Friday 2nd July, 1999جريدة الجزيرة 1420 ,الجمعة 18 ربيع الاول


أسس التربية عند الملك عبدالعزيز رحمه الله

إن الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن - رحمه الله - ذلك القائد الفذ المحنك والمجاهد المخلص، ليس رجل سياسة وملك فحسب بل إنه والد حنون، وأخ عطوف كريم، وصديق صادق مثقف، ومصلح صالح، وعالم جليل، ومرب فاضل وحاذق، جمع من الخلال والصفات والآداب ما أهله وبتوفيق من الله الى ان يصل الى ما وصل إليه من تأسيس هذه المملكة العزيزة، ولم شمل اهل هذه الجزيرة، وتوحيد صفوفها، وجمع كلمتها على عقيدة التوحيد وتحقيقها، وغرس المنهج السليم بين ابنائها، انطلاقا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السلف الصالح لهذه الامة، مع ما واكب ذلك من اخلاص منقطع النظير، ونية صافية صادقة، همها اعلاء كلمة الله ونصرة الدين، وزرع المحبة والائتلاف والاتفاق بين ابناء وطنه، ودفعهم الى التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والتناصح فيما فيه خير البلاد والعباد، ونبذ كل ما من شأنه إثارة الخلاف والاختلاف، ونشر الفرقة، والافتراق بين الناس، ونزع كل عادة من عادات أهل الجاهلية وغيرهم كالعصبية البغيضة، والتفاخر بالاحساب والانساب.
وبما ان الملك عبدالعزيز رحمه الله اخلص وأصلح ما بينه وبين ربه، وقوى صلته به سبحانه، فقد من الله عليه بأن اصلح ما بينه وبين ابنائه وأهله وشعبه بل ومن هم من الوافدين على هذه البلاد، فوصلت محبته إلى سويداء قلوبهم، وتعلقت به عقولهم وأفكارهم، وسار همهم وشغلهم وحديثهم وكل شأنهم فأرخصوا من اجله كل غال ونفيس، وبذلوا لنصرته والوقوف معه الانفس والاولاد والاموال وترك الديار والاهل والاصحاب، وحق له ان يفعلوا كل ذلك تجاهه لانه كان قدوة في اقواله وأفعاله وجميع اموره، اب للصغير، وشقيق للكبير ولا يفرق في ذلك بين ابنائه وغيرهم، يعين محتاجهم، ويحلم على مسيئهم ويعفو عن مذنبهم ويصوب مخطئهم، ويقيل عثراتهم، يكرم الضيف، ويغيث الملهوف، ويعطف على الفقراء والمساكين ويعطي عطاء الاكرمين، وينزل الناس منازلهم مع ما واكب ذلك من طيب المعشر ونقاء في السريرة، وصفاء في النية، وسعة صدر ظاهرة، وسماحة ودماثة في الاخلاق، وأدب جم، وبساطة، وسعة في الافق، وبصيرة نافذة، وحكمة فائقة، وإدراك لخلفيات الاحداث وملابساتها، قريبة كانت أو بعيدة، ومعرفة بالرجال وأحوالهم، يفعل ذلك بعفوية وفطرية، لان كل ذلك خلق له وسجية، علما بأن ذلك لم يمنعه من الصرامة في الحق، والصراحة في كل امر يحتاج إلي ذلك، وما ذاك إلا لأنه انطلق في معاملاته وتعاملاته، وجميع تصرفاته، وتربيته لابناء شعبه من مبادئ الشريعة وقواعدها، ووفق اسسها وأصولها وغير خارج عن مقاصدها وأهدافها.
يقول الملك فيصل بن عبدالعزيز مبينا بعض اساليب الملك عبدالعزيز - رحمهما الله - في تهذيب وتربية افراد امته: (وأما جلالته كأب فأستطيع ان أقول، ان كل فرد في شعبه يعتبره أبا له، لما عرف عنه من عنايته بأبناء رعيته، وعطفه الكبير، وحنانه الواسع، ان والدي في تربيته لنا يجمع بين الرحمة والشدة، ولا يفرق بيننا وبين ابناء شعبه، وليس للعدالة ميزانان يزن بأحدهما لابنائه، ويزن بالآخر لابناء شعبه، فالكل سواء عنده، والكل ابناؤه، وأذكر ان احد اخوتي الاطفال اعتدى على طفل آخر فما كان من جلالته إلا ان عاقبه، ولم ينفع له انه ابن الملك.
وليس لشفقة والدي وحنانه على ابنائه وأحفاده حدود، بل يغمرهم بعطفه في كل آن، وهو يحب ان يراهم يوميا، وخاصة صغارهم، فيجتمعون بعد مغرب كل يوم في قصره، ويجلس اليهم، فيلاطفهم واحداً واحداً، ويقدم إليهم الهدايا والحلوى، ويحب جلالته المباسطة على المائدة خلال تناول الطعام ويمازح ابناءه وجلساءه ويحادثهم احاديث طلية لا أثر للكلفة فيها ويعاملهم معاملة الصديق للصديق).
ويقول خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - حفظه الله - في حوار مع منسوبي جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية في 1/8/1404ه مبينا المبادئ والاسس التي كان يركز عليها الملك عبدالعزيز - رحمه الله - في تربيته لابنائه، ويعمل على غرسها وتأصيلها في نفوسهم، (الشيء الذي تأثرت به من الملك عبدالعزيز هو ما فيه شك انه مرب كبير، ودائما عندما نكون في حضرة الملك عبدالعزيز التركيز الاساسي هو: كيف يوضح لنا مفهوم العقيدة الاسلامية؟ وكيف يمكن إذا تمسكنا بهذه العقيدة ان الخير والسعادة والبركة سوف تكون دائما حوالينا، وإذا لا سمح الله خرجنا عن نطاقها فلن يكون لنا اي نصيب من الحياة التي ممكن ان يتمتع بها الانسان، كانت نصائحه دائما تنصب على العقيدة الاسلامية، ويقول: هي الخير والبركة، ولولا ان هذه البلاد متمسكة بالعقيدة الاسلامية ما كان وصلت إلى ما وصلت إليه، وإن توجيهاته أوحديثه معنا كأبناء له ينصب على ايضاح مفهوم العقيدة الاسلامية إذا تمسك بها الانسان، او تركها الانسان، وكان موجها عظيما - رحمه الله - وحريصا دائما ان تؤدى الواجبات التي فرضها رب العزة والجلال علينا، ومن اهمها الصلاة، وما يتفرع منها، والصيام والخلق الطيب بطبيعة الحال، لا يستطيع اي انسان ان يوجه ابنه، او أخاه او قريبه، أو محبه اكثر من ان يسدي له النصح، ام لا، فلذلك ادى واجبه رحمة الله عليه من هذه الناحية، وأوضح لنا الطرق والاساليب التي على اساسها يستطيع الانسان ان يكيف نفسه ويكونها).
ويقول الامير سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - متحدثا عن حرص الملك عبدالعزيز - رحمه الله - على تربية ابنائه وفق احكام الشريعة، وعدم التساهل معهم في اداء الطاعات والعبادات وخصوصا الصلاة التي هي عمود الدين: (الملك عبدالعزيز كان يتفقدنا في الصلاة في الفجر والظهر والعصر، ما عدا المغرب، فالمغرب يتمشى فيه، فهو يصلي المغرب بالبر، وكذا العشاء، ويا ويل من لا يصلي، كانت توجد غرفة مخصصة شبيهة بالسجن لمن لا يصلي، او كذا يوضع فيها، فلذلك لا تجد والحمد لله من ابناء عبدالعزيز إلا كل واحد منهم يحافظ على صلواته، لان هذه تربية عبدالعزيز له,,,).
ويقول ايضا: (لذلك تربيته كانت الشدة مع ابنائه في الاشياء الاساسية في عقيدتهم، في صلاتهم، في كل امورهم، في كبح جماحهم عن التعدي على احد، وكذا في الوقت نفسه التعاطف معهم، والتفكه معهم، ورعايتهم في الاوقات الاخرى، والسؤال عنهم في مرحهم، ورغم ان مسؤوليته لا تعطيه الوقت الكافي، إلا انه كان يرعى ابناءه ويتفقدهم).
هذا هو الملك عبدالعزيز صاحب المجد التليد، والتاريخ المجيد، والرأي السديد، والمنهج الرشيد والسلوك القويم، مؤسس هذا الكيان العزيز والوحدة الفريدة، والامة المهيبة التي بلغت عنان السماء، وصارت متطلع الانفس، ومهوى الافئدة ومضرب الامثال بأمنها وأمانها وإيمانها وطمأنينتها واستقرارها ورغد عيشها، وتطورها الاصيل، وتقدمها المنضبط بضوابط الشريعة الاسلامية الممتزجة بالمعتقد الصحيح والمنهج السليم، يقول حافظ وهبة: (وقد لاحظت مرة في احدى زوراتي للامام عبدالرحمن والد الملك عبدالعزيز انه لا يقرأ الكتب التي ترسل إليه، ويردها مع الرسول كما هي، فسألته: لماذا لا تقرؤها؟ لقد أرسلها إليكم عبدالعزيز لتطلعوا عليها، ولترشدوه برأيكم إذا رأيتم فيها خطأ.
فقال : ان عبدالعزيز موفق، لقد خالفناه في آرائه كثيرا، ولكن ظهر لنا بعد ذلك انه هو المصيب، ونحن المخطئون، إن نيته مع ربه طيبة، لا يريد إلا الخير للبلاد وأهلها، فالله يوفقه ويأخذ بيده، وان تنصروا الله ينصركم،فرحمه الله رحمة واسعة، وطيب ثراه وجعل جنة الخلد مثواه، وجعل الخير في عقبه وابنائه وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
د, سليمان بن عبدالله أبا الخيل
وكيل جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved