Tuesday 29th June, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الثلاثاء 15 ربيع الاول


عام الرحيل


يبكيك صفصاف الشآم ووردها
ويبكيك زهر الغوطتين، ودُمّرُ 1
الحمد لله القائل لكل اجل كتاب والصلاة والسلام على الموجّه لأمته,, ب تعزّوا عن مصائبكم بي - الحديث-,,، وبعد
لم تكد تجفّ المآقي على رحيل عالم الأمة ابن باز ومن قبله فقيد العلم ابن غصون عليهما شآبيب الرحمة، حتى تبعهما علم,, قلّ في زمنه نظيره:
بكينا عليهم,, وإن كان بكاؤنا
على أنفس للهِ مُنقطعات 2
فضيلة فقيه الأدباء,, وأديب الفقهاء 3 الشيخ:
علي مصطفى محمد الطنطاوي 1327ه-1420ه:
- أنت أديب العصر والدهر راغم
وأنت عجيب كل ما فيك معجب
جزى الله طنطا كل خير ورحمة
فقد أنجبت من للمكارم يُنجب
وحياك كل الجيل يا خير كاتب
يراعك سحر في البرية يخلب-
وقد ولد -رحمه الله تعالى- في سوريا,, دمشق في 23 جمادى الاولى عام 1327ه/ 1909م, وتعلم فيها حتى تخرّج من جامعتها في الحقوق والآداب عام 1933م، وتدرج في الوظائف التعليمية والقضائية حتى بلغ فيها مكانة عالية, وفي عام 1963م قدم الشيخ الى المملكة العربية السعودية فأخذ يدرس في كلية اللغة العربية وكلية الشريعة في الرياض، ثم انتقل الى التدريس في كلية الشريعة في مكة المكرمة، ثم تفرغ للعمل في مجال الاعلام, وكان له برنامج اذاعي يومي بعنوان مسائل ومشكلات وآخر تلفزيوني اسبوعي بعنوان نور وهداية .
وقد بدأ الشيخ علي الطنطاوي جهوده الخيرة في مجال الدعوة الاسلامية منذ عام 1387ه/1967م وذلك من خلال الدروس والمحاضرات والكتب والمقالات والمؤتمرات والاسفار، ومن خلال الصحف والاذاعة والتلفزيون, وتقلبت به الدنيا وهو ثابت لم يتغير ولم يتقلب، مما يدل على صدق توجهه وقوة عزيمته:
رُبّ من كُنت في الحياة له حرباً
شققت الجيوب عند غيابه 4
وتحديت شمسه، فإذا ولى
تمنيت لمحة من ضبابه
لم يفز منك مرّة بثناء
فنثرت الأزهار فوق تُرابه
وقد الف عشرات الكتب 5 ، وكتب مئات المقالات 6 ، واذاع آلاف الاحاديث، والتقى بمستويات شتى من البشر تتفاوت وتتباين في المستوى الاجتماعي والثقافي.
وقد فاز بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الاسلام في عام 1410ه/1990 ,,- الجزيرة باختصار- عدد 9760 -
ليفخر اليوم قوم باليراع,, ولا
خوف عليهم,, فمن يخشونه ذهبا 7
وليسم من شاء ب الانشاء لا عجب
مضى الذي كان من آيته عجبا
هذا الكاتب والباحث والعالم والاديب الناصح المشفق,, الرقيق سمح الطلعة لين الجانب عذب الحديث لطيف العبارة دمث الخلق قريب من القلب، يأسرك بكلامه، ويمتلكك بابتسامه، ويجمعك امامه:
ابنت لنا التنزيل حكماً وحكمة
وفرّقت بين النور,, والظلماتِ 8
وخفت مقام الله في كل موقفِ
فخافك أهل الشك والنزعاتِ
وارصدت للباغي على دين احمد
شباة يراع ساحر النفقاتِ
فاسمح - ايها القارىء- لقليل من لا يسعفه التعبير، لان من فقدنا فوق قاموس مفرداتي، واعلى من تعابير كلماتي، واجل من مخزون جعبتي,, ومنثور حفظي.
لكن، كما قال امير الشعراء 9 :
نُروّع,, ما نروَّع ثمّ نُرمى
بسهم من المقدور آتٍ
نقل الي خبر رحيلك - كفاجعة- فكان من عظم مصائب هذا الزمان,, فما حالنا -كمسلمين- يسر قلباً مؤمناً,, وان جلبت مصيبة فقدك فائدة فهي اراحة قلبك - الذي طالما اهتم بهموم وغصص اخوانه في الله- من الجراح وآلامها التي لا تبرح جسد عالمنا الاسلامي، وكفٌّ لهمل عين,, طالما ذرفت على مآسي امتها,, فقد وقف قلمه ولسانه لمبادىء قال عنها: لدي اشياء ما بدلتها قط، ولن ابدلها ان شاء الله، وهي: اني حاربت الاستعمار واهله واعوانه وعبيده دائماً، ومجدت العربية وسلائقها وامجادها وبيانها دائماً، وكنت مع الاسلام وقواعده واخلاقه وآدابه دائماً 10
وان لم نعتصم بالصبر بعد الاعتصام بالله على فقدك خالفنا مالك الامر سبحانه وتعالى، فخير ان نقول كما يقول الذاكرون: انا لله وانا اليه راجعون :
ف انا الى الله ,, قول نستعين به
على الرزايا,, ففيه راحة الجسدِ
علم الله عز علينا الفراق كما حل لنا الاشفاق,, فكم بالجيل يأتي مثلك جليل,, وكم بالقرن يرفد لنا بمثلك الزمن:
لو كان يدري الميتُ ماذا بعده
بالحيّ مِنهُ بكى له في قبرهِ 11
عُصص تكادُ تفيضُ منها نفسه
ويكادُ يخرجُ قلبه من صدره
أمعلمي:كم هببت بعد صلاة الجمعة الى الرائي 12 منتظراً اشراقكم، ومتشوقاً لحديثكم,, ومتلهفاً لعلمكم,, ومستمعاً لنصحكم,, للنهم من درركم.
و,, لن اعد مآثرك,, فهي اشهر من نار على علم، ولا عن كتبك ففي كل علم لك به قلم، ولا عن دروسك فقد ابلغها سيف ذي الزمن 13 .
انا لا اكتب عنك معرفاً،,, فانت - والله الشهيد - معروف لا يعرّف,, ولا ارثيك بهذه الكليمات فليس فيما يذكر تشرف 14 :
,,كذا، اذا ابيض ايناع الحياة على
وجه الاديب اضاء الفكر,, والادب 15
واعود لاعتذر من مقامك، فلست والله ندا لاكتب عنك فانت اسمى من هذه الاسطر الدنيا,, عدا شيء لك في القلب ابان عنها 16 -برغم قوة اقفال المعابر ل/ شموخ من فقدته المنابر وغيب في المقابر-,, حاجة في نفس يعقوب عسى ان يكون قضاها!,,ف:
ما فارقتنا طوعاً ولكن
دهاك من المنية ما دهاكا 17
فعزاؤنا لانفسنا التي افتقدتك، وجميل صبرنا على رزئك الذي الم بنا، ثم أخص - بالعزاء- آلك-,, وفي مقدمتهم بناتك - وذووك قائلاً لهم:
صبراً بني علي عنه تكرماً
إن العظيم على العظيم صبور 18
والى كل مسلم ومسلمة في مشارق الارض ومغاربها:
بكى عالم الاسلام عالم عصره
سراج الدياجي، هادم الشبهات 19
ونختم القول بما يرضي ذا الطول سبحانه:
انا لله وانا اليه راجعون والحمد لله من قبل ومن بعد والصلاة والسلام على رسول الله محمد.
عبدالمحسن بن علي المطلق
الرياض
*ايضاح,, -حقوق لاهلها- وليست هوامش :-
1 نزار قباني
2 حافظ ابراهيم
3 كما يصفه الداعية الكبير الشيخ يوسف القرضاوي
4 علي الجارم
5 و,,مؤلفاته تفيض على الثلاثين كتاباً- الرياض عدد 11318-
6 قال عنه استاذه محمود ياسين- في كتابه رجال من التاريخ - له في كل مجلة مقال ممتع يدل على نبوغه ويشعر بتفوقه، هذا الى ذكاء حاد، وجراءة نادرة، واطلاع واسع وغيرة على الامة .
7 حفني ناصف
8 حافظ ابراهيم
9 احمد شوقي
10 كتابه حديث النفس ، ص 7.
11 ديك الجن عبدالملك بن رغبان
12 تعريب الفقيد رحمه الله لاسم التلفزيون .
13 اجهزة الاعلام.
14 ,, مصداقاً لقول الامام الغزالي رحمه الله لا يكتب عن الائمة,, الا امام .
15 عبدالله البردوني.
16 وقد احسنت صحيفة الجزيرة - عدد 9737- حين خصت ملحقها الادبي لفضيلة الفقيد الغالي رحمه الله رحمة واسعة.
17 البهاء زهير.
18 المتنبي- بتصرف.
19 شاعر النيل.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved