحظة المتوهجة التي تتفجر من خلالها كل الاحداث، الماضية عبر التذكر، والقادمة من خلال الحكم وفي هذا قد يستعين الكاتب في استرجاع الاحداث الماضية بأسلوب من الاساليب الفنية المعروفة كأسلوب الارتداد فلاش باك او كتيار الوعي أو غيرهما، وفي تعجله لشكل محدد تكون عليه صورة الغد يمتطي جناحين للخيال يحملان معه احلامه في رحلة العودة إلى الزمن الاساسي، أو الزمن الفني الذي تروى من خلاله احداث القصة,, انتبهت الصديقة صدى الذكريات إلى هذا وهذه القصة بالتمامها داخل لحظات زمنية محدودة اشارة إلى حرصها هي ايضا على مراعاة الزمن الفني، ومع ذلك يظل هناك احساس بأن ثمة شكلا من اشكال سوء الفهم ما يزال قائما بيننا وبينها.
في تجارب القصة القصيرة التي انتجتها فترة قد تعود إلى نصف قرن في وطننا العربي استشرت رغبة الوصف عند الكتاب بل قد كانوا يتبارون في إظهار المقدرة المميزة لدى كاتب عن الآخرين في الاسترسال مع الوصف وفي توليد مختلف الافكار التي يمكن ان تتصل بهذا الوصف، كان يقول الكاتب: نهض من فوق الكرسي، كان ذلك الكرسي يوما ما لجده، ما يزال الكرسي يذكر علاقة حميمة مع ذلك الجد ويقارنها باهمال يعانيه الآن في علاقته بهذا الحفيد,,, الخ.
ومع تطور فن القصة القصيرة، وابتداء من الستينيات بدأ النقاد والقراء على حد سواء ينظرون إلى هذا الوصف الذي كان سببا للتميز قديما باعتباره فضفضة وتزيدات تثقل كاهل العمل، بل اصبحت تلك النماذج الوصفية القديمة في نظر الحساسية الجديدة شكلا من اشكال الانشاء الممجوج في القصة القصيرة ولدينا عديد من الدراسات النقدية العربية تركز على الوصفية في القصة القصيرة باعتبارها خللا واضحا في فنية القصة وبطبيعة الحال فربما كان أجدادنا مبهورين بكتابات ككتابات المنفلوطي مثلا، وربما كانت اجيالنا لا تطيق الآن ان تقرأ صفحة واحدة منه، وبلغ هذا الأمر حداً جعل أحد النقاد يقول عندما اقرأ قصة تبدأ بعبر الشارع ودلف إلى المقهى ليحتسي كوبا من الشاي, كان المقهى ضاجا بأصوات تختلط فيها احاديث الود والشجار ونكات بذيئة,,, الخ .
فأنا لا أتم قراءة القصة واعتبرها من هذه البداية قد خرجت من دائرة الفن، إذ ما الذي يضيفه ذلك الوصف في تعريفنا بأخلاق الشخصيات أو في الدفع بأحداث القصة المفترضة؟
مع كل ذلك ففي تجارب القصة القصيرة أشكال من الوصف لها اهميتها البالغة، حين تجنح إلى تحليل سيكلوجي دقيق لكوامن الاشخاص، بل كثير من كتاب هذا النوع من القصص يقصرون القصة بكاملها على وقفة مع هذا التحليل فيكونون بذلك قد نجوا من ابتذالات الوصفية ونظروا إلى اصحاب التحليل النفسي من القصة وقدموا في ذلك اعمالا مميزة تضارع تلك اللوحات الفنية بالغة القيمة التي صورها رسام مثل رامبرانت لشخوصه الذين قدم على وجوههم دراسة سيكلوجية للداخل تفضح في الوجوه كل ادعاءاتها.
ليست هذه الظاهرة - الوصفية - في القصة القصيرة قاصرة على ما انتجته القصة العربية منذ نصف قرن، ولكن الآداب الاجنبية قد عرفتها ايضا وان كانت بشكلها الرائق والمصفى ككتابات موبسان .
لماذا كل هذا الكلام عن قصة صديقة الصفحة صدى الذكريات؟؟
ربما لكي نقول: إن صدى الذكريات في حرصها على مراعاة الزمن الفني للقصة قد وقعت في تلك الوصفية التي اصبح يمجها الذوق النقدي او حساسية المتلقي، ليس هذا من اسباب النيل من كتابة الصديقة صدى الذكريات فهي حقيقة تمتلك موهبة مميزة في استنطاق الاشياء وتحريك مشاعرها، وإنما لجأت صدى الذكريات وقد اختارت زمنا محدوداً للقصة كزمن فني اضطرت ان تملأه بكامله بواقع نفس اللحظة حركة الفتاة اثناء تلك اللحظة وصف الشموع والمفارش والجو الخارجي حيث تساقط المطر ,,, الخ.
بل إن بطلة القصة تقصر حركة المشاعر في صدرها على ما يتولد داخل نفس هذا الزمن، فهي حزينة ربما ولكنها لا تقول لنا سببا لهذا الحزن لأنه محظور عليها ان تخرج خارج دائرة الزمن المختار، وربما تكون قد اتخذت عديداً من القرارات ولا نعرف لها سببا وجيها او غير وجيه، فإذا أردنا ان نستجمع الاحداث التي يمكن ان تشكل موضوعا لقصة وجدنا انها لا تخرج عن مجرد خطوات تحركت بها بطلة القصة إلى هذه الشموع او تلك، ولا يتبقى لنا ما نستطيع ان نكتشف منه شيئا من الوصف ومن حركة البطلة ومن كل ما يشغل تلك المساحة الزمنية التي اختارتها صدى الذكريات مساحة للزمن الفني للقصة إلا عنوان القصة شموعٌ لا تنطفئ الذي قد يوعز إلينا بحالة من الاصرار عقدت عليه عزمها بطلة القصة، او بحالة من اليأس استسلمت لها.
وإذن لنعد ترتيب الاشياء ليس معنى اختيار لحظة متفجرة مساحة زمنية للزمن الفني للقصة ان نقصر كل شيء على ما تمتلئ به هذه اللحظة من مشاعر وأحداث ايضا لان هذا ينفي في القصة شروطها لتبقى في النهاية مثل خاطرة وإنما الزمن الفني للقصة، تلك اللحظة القصيرة، ينبغي ان تكون نافذة في جدار الزمن نمر عبرها لتتفتح امامنا - امتلاكا مشروعا - كل الازمنة الماضية والحاضرة والقادمة نشكل من الاحداث التي تحتشد بها موضوع القصة دون ان نفقد طريق العودة من نفس تلك النافذة التي كنا قد عبرنا منها.
صدى الذكريات تمتلئ بطاقة ابداعية وباستعدادات رائعة وجميلة ونظن انها الآن إذا انتبهت بحرص إلى الافلات من الوصفية إلى نسج الاحداث من مختلف الازمنة عبر نافذة اللحظة الفنية المختارة، قدر انتباهها الواضح إلى مسألة الزمن الفني فستكتب قصصا مميزة نحن بانتظارها.