عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
قرأت بكل اهتمام ماكتبه عبدالله بن ابراهيم المطرودي في صفحة (عزيزتي الجزيرة) في العدد رقم (9768) والذي كان بعنوان (سعيا للحد من مآسينا المرورية: الدية الشرعية نصف مليون ريال) وقد تحدث الاخ الفاضل - بكل ألم وحرقة - عن مآسينا المرورية، وذكر عددا من المصائب والحوادث التي عايشها بنفسه ، وهي قصص مبكية ومؤلمة تتكرر - وللأسف الشديد - كل لحظة ودقيقة ثم تطرق الاخ في حديثه عن الديات المترتبة على هذه الحوادث، مطالبا بعدم التنازل عنها لكي يكون ذلك رادعا لمن تسبب في ازهاق ارواح برئية ، كما تحدث عن مقدار الدية، وانه غير كاف ولا يتناسب مع الدية الشرعية.
وليسمح لي اخي الفاضل ان اعلق على بعض ما تطرق اليه في مقالته الآنفة الذكر ومن خلال نفس الصفحة التي نشر فيها (عزيزتي الجزيرة) فأقول وبالله التوفيق:
(1) - لاشك ان الحوادث المرورية من اكبر المشاكل التي نعاني منها ومن ويلاتها في هذا البلد الآمن، حيث تعتبر نسبة الحوادث والاصابات والوفيات الناتجة عنها في المملكة العربية السعودية مرتفعة جدا وذلك ظاهر للعيان من خلال ما يشاهدونه ويسمعونه ويقرؤونه بشكل مستمر، ولعل الدراسة المخيفة التي نشرتها جريدة الجزيرة يوم الاحد 30/3/1418ه عن نسبة الحوادث وما ينتج عنها من وفيات في المملكة خير شاهد على ذلك حيث بينت الدراسة آنفة الذكر ان الحوادث في المملكة وما ينتج عنها من وفيات تمثل ثمانية اضعاف مثيلها في الولايات المتحدة وتسعة اضعاف مثيلها في استراليا وعشرة اضعاف مثيلها في أوروبا.
أيها الاحباب: انه لمن المؤسف حقا ان الكثير من السائقين في بلدنا ليس لديهم ادنى اهتمام بالارواح والممتلكات التي امر الاسلام بحفظها!! فالسرعة الجنونية داخل المدن وخارجها اصبحت مشهدا مألوفا للجميع، وكذلك تمكين الكثير من الصغار والقصار من قيادة السيارة وهم لا يدركون قيمتها وخطورتها في نفس الوقت!! اننا بحاجة ماسة فعلا لتثقيف السائق وصياغته صياغة سليمة لكي يدرك اهمية المركبة التي يقودها والآثار المترتبة على سوء استخدامها.
(2) - طالب الاخ الفاضل بعدم السماح عن الدية الناشئة بسبب الحوادث المرورية وطالب بأخذها كاملة ردعا للمستهترين بارواح الابرياء وسأعلق على ما ذكره الاخ من ناحيتين:
الناحية الاولى: نعلم جميعا ان من تسبب في وفاة شخص او اعاقته عن طريق تهوره في قيادة السيارة ولم يتعمد ذلك ولم يقصده اطلاقا، وان كان لديه بعض الاهمال والتقصير، بدليل ان هؤلاء المتهورين يتسببون في اغلب الاحيان بايذاء انفسهم من خلال الحوادث الشنيعة بسبب تهورهم، ومادام انه لم يتعمد القتل فقتله لغيره عن طريق حوادث السيارات يدخل تحت القتل الخطأ والمشروع في القتل الخطأ العفو عن الدية والتنازل عنها لقوله تعالى: وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمنا الا خطأ, ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى اهله الا ان يصدقوا ,, الآية النساء (92) قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: وقوله: (إلا أن يصدقوا) أي يتصدق ورثة القتيل بالعفو عن الدية ، فانها تسقط وفي ذلك حث لهم على العفو، لان الله سماها صدقة، والصدقة مطلوبة في كل وقت أ,ه انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/380، لذا فالناس تعفو طلبا للثواب لا لأنهم يستعيبون اخذ الدية، لان اخذ الدية ليس عيبا بأي حال من الاحوال.
ثم ليعلم الجميع ان الدية في القتل الخطأ وشبه العمد لا تجب في مال القاتل وانما تتحملها عنه عائلته وهم ذكور عصبته وهذا باجماع اهل العلم، وعلى ذلك فلن يدفع القاتل من الدية شيئا ومن ثم فلن تكون المطالبة بها رادعة له عن هذا العمل,
وليس معنى ذلك ان القاتل خطأ لا يتحمل شيئا!!، لا بل تجب عليه الكفارة وهي عتق رقبة مؤمنة فان لم يجد فيجب عليه ان يصوم شهرين متتابعين وهذه الكفارة واجبة عليه بذاته ولا تسقط عنه وهي تطهير له لانه غالبا لا ينفك عن نوع تقصير في عمل الاحتياطات التي هي سبب لدرء مثل هذا الفعل الذي حصل به القتل,
اذن لعل في مشروعية الكفارة تحقيقا لما قصدته من المطالبة بعدم التنازل عن الدية، الا وهو الردع والزجر.
الناحية الثانية: يجب على الجهات المعنية بهذا الأمر ان توقع اقصى العقوبات على المستهترين بارواح الناس والمتلاعبين بانظمة المرور، وذلك حفاظا على المصلحة العامة ولعل ما يمارسه الشباب اليوم من مخالفات واضحة دليل واضح على ان العقاب ليس بالصورة المأمولة او ان هناك تساهلاً في تطبيقه لانه من المعروف ان من أمن العقوبة اساء الادب ومن عرف ان التوقيف لمدة طويلة والحرمان من القيادة فترة طويلة لن يجرؤ بأي حال من الأحوال على ارتكاب المخالفة ليس حرصا على سلامة الآخرين وانما خوفا من السجن والغرامة العالية!!! ولعل في هذا العمل اعني معاقبة المهمل والمتهور تحقيقاً لما أراده الأخ المطرودي من عدم العفو والتنازل عن الدية، أليس كذلك يا ادارة المرور؟؟
(3)- أؤيد ما ذكره الأخ الفاضل من ان الدية المحددة حاليا غير كافية على الاطلاق ولا تتناسب مع التي تم تحديدها في الشريعة الاسلامية حيث ان دية القتل الخطأ في الشريعة الاسلامية مائة من الابل حسب التفصيل الآتي (عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون من بني مخاض) وبنت المخاض ما تم لها سنة، وبنت اللبون ما تم لها سنتان، والحقة ما تم لها ثلاث سنوات، والجذعة ما تم لها اربع سنوات هذه هي الدية وان لم تكن فقيمتها حسب ما تساوي في كل عصر بحسبه، ولو نظرنا في واقع عصرنا لوجدنا ان قيمة الابل السابقة تتجاوز المائة وعشرين الفا بكثير فحبذا لو اعيد النظر في مقدار هذه الدية، بقي ان اشير الى ان هذه الدية خاصة بالرجل فقط اما المرأة فديتها نصف دية الرجل.
عزيزتي الجزيرة: هذا ما احببت ان اشير اليه شاكرا للاخ عبدالله المطرودي كتاباته الجيدة ومساهماته الفاعلة سائلا المولى عز وجل لي وله ولجميع المسلمين كل توفيق وسداد والحمد لله رب العالمين.
أحمد بن محمد البدر
الزلفي