* كتب - محرر القوى العاملة
توقفت وأنا اشعر بالفخر والسعادة في أكثر من موقع تجاري أمام عشرات الشباب من ابناء هذا الوطن وهم يمارسون دورهم التنموي المطلوب في مختلف المجالات!.
فهذا شاب يقف بحماس أمام ماكينة الحساب في سوبرماركت وذاك يعمل في مطعم وجبات سريعة وثالث يعمل في محل بيع ملبوسات وهكذا.
هؤلاء عندما أقدموا على هذا الخطوة فقد ضمنوا لأنفسهم مصدرا للرزق من آلاف المصادر المتوفرة أما من بقي بانتظار الوظيفة الكتابية أو التقدم للمسابقة للعمل في أي من الجهات الحكومية ليحدد هو نوعها ومقرها فقد بقي في المنزل!.
وقد يسأل سائل لماذا لا يجد البعض من خريجي بعض الشهادات وظيفة في القطاع الحكومي ولماذا لا تتوفر وظيفة لكل خريج؟ واجابة هذا السؤال لا تحتاج الى مزيد من البحث أو التقصي فواقع الحال يحدد مدى الحاجة الفعلية.
الوظائف في الأجهزة الحكومية
قد يقول قائل: لماذا لا تستوعب الأجهزة الحكومية كل الخريجين ولماذا يبقى البعض بانتظار الوظيفة الحكومية؟ واجابة لهذا السؤال: ان الأجهزة الحكومية في بداية الطفرة التنموية للمملكة كانت الحاجة قائمة الى كافة التخصصات وفي مختلف المجالات مما تعذر معه ايجاد جميع الكوادر المطلوبة حتى في تخصصات غير دقيقة فقد كان لدينا متعاقد يعمل ناسخ آلة كاتبة ومتعاقد يعمل كاتبا ومتعاقد غير سعودي يعمل على وظائف ادارية بسيطة نظرا لقلة الخريجين في مختلف التخصصات.
ومع التطور الكبير والملموس الذي شهدته المملكة في مختلف المجالات وخاصة مجال التعليم حيث يوجد لدينا ثماني جامعات اضافة الى العشرات من الكليات والمعاهد المتخصصة ومراكز التدريب كل هذه الصروح العلمية خرجت الآلاف من المواطنين في مختلف التخصصات.
قديما كان الموظف في الخدمة المدنية يستقيل من هذا الجهاز الحكومي اليوم ويتقدم للعمل في جهاز حكومي آخر فجميع الأجهزة الحكومية نظرا لحاجتها الى الموظف السعودي كانت تتسابق للظفر به, ولم يوجد في النظام آنذاك ما يضع ضوابط للاستقالة أو بقاء فترة محددة لأنه لم تكن الحاجة قائمة لذلك.
ومع تطور الوظيفة الحكومية وازدياد نسبة المتقدمين الى الأجهزة الحكومية عاما بعد عام فقد لجأت الأجهزة الحكومية الى ايقاف التعاقد من الخارج والاكتفاء بالمواطنين في عدد من التخصصات.
قديما كانت الأجهزة الحكومية تتسابق على الذي يحمل شهادة البكالوريوس وتزفه من المطار كعريس يتقدم للوظيفة وكان من لديه شهادة الدكتوراه آنذاك يعين على وظيفة مرموقة في الجهاز الحكومي قد تصل الى مدير عام أو وكيل وزارة.
أما الآن فلدينا الآلاف ممن يحملون مؤهلات عليا لدينا عشرات المهندسين وعشرات الأطباء وعشرات الاداريين ممن يحملون درجة الدكتوراه.
ولو نظرنا نظرة أكثر واقعية الى واقع الوظيفة الحكومية مقارنة بحجم كل جهاز فهل من المعقول ان يتعين جميع الخريجين في وظائف حكومية؟.
لنفرض انه تم تعيين الآلاف في سنة معينة فهل يستمر ذلك كل سنة؟!.
هل من المعقول ان نعيّن في جهاز حكومي واحد ألف ناسخ آلة كاتبة مثلا وألف اخصائي علاقات عامة وألف اخصائي احصاء وألف اخصائي اجتماعي؟!.
هل يحتاج الجهاز الحكومي الى كل هؤلاء؟!.
كما هو معروف ان كل جهاز حكومي تحدث وظائفه بناء على الأنشطة التي يقوم بها وبناء على دراسات مستفيضة بالتنسيق مع وزارة المالية والاقتصاد الوطني التي تخصص راتبا لكل وظيفة شاغرة في البند الأول في الميزانية وهل يعقل ان يعين خريج على وظيفة غير شاغرة وغير محددة ومدروسة ومحدثة؟!.
الوظيفة الحكومية ليست الحل!
ان الحاجة الى الوظائف في الأجهزة الحكومية تقل من سنة الى أخرى وهذا أمر طبيعي فالجهاز الحكومي يطرح وظائفه الشاغرة بطلب شغلها عن طريق وزارة الخدمة المدنية التي تتولى ترشيح أي من المتقدمين الى هذه الوزارة أو تلك بناء على طلبها ووفق قواعد مفاضلة لتحقيق العدالة بين المتقدمين.
ولنفترض ان وزارة من الوزارات ارسلت الى وزارة الخدمة المدنية بطلب شغل ثلاث وظائف في مجال الاحصاء فمعنى هذا ان لديها الحاجة الى ثلاثة اخصائيي احصاء مطلوب شغلهم لوظائف متوفرة أساسا وشاغرة في الوزارة ومحجوز لها راتب في الميزانية ولنفترض ان تلك الوظائف في ذلك التخصص شغلت بمواطنين فهل من المعقول ان ترسل الوزارة كل شهر ثلاث وظائف لشغلها دون ان تكون شاغرة أساسا في ميزانية الجهاز حيث قد يتساءل خريج احصاء مثلا لماذا طرحت الشهر الفلاني وظائف في هذا التخصص ولم تطرح في هذا الشهر؟ أو لماذا طرحت وزارة المعارف وظائف في ذلك العام ولم تطرح وظائف في هذا العام؟!.
ان الوظائف المطروحة سنويا تحددها مدى الحاجة الفعلية لاحتياج الجهاز الحكومي فمثلا قبل سنوات كانت مدينة الرياض وجدة والدمام تزخر بالعشرات من الوظائف الشاغرة التعليمية وكان كل خريج لايجد صعوبة في وجود الوظيفة في المدينة التي يقيم بها أما الآن فقد شغلت وظائف جميع المراحل التعليمية في المدن الرئيسية مثلا بكوادر وطنية مؤهلة ولم يعد التعاقد موجودا كالسابق فاصبحنا نرى مدارسنا تعج بالعشرات من المدرسين السعوديين في مختلف التخصصات ليتولى اعلان وزارة المعارف عن الوظائف الشاغرة والمشغولة بمتعاقدين في بقية مدن المملكة وبناء على التوسع الذي يشهده قطاع التعليم.
الخريج والنظرة الواقعية
سمعت مقابلة اذاعية عن طريق الصدفة مع شيخ الصناعيين في المدينة الصناعية بالرياض الذي روى قصته مع أحد الخريجين الذي لم يبق بانتظار الوظيفة الحكومية يقول: تقدم لي شاب جامعي يحمل مؤهل البكالوريوس للعمل في المصنع الذي أملكه فقلت له سأمنحك راتبا قدره ألفا ريال لأننا لا نعرفك ولا نعرف أداءك ومدى التزامك فمتى ما اثبت نجاحا سننظر في مسألة زيادة راتبك!.
واردف - والكلام لشيخ الصناعيين- لم أتوقع رد ذلك الخريج فقد وافق مباشرة وطلب اعطاءه الفرصة لاثبات نفسه وقال: انه لا يهمه الراتب بقدر اهتمامه بتحقيق النجاح واضاف شيخ الصناعيين بقي معنا هذا الخريج مدة زمنية محددة اثبت نجاحا ملموسا ونشاطا منقطع النظير فاصدرت توجيها بتوليه مسؤولية ادارة شؤون الموظفين في المصنع وزدنا راتبه الى ان اصبح الآن مديرا لأحد المصانع براتب مغر!.
المستقبل في القطاع الأهلي
قصة هذا الخريج تعطينا أحد الأمثلة لنجاح الشباب في القطاع الأهلي فقط ما نريده من الخريجين نظرة أكثر واقعية في مسألة الحصول على الوظيفة ويجب ان يذهب الخريج الى الوظيفة حيثما كانت لا أن تأتي الوظيفة له حيث كان! واعرف قصة خريج بقي أكثر من ثلاث سنوات من دون عمل لأن الوظيفة المتوفرة ليست في مقر اقامته!.
ان القطاع الأهلي يعج بالآلاف من الفرص الوظيفية وواقع الحال في الكثير من المصانع والشركات والمؤسسات يجسد هذه الحقيقة,, ملايين الريالات تحول من العمالة الأجنبية بلادنا أولى بها وآلاف التخصصات في القطاع الأهلي يشغلها غير سعوديين، مما يؤلم أنها وظائف ليست متخصصة أو دقيقة لكي يعجز السعودي عنها بل وظائف سهلة يمكن القيام بها.
اقتراح لوزير العمل الجديد
معالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية - أعانه الله- نعلم مدى المسؤولية الملقاة على عاتقه التي هو جدير بها وقادر ان شاء الله للقيام بها فقط ما نريده من معاليه محاولة غربلة الوضع القائم حاليا في مكاتب العمل ووضع مزيد من الضوابط على الاستقدام من الخارج، ومحاولة التنسيق مع الجهات المختصة ذات العلاقة كالغرف التجارية ومجلس القوى العاملة في سبيل ايجاد حصر شامل لكل الوظائف المتوفرة والمشغولة في القطاع الأهلي ووضع حد أدنى للراتب في حالة شغلها بمواطن حتى لو زاد عما يتقاضاه غير السعودي خاصة اذا ما علمنا ان الشركات والمؤسسات قد تدفع المبالغ الطائلة في التذاكر ورسوم التأشيرة والنقل والسكن لتلك العمالة ناهيكم على ان نسبة 20% احيانا من تلك العمالة يضطر صاحب العمل الى تسفيرها لعدم جدواها لأي سبب من الأسباب.
ان الوطن لا يخدمه إلا ابناؤه وسواعد ابنائه ورغم ما يقدمه غير السعوديين من خدمات مشكورة في خطط التنمية في مختلف المجالات إلا أن السعودي أولى وأزمة الخليج عندما حدثت أكبر شاهد على ذلك، حيث تسابقت تلك العمالة على المطارات!.
ان وضع حد أدنى لكل وظيفة بعد اعداد وصف وظيفي لمهامها ومتطلباتها أمر مطلوب، وبعد ان يحدد الراتب فإنه من السهولة الاعلان عن تلك الوظائف من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في الصحف المحلية بالتعاون مع الغرف التجارية ووزارة الاعلام فمثلا اذا كان احتياج شركة ما ينحصر في عشرة مندوبي مبيعات يعلن عن ذلك في الصحف قبل الموافقة على طلب الاستقدام ليتقدم عليها سعوديون ويمكن ايضا حصر الوظائف المتوفرة التي لا تحتاج إلا الى تدريب بسيط أو برامج اعدادية قصيرة والاعلان عنها في الصحف حتى لو كانت مشغولة بغير سعوديين وتتوفر في القطاع الأهلي مثل وظائف الفنادق ومكاتب السياحة ومندوبي المبيعات، والبائعين,, الخ.
دور وزارة الإعلام
ومن خلال هذا الاقتراح الذي نسوقه الى معالي وزير العمل الجديد - وفقه الله- فإني اعرف ان تنفيذ مثل هذا التوجه ليس بالسهولة التي يعتقدها البعض خاصة عندما يقول قائل ان تلك الوظائف في شركات ومؤسسات مملوكة للقطاع الأهلي والأشخاص وكل حر في اختيار ما يناسبه إلا ان الأمر يتعلق بالمصلحة العامة ويجب على القطاع الأهلي أن يساهم في السعي الحثيث نحو توطين الوظائف وهذا لن يأتي إلا من خلال تنسيق شامل بين مختلف الاطراف يأتي بعد ذلك دور وزارة الاعلام في سبيل التوعية والحث على انخراط السعودي في بعض الأعمال والتخصصات التي لا تلقى الاقبال اللازم ولسلطنة عُمان الشقيقة تجربة ناجحة في هذا المجال في اعداد البرامج الاعلامية الموجهة للمواطنين للانخراط في العمل في القطاع الأهلي وعدم التركيز على العمل في القطاع الحكومي.
ان الفرص المتوفرة في الأجهزة الحكومية لم تعد كالسابق لتحقيق العديد من الأجهزة الاكتفاء من العديد من التخصصات ما عدا الوظائف الطبية والطبية المساعدة على سبيل المثال لا الحصر ويتوفر في القطاع الأهلي الآن من الفرص الوظيفية التي يجب ان تستثمر سريعا.
القبول في كليات الطب
الزائر لأي مستشفى خاص أو حكومي أحيانا يجد ان تلك المستشفيات تعج بالعديد من الأطباء والفنيين في مختلف التخصصات، وعندما يأتي الخريج ليتقدم طالبا الدراسة في كلية الطب يواجه المتطلبات التي تعيقه من تحقيق هذا الهدف حيث يطلب معدل عال لدخول كليات الطب ولكي نحقق هدف السعودة ونستطيع ان نشغل العديد من الوظائف الطبية التي يشغلها غير سعوديين يجب ان تتنازل كليات الطب عن الشروط الاعجازية في القبول، قد يقول قائل ان دراسة الطب تكلف الجامعة كثيرا فالطالب يحتاج الى معامل و,, و,, الخ,, ونحن نقول مهما كلف طالب الطب فالاستثمار البشري أفضل استثمار على المدى القريب والبعيد ايضا وعلى جامعاتنا ان تعيد النظر في نسب القبول وتخفيضها فكم من جراح ناجح خانه التقدير والمعدل التراكمي ونجح في مجال تخصصه وبرع، وكم من طبيب حصل على المعدل التراكمي كاملا وتخرج في كلية الطب بتفوق وظل طبيبا عاديا ومغمورا.
إننا بحاجة الى كل قسم يدرس التخصصات المطلوبة في سوق العمل ويجب على الجامعات دعم تلك الأقسام بالكفاءات دون النظر الى الجوانب والتكاليف المادية، كما ان الحاجة ماسة ايضا لافتتاح كليات للطب في بعض الجامعات كجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية وجامعة الملك خالد.
كما ان الحاجة ايضا ماسة وقائمة الى دعم المعاهد الصحية المنتشرة في انحاء عديدة من مدن ومحافظات المملكة فلدينا الآلاف من غير السعوديين في الوظائف الصحية المساعدة المختبرات، التمريض، الأشعة، التغذية، العلاج الطبيعي وعندما نرى نسبة المقبولين في المعاهد الصحية نجد أنها لا تشكل إلا نسبة ضئيلة جدا من نسبة المتقدمين الى تلك المعاهد،حيث يتقدم المئات سنويا الى تلك المعاهد ولا يقبل إلا نسبة قليلة جدا بحجة الاستيعاب وحبذا لو تقوم وزارة الصحة بدعم تلك المعاهد ورفع نسبة القبول فيها دعما لعملية السعودة في القطاع الصحي في المملكة حتى يأتي اليوم الذي نرى فيه مستشفياتنا ومؤسساتنا الاقتصادية تدار بأيد سعودية فالوطن كما أسلفنا لا يخدمه إلا سواعد ابنائه وغير السعوديين مهما بقوا فهم اليوم أو غدا أو في يوم من الأيام سيغادرون لذلك لابد ان تتضافر الجهود مجتمعة لدعم عملية توطين الوظائف الذي تلقى كل دعم من حكومتنا الرشيدة فقط بقي دور الجهات ذات العلاقة بالاسراع في ذلك من خلال خطط واستراتيجيات منظمة ومدروسة.
|